أبو الحسن العسكري علي الهادي بن محمد الجواد بن علي الرضى: عاشر الأئمة الاثنى عشر: كان معروفا بالتقى والصلاح، ولد في المدينة المنورة وبها نشأ؛ فلما بلغ سن الشباب وأصبح في منزلة ينظر بها إليه تواترت الوشايات به على المتوكل العباسي الخليفة في بغداد فأرسل إليه فاستقدمه من المدينة وأنزله في سر من رأى (سامراء) وكانت تسمى مدينة العسكر؛ لأن المعتصم لما بناها انتقل إليها بعسكره فنسبت إلى العسكر، ولذلك لقب أبو الحسن علي المترجم [له] بالعسكري، فأقام بها، فسعى بعض أعدائه إلى المتوكل وأخبروه أن في منزل علي سلاحا وكتبا وغيرها من شيعته وأوهموه أنه يطلب الإمرة لنفسه فوجه إليه عددا من جند الأتراك ليلا فهجموا عليه وهو في منزله على الأرض وعليه مدرعة من الشعر وعلى رأسه ملحفة من صوف وهو مستقبل القبلة يترنم بآيات
[ ٦٠ ]
من القرآن لا يفصل بينه وبين الأرض فاصل إلا الرمال والحصى، فأخذوه إلى المتوكل ووصفوا له حالته وكان المتوكل جالسا يستعمل الشراب فأجلسه إلى جانبه وعرض عليه كأسا فاعتذر بأنه لم يذقها فعافاه منها، ثم قال: أنشد في شعرا أستحسنه فقال: إني لقليل الرواية للشعر قال: لابد أن تنشدني، فأنشده:
باتوا على قلل الأجبال تحرسهم … غلب الرجال فما أغنتهم القلل
واستنزلوا بعد عز عن معاقلهم … فأودعوا حفرا يا بئس ما نزلوا
ناداهم صارخ من بعد ما قبروا … أين الأسرة والتيجان والحلل
أين الوجوه التي كانت منعمة … من دونها تضرب والاستار والكلل
فأفصح القبر عنهم حين ساء لهم: … تلك الوجوه عليها الدود يقتتل
قد طال ما أكلوا دهرا وما شربوا … فأصبحوا بعد طول الأكل قد أكلوا
فهاجت الأبيات إشفاق المتوكل فبكى وأمر برفع الشراب، ثم قال: يا أبا الحسن عليك دين؟ قال: نعم، أربعة آلاف دينار فأمر بدفعها إليه ورده إلى منزله مكرما .. أقول: هذه الأبيات التي أنشدها صاحب الترجمة نقلتها وقصتها عن وفيات الأعيان.
وحكى مؤلف سراج الملوك أنها مترجمة عن كتابة بالحميرية قديمة قبل الإسلام كانت منقوشة على بعض قصور ملوك حمير؛ وعبارته: قال وهب بن منبه: أصبت على غمدان وهو قصر سيف بن ذي يزن بأرض صنعاء اليمن، وكان من الملوك الأجلة مكتوبا بالقلم المسند مترجما بالعربية، وإذا هي هذه الأبيات، وفي الكنز المدفون جاءت الأبيات أكثر مما تقدم بزيادة الأبيات الآتية في أولها:
انظر لماذا ترى يا أيها الرجل … وكن على حذر من قبل تنتقل
وقدم الزاد من خير تسر به … فكل ساكن دار سوف يرتحل
[ ٦١ ]
وانظر إلى معشر باتوا على دعة … فأصبحوا في الثرى رهنا بما عملوا
بنوا فلم ينفع البنيان وادخروا … مالا فلم يغنهم لما انقضى الأجل
باتوا على قلل الأجبال … إلخ .. قال صاحبه: ووجد مكتوبا على قصر غمدان أيضا هذه الأبيات:
من كان لا يطأ التراب برجله … وطئ التراب بصفحة الخد
من كان بينك في التراب وبينه … شبران كان بغاية البعد
لو بعثر الناس الشرى ورأوهم … لم يعرفوا المولى من العبد!
وتوفي الإمام علي الهادي (عليه الرحمة والرضى) بمدينة سامراء فدفن في بيته وخلف ثلاثة أبناء وابنة.