الحميريون: ملوك عظام كانت منازلهم في اليمن ودام لهم الملك زمنا طويلا، وهم ينتسبون إلى صاحب هذه الترجمة: حمير بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان، وكان ملكا شجاعا مظفرا، حكم بعد موت أبيه سبأ، ولم تزل عاصمة ملكه صنعاء، وغزا وافتتح حاذيا حذو آبائه في توسيع دائرة ملكهم حتى قيل: إن غزاته بلغوا الصين.
وحمير: لقب عليه لاختياره الثياب الحمر وكثرة لبسه لها واسمه العرنجج: وهو مشتق من قولهم: اعر نجج في الأمر: إذا جد فيه، واتخذ من الذهب الوهاج تاجا، فكان أول من تتوج بالذهب، وله وقائع مشهورة منها أنه قاتل قبائل ثمود، وكان مقامها في اليمن ففرقها فارتحلت إلى الحجاز.
والدولة الحميرية ذات ذكر وشأن في تاريخ جاهلية العرب، وأصحاب الأخبار لا يعولون في مدتها على رأي، ولكنهم يختلفون اختلافا عهدناه بهم في مثلها فلا غرابة فيه، وضعفت في منتهى أمرها، شأن غيرها من الدول الكبيرة، فأسست على أنقاضها دولة حبشية أسسها أرباط الحبشي الذي أغار بجيش كبير من أبناء جلدته على آخر الملوك الحميريين ذي نواس، وهو أحد الملوك
_________________
(١) كذا بالأصل.
[ ٧٤ ]
اليمانيين المعروفين بالأذواء (^١)، فقاتله وامتلك اليمن سنة ٨٥ ق. هـ. فدام لأرياط الملك وتوارثه عنه بعض أبنائه، والعرب اليمانيون يتحفزون إلى الوثوب بهم، ولكنهم لا يستطيعون لاستئثار الحبشة بالقوة دونهم، حتى نهض فيهم شاب كان من سلالة الأذواء الحميريين واسمه: سيف بن ذي يزن فإنه دهم الأحباس بجيش أتى به من الفرس؛ على نحو ما سيأتي مفصلا في ترجمة سيف المذكور؛ فأعاد الملك إلى أهله واستقل به سنة ٢١ ق. هـ.
وللحميريين لغة انفردت بها قبائل اليمن تختلف عن العربية الحجازية بفروق كثيرة في كتابتها وكلماتها، ولها ألفاظ لا يعرفها غير اليمانيين؛ فمما اختصوا من الألفاظ: العباهلة، والأقيال، والأرواع، والمشابيب (^٢)، وغير ذلك مما ورد شيء منه في بعض رسائل النبي (ﷺ) التي بعث بها إليهم، وكان يخاطب كل قبيلة بلهجتها ولغتها، ورسائله محفوظة في أكثر كتب الأدب والتاريخ.
ومما خالفوا فيه غيرهم من قبائل العرب الوثوب يعنون بن القعود، وإبدال لام التعريف بالميم، يقولون: طاب امهواء، وجاء امشتاء، وصفا امجو؛ يريدون الهواء والشتاء والجو، ويحفظ عن رسول الله (ﷺ) أن جماعة من الحميريين سألوه عن الصيام في السفر فأجابهم بلغتهم ليس من امبر الصيام في امسفر، يعني: ليس من البر الصيام في السفر.
والعامة في مصر والشام اليوم يقولون امبارح «إذا أرادوا «ممم البارحة».
ومنها: الوتم، وهو إبدالهم السين تاء، يقولن: ألنات بالنات، يعنون: الناس بالناس.
_________________
(١) جمع «ذو» وهم ملوك اليمن الحميريون المبدوءة أسماؤهم بذو منهم: ذو يزن وذو غمدان وذو جدن وذو سلحين وغيرهم.
(٢) العباهلة في لغتهم: الذين استقر ملكهم، والأقيال جمع قيل وهو دون الملك الأعلى كالوزير الأكبر (صدر أعظم)، والأرواع السادات، والمشابيب: الأذكياء.
[ ٧٥ ]
والشنشنة: وهي إبدالهم الكاف شيئا: سمع أحدهم في عرفة، يقول: لبيش اللهم لبيش، أي: لبيك اللهم لبيك، وهذه شائعة اليوم في كثير من القرى والبوادي، ويبدلون الباء جيما في الإضافة والنسب نحو غلامج (أي غلامي) وبصرج (أي بصري).
ويقفون على الهاء بالتاء: يقولون: عربيت، ولغويت، ونجديت، وهم يريدون: عربية، ولغوية، وهذه أيضا شائعة اليوم في المدارس المسيحية، خاصة في بلاد الشام، والبحث في هذا الأمر يطول، وعلماء العربية لا يحتجون بكلامهم في اللغة لمخالطتهم الحبشة والهنود (المزهر: للسيوطي).
وعلماء الآثار اليوم يرون بونا بعيدا بينها وبين العربية الحجازية، وذلك فيما عثروا عليه من كلامهم، حتى شك بعضهم في أنها فرع من العربية وعدوها لغة قائمة بنفسها. قال البستاني في دائرة المعارف (ج ٧ ص ٢٤٢): وذهب بعضهم إلى أن الحميرية تختلف جدا عن العربية، حتى أنه لا يجوز جعلهما معا، وأول من بين لأوروبا وجود الكتابة الحميرية في المقاطعات الجنوبية من بلاد العرب هو العالم نيبور، وذلك سنة ١١٩٠ هـ (١١٧٤ م)، ثم كشفت عدة كتابات وآثار في ظفار وصنعاء والخريبة ومأرب وحرم بلقيس وحضرموت، وفي المتحف الإنكليزي بلوندره نموذج منها منقول على ألواح نحاسية باللغة الحميرية وجدت في حضرموت، وجوهرتان عليهما كتابة حميرية جيء بهما من بابل، واكتشف الباحثان بليفير وكوغلان عدة ألواح برنزية عثرا عليها في القرب من صنعاء وأهدياها إلى المعرض. قال البستاني: ووجد حديثا كتابات كثيرة حتى صارت تعد بالمئات.
والأحرف الحميرية اكتشفها موسيو كلدور في أبين (جهة في الشمال الشرقي من عدن) منقوشة على قطعة من البلاط، والكتابة الحميرية تختلف عن غيرها
[ ٧٦ ]
من لغات القبائل العربية اختلافا واضحا وخطها يعرف بالمسند وهو قريب في صورته من الخط السرياني والحبشي.
ونقل صاحب المطالع النصرية عن ابن خلكان قوله: والحميرية هي خط أهل اليمن قوم هود وهم عاد الأولى، وكانت كتابتهم تسمى المسند الحميري وكانت حروفها كلها منفصلة وكانوا يمنعون العامة من تعلمها فلا يتعاطاها أحد إلا بإذنهم. اهـ.
وعاش حمير خمسين سنة في ملكه بعد أبيه، وولد له خمسة أولاد: مالك، وعامر، وعمرو، وسعد، ووائلة. كذا في المعارف لابن قتيبة.
ومن بطون حمير على ما ذكره القلقشندي في كتاب الأنساب: السكاسك، والشعبيون، وبنو الريان، وقضاعة، وبطون قضاعة، وبنو عبد شمس.
ومن ملوك حمير: التبابعة، والأذواء، والأقيال. وعلى ما في تاريخهم وأخبارهم من الغموض تجد في كتب التاريخ الكبيرة كتاريخ ابن خلدون وأشباهه كلاما كثيرا عنهم، وفيه ما تؤيده الآثار المكتشفة في عصرنا هذا.
تبع