ولد سنة ١٢٦ هـ وتوفي سنة ١٩٣ هـ
مات أبو جعفر المنصور وتولى من بعده بعهده ابنه أبو عبد الله محمد المهدي فكانت خلافته عشر سنين لم يأت فيهن بعمل يدل على ما يجعلنا نلمزه في قرن مع عظماء الرجال، وكان مولده سنة ١٢٦ هـ وخلافته سنة ١٥٨ هـ وموته سنة ١٦٩ هـ بما سبذان.
* وبعد المهدي تولى ابنه الهادي موسى بن محمد المهدي، وكان ضعيفا فاستبدت الخيزران بالأمور فلم يشعر إلا والقواد والرؤساء يغدون ويروحون إلى بابها فنهاها عن الدخول في شؤونه وقال لها: ما هذه المواكب التي تغدو وتروح إلى بابك أما لك مغزل يشغلك أو مصحف يذكرك أو بيت يصونك، إياك أن تفتحي بابك لمسلم، أو ذمي فإني ضارب عنقه وقابض ماله، فانصرفت وهي مغضبة وأمرت جواريها أن يقتلنه فجلس على وجهه وهو نائم فمات، وكان مولد سنة ١٤٤ هـ وخلافته سنة ١٦٩ هـ وموته سنة ١٧٠ هـ وليس بذي بال. أما الرجل الذي امتلأت بأحاديثه صحائف الأخبار وشحنت بآثار سفائن الآثار فهو صاحب هذه الترجمة:
أبو جعفر هارون الرشيد بن المهدي محمد بن المنصور: خامس الخلفاء العباسيين وأشهرهم على الإطلاق، خدم العلم وقرب العلماء من مجالسه رافعا من شأنهم وموسعا عليهم في العطاء، وكان عالما بالأدب وأخبار العرب والحديث والفقه وله محاضرات مع علماء عصره، شجاعا مقداما كثير الغزوات، حازما كريما متواضعا لأولي العلم والفضل، وكان يحج سنة، ويغزو سنة حتى قال فيه بعضهم:
فمن يطلب لقاءك أو يرده … ففي الحرمين أو أقصى الثغور
[ ١٧٣ ]
ولي قبل الخلافة أعمالا لأبيه وأخيه، وغزا الروم في القسطنطينية فصالحته الملكة إيريني (Jrene: marte en ٨٠٣)، على أن تفتدي منه المملكة الرومانية بسبعين ألف دينار تدفعها إليه في كل عام، ولما بويع بالخلافة وله من العمر أربع وعشرون سنة قام بأعباء الملك أحسن قيام وتشبه في أفعاله بالمنصور [إلا] في بذل المال؛ فإنه لم ير خليفة أجود من الرشيد، وكان لا يضيع عنده إحسان محسن ولا يؤخر، وكان يحب الشعر والشعراء ويجزل لهم العطاء، وكانت دولته من أحسن الدول وأكثرها وقارا ورونقا وخيرا، ولم يجتمع على باب خليفة من العلماء والشعراء والكتاب والندماء ما اجتمع على بابه.
جاءته البيعة ليلة وفاة أخيه الهادي وفي تلك الليلة ولد ابنه المأمون؛ فكانت ليلة، ولد فيها خليفة، وولي خليفة، ومات خليفة.
وكانت بينه وبين ملك فرنسا كارلوس الكبير الملقب بشارلمان (٨١٤ - ٧٤٢: bharlemagne) صلة موثقة العرى، وكثيرا ما كان الرشيد يتحفه بالهدايا، ومن جملة ما أهداه ساعة شمسية دقاقة، وشطرنج ثمين، وأرسل إليه مفاتيح كنيسة القمامة في القدس مع أمر لنوابه بأن يعاملوا زائري الأراضي المقدسة أحسن معاملة.
وكان الرشيد يطوف في أكثر الليالي مستترا بألبسة العامة في أسواق بغداد وشوارعها فيعلم من أمر رعيته ما خفي عنه من ظالم يزجره أو مظلوم ينصره أو عالم يقربه، وهو أول خليفة عربي لعب بالكرة والصولجان، وهو صاحب وقعة البرامكة وكانوا طائفة فارسية الأصل استولت على الملك إدارته وسياسته وماله ورجاله، فخاف الرشيد بادرة تبدر منهم نحوه ففتك بهم تلك الفتكة الهائلة فقتل بعضهم وشرد بعضا وسجن آخرين في ليلة واحدة لم يتمكنوا بها من أقل حركة يقومون بها على قوتهم وتصرفهم في الدولة والأعمال والأموال، وذلك سنة ١٨٧ هـ، وسيأتي الكلام عليهم أيضا في أخبارهم.
[ ١٧٤ ]
وكان الخراج يحمل إليه من القسطنطينية منذ غزاها في أيام أبيه؛ فلما كانت سنة ١٨٧ هـ خلع الرومانيون ملكتهم «إيريني» وولوا عليهم ملكا يدعى نيقيفور، فكتب «نيقيفور» إلى الرشيد كتابا ترجمته: من نيقيفور ملك الروم إلى هارون ملك العرب أما بعد؛ فإن الملكة إيريني حملت إليك من أموالها ما كنت حقيقا بأن تحمل أضعافه إليها، لكن ذلك ضعف النساء وحمقهن فإذا قرأت كتابي هذا فاردد ما أخذت وإلا فالسيف بيننا وبينك، فقرأ الرشيد الكتاب فغضب وأجابه على ظهر كتابه: «من هارون أمير المؤمنين إلى نيقيفور كلب الروم؛ قد قرأت كتابك والجواب ما تراه دون ما تسمعه»، وجهز جيشا جرارا وسار يحرق المدن ويدمر المعاقل حتى قرب من القسطنطينية فارتاع ملك الروم وألقى السلاح فضرب عليه الرشيد الجزية وعاد فلم يبلغ بغداد حتى بلغه أن نيقيفور نكث عهده، فرجع إليه ولم يبال ببرد تلك البلاد وثلجها فدمر وأضرب حتى بلغ البوسفور فتذلل نيقيفور له فصفح عنه ثم أخلف، وغدر ثالثة فضربه الرشيد ضربة كادت تكون قاضية قتل بها من جيش الروم أربعون ألفا في وقعة واحدة، وجرح نيقيفور، فانتهب الرشيد ماله وسلاحه ثم جعل عليهم مالا يبعثون به في كل سنة فأطاعوا وأقبل الرشيد على بغداد ظافرا قاهرا.
وأخبار الرشيد مع الأدباء والشعراء كثيرة تجدها في مظانها من كتب الأدب وله كلم مأثورة منها:
إياك والدالة فإنها تفسد الحزمة، وقال يوما لبنيه: ما ضر أحدكم لو تعلم من العربية ما يصلح به لسانه، أيسر أحدكم أن يكون لسانه كلسان عبده وأمته؟ وسأل جلساءه: من أرغد الناس عيشا؟ قالوا: أمير المؤمنين. فقال لهم: كلا، إن لأعواد المنابر لهيبة، وإن لقعقعة اللجم الفزعة، وإن أهنئ الناس عيشا رجل له دار يسكنها، وزوجة يأوي إليها، في كفاف من العيش لا يعرفنا ولا نعرفه؛ فإن من عرفنا وعرفناه، أفسدنا عليه دينه ودنياه!
[ ١٧٥ ]
وكان قد أرسل رافع بن الليث عاملا على خراسان فلما اطمأن بها خلع الطاعة وأظهر العصيان وتبعه كثيرون فأغار على مدينة سمرقند فملكها وقتل عاملها فبلغ الرشيد ذلك فأغضبه فركب في عسكر ضخم فمرض في الطريق ولما وصل إلى مدينة طوس من أعمال خراسان مات بها فدفن هناك، وأوصى بالخلافة من بعده لأبنائه الأمين، ثم المأمون ثم المؤتمن، ومدة خلافته ثلاث وعشرون سنة، وكانت عاصمة ملكه بغداد.
* * *
ولما توفي الرشيد بطرس بايع الناس ابنه محمدا الأمين وهو ببغداد سنة ١٩٣ هـ، وكان ضعيف الرأي منهمكا بالملذات والشهوات وحسن له بعض وزرائه خلع المأمون أخيه من ولاية العهد وتولية ابنه موسى وفي سنة ١٩٤ هـ أمر بالدعاء على المنابر لابنه موسى وإبطال الدعاء للمأمون، وكان المأمون بمرو فغاظه ما صنع أخوه وجاءته رسالة من الأمين يدعوه بها إلى المسير إليه فاستشار المأمون أخصاءه فحذروه شر الذهاب، فرجع الرسول بخبر امتناعه، فجيش الأمين جيشا أراد توجيهه إلى مرو لقتال المأمون وكانت للمأمون عيون ببغداد تأتيه بأخبار الأمين فلما جاءه النبأ جهز جيشا ممن كانوا قد انضموا إليه بعد إعلانه العصيان على أخيه، وسيره بقيادة طاهر بن الحسين؛ فالتقى الجيشان بقرب الري فانهزم جيش الأمين وقتل قائده على بن عيسى بن ماهان، وسار طاهر بن الحسين حتى بلغ بغداد فحاصرها ثم افتتحها، وفر الأمين فقبض عليه بعض جنود طاهر فقتلوه وأخذوا إليه رأسه فبعث به إلى المأمون، وابتدأت خلافة المأمون على ما سيأتي، وكان مولد الأمين سنة ١٧٠ هـ وتولى الخلافة سنة ١٩٣ هـ وقتل سنة ١٩٨ هـ.
[ ١٧٦ ]
المأمون