ولد سنة ٥٧١ م - ٥٣ ق. هـ
وهاجر سنة ٦٢٢ م - ١ هـ، وتوفي سنة [١١ هـ]
بينما العرب في ليلة ليلاء، من جاهلية عمياء، يأكل قويهم ضعيفهم، ويفضل غويهم شريفهم، وأنصاب الفتنة منصوبة، سيوف مسلولة، وأرواح مبذولة، ولا رادع، ولا حكم ولا مسيطر، وهم إلى الفناء أقرب منهم إلى […] (١)، بعيدون عن فضائل العلم والمدنية، لا هم لهم إلا القتال والنزال، على كثرة ما فيهم من ذوي العقول الرجيحة، والألسنة الفصيحة، وما في أخلاقهم من الألفة، والنجدة، والإباء، والغيرة، وما في أجسامهم من القوة والمتانة والصلابة، وما في عشائرهم من التضامن والتراص، لولا إحن وأحقاد، تتوارثها الأحفاد، عن الآباء، عن الأجداد؛ رأت في قلوبهم مكانا خاليا فتحكمت، فشغلتهم عن مجاراة غيرهم من […] (٢) الفرس والروم في حلبة الحضارة والعمران، والعلم والعرفان […] (٣)، أراد الله بهم الخير؛ فأرسل لهم من أنفسهم هاديا حكيما مرشدا، ضم كلمتهم ووحد جمعهم، وأمات كامن أضغانهم، وأسس فيهم بنيانا لا يتهدم، وأودع في أدمغتهم نورا لا تطفئه العصور والدهور، ذلك هو: النبي الأعظم: محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة ابن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان، وإلى هنا ينتهي نسبه الشريف وما وراء ذلك فالخلاف فيه كثير. ولد ﷺ بمكة، ومات أبوه بعد مولده بشهور، فكفله جده عبد المطلب، وماتت أمه آمنة بنت وهب وعمره ست
_________________
(١) (١ - ٣) كلمة غير واضحة بالأصل.
[ ٢٤ ]
سنوات، ثم مات جده وله من العمر ثمانية أعوام، فأتم تربيته عمه أبو طالب، فنشأ معروفا بالشجاعة والهمة والأمانة والصدق والأخلاق الفاضلة والعقل وقوة الإدراك، ولقبه قومه بالأمين.
ولما بلغ الخامسة والعشرين زوجه عمه بخديجة بنت خويلد القرشية الأسدية، وكانت قد أرسلته بتجارة إلى الشام فأفلح وربح، وفي العام الأربعين من مولده بعثه الله إلى الناس مبشرا ونذيرا؛ فجعل يدعوهم ويرشدهم خفية مدة ثلاث سنين، ثم أعلن الدعوة وكان قد آمن به جماعة من أهله وذوي قرباه، فهزأت به قريش وآذته، فصبر، وأقام بمكة مدة مات في أثنائها عمه وأكبر عاصم له من أعدائه أبو طالب بن عبد المطلب، وأسلم في أواخرها عمه حمزة بن عبد المطلب نجدة لابن أخيه ونصرة له، وأسلم عمر بن الخطاب، وكثر عدد نصرائه وفيهم ابن عمه علي بن أبي طالب، ومولاه زيد بن حارثة، وصديقه أبو بكر، وصاحبه عثمان بن عفان، والزبير بن العوام، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص، وطلحة بن عبيد الله. فرأى النبي ﷺ أن يأذن لمن ليس له عشيرة تحميه من شر قريش بالهجرة إلى أرض الحبشة، فهاجر جماعة من أصحابه، ثم أسلم ستة من الأوس والخزرج من سكان المدينة، وذهبوا إليها فنشروا الإسلام في أبنائها، فجاءه منها اثنا عشر من الأنصار فآمنوا به فبعث معهم مصعب ابن عمير بن هاشم بن عبد مناف ليعلمهم شرائع الإسلام والقرآن، فلم يمض غير قليل حتى لم تبق دار في المدينة من دور الأنصار إلا وبها مسلمون إلا دار بني أمية بن زيد. ثم ذهب إلى مكة جماعة منهم فعرضوا على النبي وأصحابه الهجرة إليهم والإقامة في يثرب وهي المدينة المنورة، وعاهدوه على أن يدافعوا عنه، فاستوثق منهم، وأمر أصحابه بالخروج من مكة ثم لحقهم، وبلغ قريشا خبر رحلته فقصدوه ليقتلوه فحماه الله منهم، ودخل المدينة مهاجرا بعد إقامته بمكة ثلاثة عشر عاما.
[ ٢٥ ]
ومن سنة دخوله المدينة يبتدئ التاريخ الهجري. وكانت الدعوة الإسلامية لا تخرج عن حد الدليل والبرهان، ولكنه لما اطمأن في المدينة وعلم أن أعداءه غير تاركيه بل لابد لهم من قصده ومحاولة إيذائه، رأى أن السيف لا يدفعه إلا السيف؛ فأمر المسلمين بإعداد القوة ومحاربة خصومهم وبغاة الشر بهم. فحدثت مناوشات يسيرة ثم عظم أمرها.
فلما كانت السنة الثانية من الهجرة في شهر رمضان كانت غزوة بدر الكبرى. وفي هذه السنة كانت غزوة بني قينقاع، والكذر والسويق. وفي السنة الثالثة كانت غزوة أحد، وغزوة حمراء الأسد، وفي الرابعة غزوة الرجيع، وغزوة ذات الرقاع، وغزوة بدر الثانية. وفي السنة الخامسة كانت غزوة الخندق، وغزوة بني قريظة، وفي السادسة غزوة بني لحيان، وغزوة ذي قرد، وغزوة بني المصطلق، وفيها بعث رسول الله الرسل إلى كسرى وقيصر والنجاشي وغيرهم من عظماء الملوك كالمقوقس بمصر، والحارث الغساني بالشام. وفي السنة السابعة من هجرته كانت غزوة خيبر. وفي الثامنة غزوة ذات السلاسل، وغزوة مؤتة، وفيها فتح المسلمون مكة المكرمة، وكانت غزوة هوازن بحنين. وفي التاسعة غزوة تبوك، وغزوة طيئ … وكل هذه الغزوات كانت حروبا بين المسلمين وعرب الحجاز، وأكثرها تم به النصر للمسلمين، حتى ارتفع شأنهم، وطأطأت لهم العرب رؤوسها؛ فدخلوا في الدين أفواجا، وأرسلت القبائل وفود الطاعة.
ولم يتوفه الله إلا بعد أن فتحت له بلاد الحجاز واليمن وجميع جزيرة العرب وما داني ذلك من الشام والعراق، وحبي له من أخماسها وصدقاتها وجزيتها ما لا يجبى للملوك إلا بعضه، وهاداه جماعة من ملوك الأقاليم فلم يستأثر بشيء مما ورد عليه ولا أمسك منه درهما بل صرفه على مصارفه وأغنى به غيره وقوى به المسلمين.
وكان ﷺ شجاعا مقداما، خطيبا، أوتي جوامع الكلم، متصفا بصفات
[ ٢٦ ]
الكمال، قال أنس بن مالك: كان رسول الله ﷺ: أشجع الناس وأسمح الناس، وأحسن الناس، وقع في المدينة فزع فركب فرسا عريا، فسبق الناس إليه وهو يقول: أيها الناس لم تراعوا لم تراعوا.
وقال علي بن أبي طالب ﵁: كنا إذا اشتد البأس اتقينا برسول الله ﷺ؛ فكان أقربنا إلى العدو.
ودونت كلماته من بعده. قال ﷺ: «أوتيت جوامع الكلم واختصر لي الكلام اختصارا».