أبو محمد الحسن بن علي بن أبي طالب: خامس الخلفاء (الآتي ذكرهم) وآخرهم، أمه السيدة فاطمة بنت رسول الله ﷺ وهو أكبر أولادها وأولهم، ولد في المدينة المنورة ونشأ بها، وكان عاقلا حليما وقورا محبا للخير حسن الخلق والخلق، لما استشهد أبوه علي (وستأتي في ترجمته) عمد أهل العراق إليه فبايعوه على الخلافة سنة ٤٠ هـ، وأشاروا عليه بالمسير إلى الشام لمحاربة معاوية بن أبي سفيان، فأطاعهم وزحف بمن معه، [وعرف] خبره معاوية فسار من الشام إليه، فلما تقارب الجيشان في موضع يقال له مسكن بناحية من الأنبار، علم الحسن أن هاتين الطائفتين لا تغلب إحداهما الأخرى، إلا بفناء عدد عظيم منها، فعظم عليه
[ ٤٥ ]
الأمر، وهاله نشوب القتال بين المسلمين؛ فمال إلى السلم، وكتب إلى معاوية يتنازل له عن الخلافة لقاء شروط يشترطها، فسر معاوية وصالحه وخلع الحسن نفسه وسلم الأمر إلى معاوية في بيت المقدس تورعا وحسما للشر، وسمي عام ذلك وهو سنة ١٤ هـ عام الجماعة لاجتماع كلمة الإسلام فيه واتفاقهما على حقن الدماء بعد تلك الحروب والفتن بين علي ومعاوية، ثم قصد معاوية الكوفة ورحل الحسن إلى المدينة؛ فأقام بها حتى توفي مسموما في قول بعضهم. ودفن بالبقيع عليه الرحمة والرضوان، ومدة خلافته ستة أشهر وخمسة أيام، وولد له أحد عشر ابنا وبنت واحدة. هذا ما يتعلق بسيرته.
وأما فصاحته وبداهته فكان معاوية يوصي حاشيته باجتناب محاورة رجلين هما: الحسن وعبد الله بن عباس؛ لقوة بداهتهما.
قال البيهقي: قدم الحسن على معاوية وعنده عمرو بن العاص ومروان بن الحكم والمغيرة بن شعبة وصناديد قومه ووجوه اليمن والشام، فأجلسه معاوية على سريره إكراما له فحسده مروان فقال: يا حسن، لولا حلم أمير المؤمنين ما أقعدك هذا المقعد ولقتلتك وأنت له مستوجب بقودك الجماهير فلما أحسست بنا وعلمت أن لا طاقة لك بفرسان أهل الشام وصناديد بني أمية أذعنت بالطاعة وبعثت تطلب الأمان، أما والله لولا ذلك لأريق دمك ولعلمت أنا نعطي السيوف حقها عند الوغى، فاحمد الله إذا ابتلاك بمعاوية فعفا عنك بحلمه، ثم صنع بك ما ترى .. فنظر إليه الحسن. وقال: ويحك يا مروان! لقد تقلدت مقاليد العار في الحروب عند مشاهدتها والمخاذلة عند مخالطتها، نحن! هبلتك الهوابل، لنا الحجج البوالغ والنعم السوابغ تفخر ببني أمية وتزعم أنهم صبر في الحروب أسد عند اللقاء؟ ثكلتك أمك! أولئك البهاليل السادة، والحماة الذادة، والكرام القادة، بنو عبد المطلب. أما والله لقد رأيتهم وجميع من في هذا البيت ما هالتهم الأهوال ولم يحيدوا عن الأبطال كالليوث الضارية الباسلة الحنقة فعندها وليت
[ ٤٦ ]
هاربا وأخذت أسيرا فقلدت قومك العار، أيراق دمي زعمت؟ أفلا أرقت دم من وثب على عثمان في الدار فذبحه كما يذبح الجمل، وأنت تثغو ثغاء النعجة وتنادي بالويل والثبور كالأمة اللكعاء، ألا دفعت عنه بيد أو ناضلت عند بسهم؟ لقد ارتعدت فرائصك وغشي بصرك فاستغثت بي كما يستغيث العبد بربه فأنجيتك من القتل ومنعتك منه، ثم تحت معاوية على قتلي؟ ألا ولو رام ذلك معك لذبح كما ذبح ابن عفان! .. أنت معه أقصر يدا وأضيق باعا وأجبن قلبا من أن تجسرا على ذلك، ثم تزعم أني ابتليت بحلم معاوية؟ أما والله لهو أعرف بشأنه وأشكر لما وليناه من هذا الأمر، فمتى بدا له فلا يقضين جفنه على القذى معك، فوالله لأعقبن أهل الشام بجيش يضيق عنه فضاؤها ويستأصل فرسانها، ثم لا ينفعك عند ذلك الهرب والروغان ولا يردعنك الطلب تدريجك الكلام. انطق إن كنت صادقا! .. فانتصر عمرو ومعاوية للحسن وشتما مروان فانصرف مغضبا مفحما ..
وسأله أبوه علي (﵄) ليمتحن بداهته يا بني ما السداد؟ قال: دفع المنكر بالمعروف. قال: فما الشرف؟ قال: اصطناع العشيرة والاحتمال للجريرة. قال: فما السماح؟ قال: البذل في العسر واليسر. قال: فما اللؤم؟ قال: إحراز المرء ماله وبذله عرضه. قال: فما المنعة؟ قال: شدة البأس ومنازعة أعز الناس، قال: فما الجبن؟ قال: الجراءة على الصديق والنكول عن العدو. قال: فما الغنى؟ قال: رضى النفس بما قسم الله لها. قال: فما الذل؟ قال: الفزع عند الصدمة. قال: فما المجد؟ قال: أن تعطي في العزم وتعفو في الجرم. اهـ.
وتجد ترجمته بأطول مما هنا في تاريخ الشام لابن عساكر، وإسعاف الراغبين للصبان وأمثالهما من كتب التاريخ والسير والأخبار.
وكان آخر كلامه ﵁ لأخيه الحسين وهو يجود بنفسه: «يا أخي أوصيك أن لا تطلب الخلافة؛ فإني والله ما أرى أن يجمع الله فينا النبوة والخلافة؛ فإياك أن يستخفك سفهاء الكوفة ويخرجوك فتندم من حيث لا ينفعك الندم».
[ ٤٧ ]
والحسن (عليه الرضوان) ثاني الأئمة الاثنى عشر عند الإمامية، وذلك أن السادة الإمامية، وهم فرقة من فرق المسلمين تقول بإمامة علي ﵁ بعد النبي ﷺ (انظر كتاب الملل والنحل للشهرستاني)، يذهبون إلى أن إمامة المسلمين يتوارثها أبناء علي عنه، وهم مختلفون في أسماء بعضهم ولكنهم متفقون على عدوهم، وأنهم ختموا بالمهدي المنتظر وهو الإمام الثاني عشر، والأشهر في تسميتهم أنهم: الإمام علي، والحسن، والحسين، وزين العابدين، والباقر، والصادق، والكاظم، والرضا، والجواد، والهادي، والعسكري، والمهدي (رضوان الله عليهم أجمعين)، ولكل من هؤلاء الأئمة شأن معروف ومكان محفوظ، وأنا آت على تراجمهم فيما يلي إن شاء الله.
وأما الإمام الأول علي بن أبي طالب (كرم الله وجهه) فسيذكر في فصل الخلفاء الراشدين.