أبو جعفر محمد الجواد بن علي الرضى بن موسى الكاظم، وبقية النسب معروفة: وهو تاسع الأئمة، كان كبير القدر، رفيع الذكر كأسلافه كرام أهل البيت ولد في المدينة، ثم انتقل مع والده الرضى إلى بغداد، ولما توفي أبوه كان صغيرا فاجتاز به المأمون يوما فعرفه وأخذه معه وأحسن إليه وقربه، وكان على صغر سنه ذكي الفؤاد طلق اللسان تلوح عليه أمارات النجابة؛ فعني به المأمون وبالغ في الإحسان إليه، ثم أراد أن يزوجه بابنته أم الفضل فمنعه العباسيون من ذلك خوفا من أن يعهد إليه كما عهد إلى أبيه فأظهر المأمون ميله إليه وحبه بفضله وعلمه على حداثة سنه فنازعوه باتصافه بصفة العلم واستصغروه فأرسل إلى يحيى بن أكثم وأمره أن يمتحن محمدا فلما حضر أمر له بفرش حسن فجلس عليه ثم سأله يحيى مسائل فأجاب عنها بأحسن جواب وسر الخليفة فقال: أحسنت يا أبا جعفر، ثم التفت إلى من حضر فقال: الحمد لله على ما من به علي من السداد في الأمر والتوفيق في الرأي، وأقبل على أبي جعفر فقال له: إني مزوجك ابنتي أم الفضل وإن رغمت لذلك أنوف قوم! فاخطب لنفسك فقد رضيتك لنفسي وابنتي، فقال أبو جعفر:
الحمد لله إقرارا بنعمته، ولا إله إلا الله إخلاصا بوحدانيته، وصلى الله على سيدنا محمد سيد بريته والأصفياء من عترته، أما بعد؛ فقد كان من فضل الله على الأنام أن أغناهم بالحلال عن الحرام؛ فقال تعالى: ﴿وأنكحوا الأيامى منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله والله واسع عليم﴾ (النور: ٣٢)، ثم إن محمد بن علي بن موسى خطب إلى أمير المؤمنين عبد الله المأمون ابنته أم الفضل وقد بذل لها من الصداق مهر جدته فاطمة بنت
[ ٥٨ ]
رسول الله ﷺ وهو خمسمائة درهم جياد، فهل زوجتني يا أمير المؤمنين إياها على هذا الصداق؟ فقال المأمون: زوجتك ابنتي أم الفضل على هذا الصداق المذكور، فقال أبو جعفر: قبلت نكاحها لنفسي على هذا الصداق المذكور، ثم أمر المأمون بأنواع الطيب فتطيب الحاضرون ودعى بالحلواء فمدت موائدها وأكلوا وفرقت عليهم الجوائز وأخرجت الأموال للفقراء والمساكين، وبعد ذلك تم الزواج.
وأقام أبو جعفر محمد عند المأمون معظما مكرما حتى عزم على التوجه بزوجته أم الفضل إلى المدينة المنورة فلبث حتى مات المأمون وآلت الخلافة العباسية إلى المعتصم فكتب إليه يستقدمه إلى بغداد ومعه زوجته فحضر، وذلك سنة ٢٢٠ هـ، ومرض فمات ببغداد شابا (رضوان الله عليه) ودفن في مقابر قريش في قبر جده أبي الحسن موسى الكاظم، وعادت امرأته أم الفضل إلى قصر المعتصم.
ويقال: إنه مات مسموما كما يقال في أكثر الأئمة المذكورين، وخلف أربعة أولاد صبيان وبنتان.
ومن كلامه: ما عظمت نعمة الله على أحد إلا عظمت إليه حوائج الناس فمن لم يتحمل تلك المؤنة عرض تلك النعمة للزوال.
- أهل المعروف إلى اصطناعه أحوج من أهل الحاجة إليه؛ لأن ثم أجره وفخره وذكره فمهما اصطنع الرجل من معروف فإنما يبتدئ فيه بنفسه.
- من أجل إنسانا هابه، دون جهل شيئا عابه.
- والفرصة خلسة، من كثر همه سقم جسمه.
- عنوان صحيفة المسلم حسن خلقه، من استغنى بالله افتقر الناس إليه.
[ ٥٩ ]
- الجمال في اللسان، والكمال في العقل، العفاف زينة الفقر، والشكر زينة البلاء، والتواضع زينة الحسب، والفصاحة زينة الكلام، وخفض الجناح زينة العلم، العامل بالظلم والمعين عليه والراضي به شركاء.
- العلماء غرباء «لكثرة الجهال بينهم» - أخذه أبو العلاء فقال:
أولوا الفضل في أوطانهم غرباء … تشذ وتنأى عنهم القرباء
ومن كلام أبي جعفر: الصبر على المصيبة مصيبة على الشامت، لو سكت الجاهل ما اختلف الناس، الرأي مع الأناة، ومن وعظ أخاه سرا فقد زانه، ومن وعظه علانية فقد شانه.
علي الهادي