مات القائم بأمر الله بعد أن عهد إلى حفيده أبي القاسم عبد الله بن محمد بن القائم، ولقبه المقتدي بأمر الله، وذلك سنة ٤٦٧ هـ وعمره ثماني عشرة سنة، فانصرف إلى عمران بغداد وخدمة الأمة فكانت أيامه أيام خير وسعة وعظمت في عهده الخلافة أكثر مما كانت قبله وبني في بغداد عدة محال منها ما لا يزال عامرا حتى اليوم.
وأمر بنفي المغنيات والمفسدات من بغداد وبيع دورهن فنفين، وكان المغتسلون ربما دخل بعضهم الحمام غير مؤتزر فأمر بالاتزار والاستتار، وأمر بقلع أبراج الطيور ومنع الناس من اللعب بها حفظا للحرم المصونات في الخدور من اطلاع أولئك عليهن، ومنع من إجراء ماء الحمامات إلى دجلة وألزم أربابها بحفر آبار للمياه، ومنع الملاحين أن يحملوا في زوارقهم الرجال والنساء مجتمعين، وكان قوي النفس عظيم الهمة أحبه الناس وودوا لو طال عمره؛ فإنه حكم تسع عشرة سنة وثمانية أشهر ومات فجأة وهو شاب لم يبلغ الأربعين، ولادته ووفاته ببغداد.
المستظهر بالله
ولد سنة ٤٧٠ هـ وتوفي سنة ٥١٢ هـ
لما توفي المقتدي بأمر الله أحضر ولده أبو العباس أحمد المستظهر بالله وهو ولي عهده فأعلم بموته وبايعه من حضر وله من العمر ست عشرة سنة وشهران، واتسق له الأمر على ما كان لأبيه وجده، أما أخلاقه فكان ممدوحها.
قال صاحب الكامل: كان المستظهر لين الجانب كريم الأخلاق يحب
[ ١٩٧ ]
اصطناع الناس ويفعل الخير ويسارع إلى أعمال البر والمثوبات مشكور المساعي لا يرد مكرمة تطلب منه، وكان كثير الوثوق بمن يوليه غير مصغ إلى سعاية ساع ولا ملتفت إلى قوله واشي، ولم يعرف عنه التلون أو انحلال العزم بأقوال أصحاب الأغراض، وهذه من أحسن خصال الحزم؛ فإن الملك والأمر إذا ضعفت ثقته برجاله تلاعب فيه الناس وسلكوا به كل مسلك ولم تبق له إرادة يعزم بها على المهمات وكيف يخلص الوزير أو المستشار في خدمة مولاه وهو يعتقد أن كلمة من عدو أو وشاية من حاسد تزلزل منزلته وتذهب بإخلاصه وخدمه، على أن هذه الحسنة ربما انقلبت سيئة إذا لم تتخذ الحيطة في شأنها، فإن صاحب الأمر لا ينبغي له إذا وثق أن يفرغ ثقته ويستنيم إلى صاحبه بحيث لا ينظر في شيء يرد عنه، بل لابد لمن ولي من أمور الناس جانبا أن يكون شديد الثقة في غير اطمئنان، كثير الحذر في غير استرابة، وإلا فلا يتم له أمره، وكان المستظهر عارفا بالأدب والإنشاء والشعر، وله توقيعات لا يقاربه فيها أحد تدل على فضل غزير وعلم واسع، وباسمه ألف العلامة الغزالي كتابه في التاريخ الذي سماه «المستظهري».
وكانت خلافته أربعا وعشرين سنة وثلاثة أشهر وعشرين يوما، ومات ببغداد وله من العمر واحد وأربعون عاما وستة أشهر، ودفن في حجرة له كان يألفها وقد عهد بالخلافة من بعده إلى ولده الفضل الملقب بالمسترشد بالله.
* *
وكان المسترشد بالله شهما شجاعا بعيد الهمة فصيحا بليغا جيد التوقيعات واسمه الفضل وكنيته أبو منصور، إلا أنه ارتكب خطأ ذهب بحياته وأخر دولته بعد تقدمها، وذلك أنه بلغ من أمر الخلافة العباسية أن أصبح الحكم فيها لرجلين أحدهما الوازع السياسي المنفذ وهو صاحب الحل والعقد والأمر والنهي في
[ ١٩٨ ]
شؤون الدولة داخلها وخارجها وكان يسمى أمير الأمراء، ثم صار من أسندت إليه هذه الإمارة يلقب بملك أو سلطان، والثاني وهو صاحب الاسم الديني يبايع وتعرض عليه الأمور قبل عرضها على الأول فيرى فيها رأيه وهو الخليفة، فكأن الدولة في ذلك العهد بين سلطتين: نظرية وتنفيذية.
فالنظرية يتولاها الخليفة، والتنفيذية يتولاها الملك أو السلطان أو أمير الأمراء، وكان المعاصر للخليفة المسترشد بالله هو السلطان مسعود بن ملك شاه بن ألب أرسلان السلجوقي ومقره في همذان، زار بغداد فأكرمه المسترشد، ثم إن الخليفة شعر بخيانة جماعة من الأمراء فأراد عقابهم فلجأوا إلى السلطان مسعود فطلبهم الخليفة منه فأبى ردهم إليه، فحدثت بينهما النقرة والوحشة. وسافر السلطان مسعود إلى همذان فلما استقر بها، علم الخليفة أن مسعودا يستعد لقتاله فتجهز هو أيضا وجاءته رسائل من الأمراء الذين انضموا إلى مسعود يعرضون عليه طاعتهم ويستأمنونه فأمنهم الخليفة، وحضروا فأكرمهم وخرج من بغداد بجيش يريد فيه ابتداء السلطان مسعود بالقتال وجعل أولئك الأمراء في الميمنة وزحف عليه السلطان مسعود فتلاقيا بموضع يقال له «دايمرج» فلما حمي القتال انحازوا إلى السلطان مسعود استداروا حول عساكر الخليفة المسترشد وهو ثابت في مقره وانهزم عسكره فأخذ هو أسيرا فأنزل في خيمة وترددت بينه وبين السلطان الرسل في الصلح فاتفقا على مال يؤديه الخليفة وأن لا يعود يجمع العساكر، وأن لا يخرج من داره ورضي الخليفة وعزم على الرجوع إلى بغداد فدخل عليه جماعة من فرقة تسمى «الباطنية» فقتلوه ومثلوا به، وذلك على باب مراغة لأن السلطان مسعودا كان قد أخذه معه حتى انتهى إليها فدفنه أهل مراغة عندهم، وكان مولد المسترشد سنة ٤٨٥ هـ وخلافته سنة ٥١٢ هـ، وقتله سنة ٥٢٩ هـ، والخطأ الذي أودى به هو اعتماده على جماعة
[ ١٩٩ ]
خانوه أولا فخانوه ثانيا ثم خروجه من بغداد يقود جيشه، وكان الأجدر به أن يوجه قائدا يعتمد عليه في مثل هذا الشأن.
* * *
ولما قتل المسترشد كتب السلطان مسعود إلى رئيس الشحنة ببغداد أن يبايع ابن المسترشد وكان ولي عهده واسمه المنصور وكنيته أبو جعفر ولقبه الراشد بالله، فبويع في بغداد على شروط كتبها للسلطان مسعود بخط يده وحلف عليها وهي أنه متى جند جندا، أو خرج للقاء أحد من أصحاب السلطان بالسيف فقد وجب خلعه، فلم تطل أيامه حتى وقع نفور بينهما فتهيأ الراشد لقتاله فعلم مسعود فزحف على بغداد فحاصرها حتى دخلها وفر الخليفة الراشد إلى الموصل ومنها إلى أصفهان فأقام بها حتى قتل.
مولده سنة ٥٠٤ هـ وخلافته سنة ٥٢٩ هـ، وخلعه سنة ٥٣٠ هـ، وقتله سنة ٥٣٢ هـ، قتله بأصفهان بعض خدمه للتخلص منه لأنه لم يكن يستقر في مكان، ودفن بظاهرها في شهرستان.