ولد سنة ٧١ وتوفي سنة ١٢٥ هـ
امتاز صاحب هذه الترجمة برجاحة العقل وضبط الأمور بالحزم والأخذ بقوة البطش وجلال الهيبة، مات أخوه يزيد والأطماع ممتدة إليه، وهشام بحمص فبويع بها وأقبل على دمشق وذلك سنة ١٠٥ هـ، وكانت في عهده أمور كثيرة منها، خروج زيد بن علي بن الحسين بن علي سنة ١٢٠ هـ بأربعة عشر ألفا من أهل الكوفة قد بايعوه وعاهدوه على قتال جيوش الشام وما يرد عليهم من ملوك بني أمية قال ابن خلدون في العبر:
ظهر زيد بن علي بالكوفة خارجا على هشام: داعيا للكتاب والسنة، وإلى جهاد الظالمين، والدفع عن المستضعفين، وإعطاء المحرومين، والعدل في
[ ١٥٦ ]
قسمة الفيء، ورد المظالم، وأفعال الخير، ونصر أهل البيت. اهـ.
وكان العامل على العراق يوسف بن عمر الثقفي وهو حينذاك في الحيرة فكتب إليه هشام، بعد أن أعلمه يوسف بالأمر، يأمره أن يقاتل زيدا، فكتب يوسف إلى الحكم بن الصلت وهو في الكوفة، فطلب الحكم زيدا، ثم اجتمع الثائرون من أصحاب زيد، والعساكر من جنود الحكم، فنشب قتال أظهر فيه زيد بن علي شجاعة خارقة وجلدا على الحرب عجيبا، وأصابه سهم في جبهته فلما عاد إلى منزله في المساء نزعه وقد بلغ دماغه فنزف دمه فمات من ساعته ودفنه أصحابه.
وفي اليوم الثاني تفرق جمعه وبحث عنه الحكم فعثر عليه فقطع رأسه وأرسله إلى يوسف في الحيرة ويوسف بعث به إلى هشام في الشام فنصبه على باب دمشق، وانطفأت الفتنة.
وفي أيامه حدثت حروب كثيرة مع خاقان الترك في ما وراء النهر، انتهت بقتله خاقان وملكوا بعض بلاده وفازوا بغنائم وافرة.
وتحرك فريق من الخوارج يريدون الظهور فعلم بهم هشام فوجه إليهم جندا فكان قتال ختم بقمع ثائرتهم وتخضيد شوكتهم واستتباب الأمر له.
وكان هشام محبا لجمع الأموال منعونا بالبخل، قيل لم يجتمع في خزانة أحد من ملوك بني أمية من المال ما اجتمع في خزائنه.
قال الثعالبي في الإعجاز والإيجاز: قيل لهشام - قبل أن يلي الملك -: أتطمع في الخلافة وأنت جبان بخيل؟ فقال: كيف لا أطمع بها وأنا عفيف حليم .. قال: وكتب إلى أخيه مسلمة بن عبد الملك: «طهر عسكرك من أهل الفساد فإن الله لا يصلح عمل المفسدين».
ونقل ابن الأثير في الكامل عن مجمع بن يعقوب الأنصاري نبذة تدل على
[ ١٥٧ ]
حلم هشام وحسن أخلاقه قال: شتم هشام رجلا من الأشراف فوبخه الرجل وقال: أما تستحي أن تشتمني وأنت خليفة الله في الأرض؟ فاستحيى هشام منه، وقال: اقتص مني! قال: إذا أنا سفيه مثلك! قال: فخذ مني عوضا من المال! قال: ما كنت لأفعل! قال: فهبها الله! قال: هي الله ثم لك! فنكس هشام رأسه واستحيى وقال: والله لا أعود إلى مثلها أبدا!
ولما كانت سنة ١٢٥ هـ مرض هشام بن عبد الملك وهو في الرصافة (قال ياقوت: رصافة هشام بن عبد الملك في غربي الرقة بينهما أربعة فراسخ على طرف البرية بناها هشام لما وقع الطاعون بالشام، وكان يسكنها في الصيف، فهي غر رصافة بغداد والبصرة) ففكر في أمر من يلي الخلافة بعده، وكان أخوه يزيد قد عهد بها إلى ابنه الوليد بن يزيد، فرأى هشام أن الوليد لا يصلح لها ولا هو من رجالها؛ فحاول خلعه وتولية من يكون أولى منه بها فلم يستطع، ومات في الرصافة.
ومدة خلافته تسع عشرة سنة وتسعة أشهر وأيام.