كان إذا خطب احمرت عيناه وعلا صوته، واشتد غضبه كأنه منذر جيش.
وكان إذا خطب في الحرب خطب على قوس وإذا خطب في الجمعة خطب على عصا.
كان طويل الصمت قليل الضحك، وإذا تكلم تبسم.
كان يجلس على الأرض ويأكل على الأرض ويجيب دعوة المملوك على خبز الشعير.
كان يخيط ثوبه ويخصف نعله ويجالس المساكين.
كان إذا مشى لم يلتفت، وإذا التفت التفت جميعا، يتكفأ في مشيه كأنما ينحط من صبب (^١).
_________________
(١) يتكفأ: يتمايل إلى الأمام. صبب أي منحدر من الأرض. انظر: مشكاة المصابيح: ٢/ ٤٣٤.
[ ٢٨ ]
كان إذا ضحك وضع يده على فيه.
كان إذا اهتم أكثر من مس لحيته.
كان إذا أراد غزوة ورى بغيرها، وهو القائل: الحرب خدعة.
كان أشد حياء من العذراء في خدرها.
كان ضخم الرأس واليدين والقدمين، ليس بالطويل ولا القصير، سبط الشعر.
كان فيه دعابة قليلة، وإذا مزح غض بصره.
كان في كلامه ترتيل وترسل
كان لونه أسمر، وخلقته تامة، عيناه سوداوان، وفي خديه حمرة.
كان متواضعا في غير مذلة.
كان يأخذ المسك فيمسح به رأسه ولحيته.
كان يرسل شعره إلى أنصاف أذنيه.
كان يلبس قلنسوة بيضاء.
وكتب الحديث مفعمة بدرر ألفاظه مشحونة بمحاسن أوصافه، وأما معجزاته فحسبنا منها المعجزة الخالدة التي هي القرآن الكريم المبكم بفصاحته بلغاء الجاهلية المحير بأحكامه حكماء الناس أجمعين، وهو الذي أجمع عقلاء الأسم كافة على أنه أفضل الكتب السماوية وأجدرها بالبقاء وأصلحها للبشر وأنفعها للناس، وكان رسول الله ﷺ كثير الزوجات، قال ابن الكلبي النسابة: تزوج النبي خمس عشرة امرأة، دخل بثلاث عشرة منهن، وجمع بين إحدى عشرة، وتوفي وعنده تسع نسوة، وولد له سبعة أولاد: ثلاثة ذكور، وأربع بنات. فأما الذكور؛ فالقاسم - وبه كان يكنى -، وعبد الله، وإبراهيم، وكلهم ماتوا صغارا لم يتجاوز أحدهم السنتين. وأما البنات فزينب، ورقية، وأم كلثوم، وفاطمة. وكلهن عشن حتى كبرن وتزوجن، ولم يكن لرسول الله ﷺ نسل
[ ٢٩ ]
إلا من ابنته فاطمة، تزوجها ابن عمه علي بن أبي طالب، فولدت له الحسن والحسين، وإليهما نسبة كل منتسب إلى النبي المصطفى (صلوات الله عليه)، وولد لها ولد ثالث سمته محسنا، مات صغيرا، وكان لرسول الله كتاب يستعين بهم؛ لأنه لم يتعلم الكتابة، منهم: عثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب، وزيد ابن ثابت، ومعاوية بن أبي سفيان، وكان له سيافون يضربون الأعناق بين يديه، وحراس اتخذهم حتى نزل قوله تعالى: ﴿والله يعصمك من الناس﴾ (المائدة: ٦٧)، فتركهم، ومؤذنون، ورسل، وشعراء، وخطباء، وخدم، وخيل، وبغال، وابل، وحماران، وسلاح كثير من سيوف ودروع وقسي ورماح وحراب وخوذة ومجن. وفي آخر سنة من حياته الشريفة حج حجة الوداع وخطب فيها فأبان للناس ما لهم وما عليهم وهي من أطول خطبه وأكثر من استيعابا لأمور الدين والدنيا. وفي المدينة المنورة بدأ به ألم في آخر صفر، وحم واشتد به الصداع فتوفي يوم الاثنين ثاني عشر ربيع الأول. وفي مثل هذا اليوم كان مولده، فدفن في مرقده الشريف في المدينة المنورة، بعد أن أسس للناس مدينة أشرقت شمسها اليوم في جميع أقطار الأرض ودينا يعتنقه نيف ومئتا مليون من البشر، صلى الله تعالى عليه وسلم تسليما كثيرا.
* * *
[ ٣٠ ]
عدنان