ولد سنة ٢٠ ق. هـ وتوفي سنة ٦٠ هـ
بنو أمية بطن من قريش كبني هاشم، وهم من ذوي السيادة والرياسة في هذه القبيلة، وإنما قدم عليهم الهاشميون برسول الله ﷺ؛ فلما لقي ربه طمحوا نحو الإمرة من بعده، فتولاها أبو بكر فصبروا، وعمر فانكمشوا، وصارت إلى عثمان فأحياهم وأنعش آمالهم وفرقهم ولاة وحكاما في البلاد.
أما معاوية وهو صاحب هذه الترجمة، فأبوه أبو سفيان صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف: ولد بمكة وأسلم يوم فتحها (سنة ٨ هـ)، وكان من ذوي الرأي والدهاء عارفا بالكتابة وهي فضل كبير في ذلك الحين فجعله رسول الله ﷺ في كتابه.
ولما ولي أبو بكر ولاه قيادة جيش تحت إمرة أخيه يزيد بن أبي سفيان فكان على مقدمته في فتح مدينة صيدا، وعرقة، وجبيل، وبيروت.
وآل الأمر إلى عمر بن الخطاب (﵁) فولاه ولاية الأردن، فرأى فيه معرفة وحزما؛ فلما مات أخوه يزيد وكان والي دمشق ولاه عمر بدلا منه.
وجاء عثمان وصلة النسب تربطهما فجمع له الديار الشامية معها وجعل ولاة أمصارها تابعين له، فشرع معاوية يتحبب إلى أهل الشام ويدني رؤساؤهم من حضرته حتى استألفهم واستمالهم إليه، ومات عثمان فقام علي مقامه، وهو الأمر الذي تكرهه أمية لعلمها بأن الخلافة متى توارثتها قريش حرمت هي منها: فأعد معاوية العدة واتخذ قتل عثمان ذريعة له يستحث به الجموع على قتال علي وأصحابه وكان بينهما ما أسلفنا ذكره في ترجمة علي من الحروب والوقائع بصفين وانتهى الأمر بإمامته على الشام وإمامة علي في العراق، ثم قتل علي
[ ١٣٢ ]
وبويع بعده ابنه الحسن فسلم الخلافة إلى معاوية (انظر ترجمته الحسن بن علي)، وذلك في عام ٤١ هـ، وهو المعروف بعام الجماعة لاجتماع المسلمين فيه يدا واحدة على إمام واحد، ودامت له الخلافة حتى بلغ سن الشيخوخة فعهد بها إلى ابنه يزيد. ومات بدمشق فدفن في مقبرة باب الصغير.
ذلك إجمال في سيرة معاوية مؤسس دولة بني أمية، ومن عظماء ملوك العرب وخلفائهم، وهو أحد كبار الفاتحين، بلغت فتوحاته المحيط الأتلانطيقي [الأطلنطي]، وكان واليه على مصر عمرو بن العاص (الآتي ذكره) فافتتح السودان سنة ٤٣ هـ، وفي هذه السنة غزا عبد الله بن سوار العبدي القيقان من بلاد السند فأصاب مغانم كثيرة عاد بها إلى معاوية ورجع إلى الغزو فقتل في بعض بلاد السند، وكان عدد السفن في أيام معاوية ١٧٠٠ سفينة كاملة العدة، وهو أول مسلم ركب بحر الروم للغزو، وذلك حينما كان عاملا على الشام في خلافة عثمان بن عفان، وفي أيامه فتح كثير من الجزائر اليونانية والدردنيل وحاصر القسطنطينية بحرا وبرا سنة ٤٨ هـ فلم يتمكن من فتحها وأصيبت سفنه بخسائر فادحة فعاد ما بقي منها، وهو أول من جعل دمشق مقر خلافة، وأول من اتخذ المقاصير (وهي الدور الواسعة المحصنة)، والحرس والحجاب، ولم يكن ذلك للخلفاء الراشدين لازدرائهم تلك المظاهر والزخارف وبعدهم عن أبهة الملك وقناعتهم بما كانوا عليه قبل الخلافة من السذاجة والتقشف وأما معاوية فلم يتسن له ذلك في بلاد ألفت أنظارها ما كان عليه ملوكها السابقون من الروم، وربما سخرت بمن كان دونهم وعدته دخيلا على الرياسة، حديث عهد بالإمارة، وهو أول من خطب قاعدا لأنه كان بطينا بادنا، وأول من قدم الخطبة على الصلاة في يوم الجمعة، وكانت الخطبة بعد الصلاة فخاف معاوية أن يتفرق الناس عنه قبل أن يتم ما يريد أن يقول فقدمها: وتابعه المسلمون حتى اليوم، وهو أول من جلس بين الخطبتين وبقيت بعده إلى يومنا هذا، وفي أنساب
[ ١٣٣ ]
العرب للقلقشندي أنه كان طويلا أبيض جميلا مهيبا، قال: وكان عمر ينظر إليه فيقول: هذا كسرى العرب!
وفي سنة ٥٠ هـ سار إلى المدينة بموكب حافل فألقى بها عدة خطب وكان قوي المنطق جيد البديهة سريع الخاطر، ومن أحسن ما تتمثل به سياسته في قوله في بعض خطبه:
«يا أهل المدينة إني لست أحب أن تكونوا خلقا كخلق العراق يعيبون الشيء، وهم فيه: كل امرئ منهم شيعة نفسه، فأقبلونا بما فينا؛ فإن ما وراءنا شر لكم، وإن معروف زماننا هذا منكر زمان قد مضى، ومنكر زماننا معروف زمان لم يأت ولو قد أتى، فالرتق خير من الفتق، وفي كل مقال بلاغ ولا مقام على الرزية».
ودخل دار عثمان بن عفان - في المدينة - فصاحت عائشة بنت عثمان وبكت ونادت أباها، فقال معاوية: «يا ابنة أخي إن الناس أعطونا طاعة وأعطيناهم أمانا وأظهرنا لهم حلما تحته غضب، وأظهروا لنا ذلا تحته حقد، ومع كل إنسان سيفه ويرى موضع أصحابه؛ فإن نكثناهم نكثوا بنا ولا ندري أعلينا تكون أم لنا، ولأن تكوني ابنة عم أمير المؤمنين خير من أن تكوني امرأة من عرض الناس».
وخطب في المدينة أيضا فقال: «أيها الناس، إن أبا بكر (﵁) لم يرد الدنيا ولم ترده، وأما عمر فأرادته الدنيا ولم يردها، وأما عثمان فنال منها ونالت منه، وأما أنا فمالت بي وملت بها؛ فإن لم تجدوني خيركم فأنا خير لكم».
وكان يضرب المثل بحلم معاوية ومن أخباره أنه كان لعبد الله بن الزبير أرض مجاورة لأرض فيها عبيد لمعاوية من الزنوج يعمرونها فدخلوا في أرض عبد الله فكتب إلى معاوية: «أما بعد؛ فإنه يا معاوية إن لم تمنع عبيدك من الدخول في أرضي كان لي ولك شأن!»، فلما وقف معاوية على الكتاب دفعه إلى ابنه يزيد فلما قرأه قال له: ما ترى؟ قال: أرى أن تنفذ إليه جيشا أوله عنده وآخره
[ ١٣٤ ]
عندك يأتونك برأسه، فقال: يا بني عندي خير من ذلك علي بدواة وقرطاس، وكتب: «وقفت على كتابك يا ابن حواري رسول الله ﷺ وساءني والله ما ساءك، والدنيا هيئة عندي في جنب رضاك، وقد كتبت على نفسي برقما بالأرض والعبيد، وأشهدت علي فيه ولتضف الأرض إلى أرضك والعبيد إلى عبيدك والسلام»، فلما وقف عبد الله على كتاب معاوية كتب إليه: «وقفت على كتاب أمير المؤمنين أطال الله بقاءه فلا عدم الرأي الذي أحله من قريش هذا المحل والسلام»، فلما وقف معاوية على كتاب عبد الله رماه إلى ابنه يزيد فلما قرأه أشرق وجهه، فقال: «يا بني إذا رميت بهذا الداء داوه بهذا الدواء».
ويذكر في الاتفاقات الغريبة أن أول ملوك بني أمية اسمه معاوية وآخرهم معاوية، وأول ملوك الدولة الأيوبية صلاح الدين يوسف وآخرهم صلاح الدين يوسف، وأول ملوك بني العاص مروان وآخرهم مروان وأول ملوك الفاطميين عبد الله وآخرهم عبد الله.