كانت العرب حتى سنة ٤٠٠ قبل الهجرة آخذة بدين إبراهيم الخليل ﵇ إلا قليلا منها اتبعوا ديانات مجاوريهم من الفرس والروم والوثنيين وغيرهم حتى نشأ في الحجاز ملك منهم يدعى «عمرو بن لحي» بن حارثة بن عمرو مزيقياء الأزدي من ولد كهلان بن سبأ، وكان ملكا مطاعا شائع الذكر داهية خضعت له الحجاز، وهو أول من أدخل الأصنام على تلك البقعة وجعلها في الكعبة، وذلك أنه أصيب بعلة شديدة أعياه شفاؤها فقيل له: لو قصدت البلقاء من أعمال الشام فإن بها حمة إن أتيتها برأت، فأتاها، فاستحم، فبرأ من مرضه، واختلط ببعض أهلها فرآهم يعبدون أصناما فسألهم عنها، فقالوا: هذه أرباب اتخذناها على شكل الهياكل العلوية والأشخاص البشرية نستنصر بها فتنصر ونستسقي بها فنسقى، فأعجبه ذلك، فطلب منهم صنما وبذل لهم ما يعدله من النقود فدفعوا إليه «هبل»، واسمه في العبرانية «هبعل»، وهو اسم أكبر أصنام الفينيقيين أو الكنعانيين ومن جاورهم من أمم الشام.
قال النويري: وهبل: صنم من خرز العقيق على صورة الإنسان، فاحتمله عمرو به لحي وسار به إلى مكة فوضعه على الكعبة، واشترى صنمين أحدهما
[ ٧٩ ]
«إساف»، والثاني «نائلة»، فعكف على عبادتهما وأمر قومه وعشيرته بعبادة الأوثان وتعظيمها، ثم دعا العرب كافة إلى رفع شأنها واحترامها والتقرب منها، فأجابه السواد الأعظم منهم رغبة أو رهبة، وشد جماعة من عقلائهم ومفكريهم، ففضلوا الديانات المعروفة في ذلك العصر كالإسرائيلية والنصرانية، ومنهم من اختار مذهب المجوس والزنادقة أو الثنوية، أو عبادة الكواكب، وثبت فريق على ديانته الأولى. واستمر الأكثرون على عبادة الأصنام وتقريب القرابين لها حتى جاء الإسلام فحطمها وحول الناس عن ابتغائها بعد أن كثر عددها وفشا أمرها واتخذت كل قبيلة من قبائل العرب صنما ابتدعته، ومنهم من بنى له بيتا ليكون كالكعبة يطاف حوله، حتى إذا ارتفع لصاحب ذلك الصنم شأن أو كان له سلطان على من جاوره من العشائر دعاهم إلى تعظيمه وعبادته وناضل عنه ببأسه وقوته، تشبها بقريش في سدانتها للكعبة وسيادتها بذلك.
وقد حطم المسلمون نيفا وثلاثمائة صنم، وقيل: إنها كانت على عدد أيام السنة، ومن أشهر أصنام العرب: «هبل الأنف ذكره، و«إساف»، وكان على الصفا، ونائلة وكان على المروة، و«مناة» وكان عند الأوس والخزرج في مدينة يثرب، واللات» وكان لثقيف في الطائف، و«العزى» وكان لقريش وكنانة، وود لبني كلب بدومة الجندل، و«سواع» لهذيل، و«يغوث» لمذحج، و«يعوق» لهمذان، وأصنامهم كثيرة يضيق بها مجال هذا الكتاب.
أما عمرو بن لحي المترجم: فقد كان في عصر سابور ملك العجم (قاله الشهرستاني)، وسوابير العجم ثلاثة: سابور بن أردشير (مات سنة ٣٩٨ ق. هـ) وسابور بن هرمز المعروف بذي الأكتاف (مات سنة ٢٧٨ ق. هـ)، وسابور ابن ذي الأكتاف (مات سنة ٢٦٩ ق. هـ)، وأشهرهم عند سكان جزيرة العرب ذو الأكتاف؛ فإنه غزاهم وكان له معهم حديث طويل، والذي ذهبت إليه في تاريخ صاحب الترجمة أنه كان في عصر سابور الأول ورجحه عندي قدم
[ ٨٠ ]
الأصنام في الكعبة ورجوعها إلى عهد أبعد من عهد سابور الثاني أو الثالث، وكذلك صنع السيد رفاعة الطهطاوي في كتابه بداية القدماء وهداية الحكماء، اختار لعمرو معاصرة سابور الأول، وهو متردد في الحكم غير جازم.