ولد سنة ٢٥ وتوفي سنة ٦٤ هـ
ما ينس المسلمون لا ترهم ناسين فاجعتهم الكبرى بابن بنت نبيهم وفادحتهم العظمى بأحب الناس إليهم تلك الجريمة المؤلمة التي اقترفها صاحب هذه الترجمة يزيد بن معاوية بن أبي سفيان ثاني ملوك بني أمية: عهد معاوية إلى يزيد بالخلافة فلما مات تولاها وانضم إليه من أخلصوا في حب أبيه وفاء له وتنفيذا لعهده، وكان يزيد فتى لهو وقصف، ولكنه عارف بالأدب روي له من الشعر رقيقه، ولم تصف له الخلافة، بل كثرت في عهده الثورات وامتنع كثير من الناس عن مبايعته والرضى بخلافته، فقامت الفتنة في العراق ودعا أهل الكوفة الحسين ليبايعوه؛ فلما ارتحل إليهم اعترضه بكربلاء عمرو بن سعد ابن أبي وقاص قادما
[ ١٣٥ ]
من قبل عبيد الله بن زياد، وكان يزيد قد كتب إليه يأمره بتوجيه من يقاتل الحسين قبل أن يبلغ الكوفة، فحاربوه، وقتله شمر بن ذي الجوشن، وأتي برأسه إلى دمشق على ما قدمنا في ترجمته (انظر ترجمة الحسين)، فلما ذاع خبره كان عبد الله بن الزبير بمكة فحض أهل مكة والحجاز على الثورة فبايعوه، واتفق أهل المدينة على خلع نائب يزيد، وهو عثمان بن محمد بن أبي سفيان فطردوه من المدينة، وعلم يزيد بما حدث فوجه مسلم بن عقبة في عشرة آلاف مقاتل فساروا إلى المدينة فافتتحوها وجعلها مسلم مباحة للسلب والنهب ثلاثة أيام، ثم رحل عنها يريد مكة؛ فمات في طريقه بموضع يعرف بالمشكل، وأقام نائبا عنه الحصين ابن نمير، فقدم مكة، فقاتله ابن الزبير فلم يزل بها حتى جاءه خبر موت يزيد فعاد بجيشه إلى الشام.
هكذا تجد المسلمين بعد اشتغالهم بفتح البلدان وتوسيع سلطة الدولة الإسلامية وتوطيد أزكانها عادوا فشغلوا بأنفسهم، يقتل بعضهم بعضا، ويحارب الرجل قريبه ونسيبه وحبيبه، ثورات في البلاد على كل مستخلف فيهم وخروج وعصيان وخوف مستمر:
كأنما القوم عادت جاهليتهم … لهم فما أغنت الآيات والنذر
وفي أيام يزيد فتح المغرب الأقصى على يد الأمير عقبة بن نافع، وكان قد وجهه يزيد إلى إفريقية فلما بلغ القيروان جمع من بها من الجند ودخل مدينة باغاية فحاربه أهلها وكانوا من الروم، ثم أغلقوا أبوابها، فأراد حصارهم ولكنه اختار قصد غيرها، فسار إلى بلاد الزاب فامتلك مدينتها العظمى إربه، وسار إلى طنجة ومنها عاد بغنائم وافرة.
فانظر هداك الله إلى المسلمين في ذلك الحين لو وجهوا سيوفهم التي يضربون بها وجوههم إلى بلاد الأعداء وأمصار الروم وغيرهم هلا كانوا بلغوا أقاصي
[ ١٣٦ ]
الأرض وأطاعهم الناس أجمعون؟ وأنت ترى أن جيشا قليل العدد قليل العدد يتوغل يحارب البرابرة والروم ويرجع ولواؤه يخفق بالظفر والغنم والربح.
وكانت وفاة يزيد بجوار أبيه من أرض حمص لأربع عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأولى، وعمره تسع وثلاثون سنة، وخلد في صحيفة بني أمية تلك النقطة السوداء التي لن تزول، وقد سبق القول بأن ليزيد شعرا مرويا فلا نرى بأسا من ذكر شيء منه، وإن كنت لا أثق بصحة كل ما ينقل عنه من هذا النوع؛ فمن ذلك قصيدة تنمى إليه في كتب الأدب قال:
خذوا بدمي ذات الوشاح فإنني … رأيت بعيني في أناملها دمي
ولا تقتلوها إن ظفرتم بقتلها … بلى خبروها بعد موتي بمأثمي
لها حكم لقمان وصورة يوسف … ونغمة داود وعفة مريم
ولي حزن يعقوب ووحشة يونس … وآلام أيوب وحرة آدم
إلى أن يقول:
ولما تلاقينا وجدت بنانها … مخصبة تحكي عصارة عندم
فقلت: خضبت الكف؟ بعدى، وهكذا … يكون جزاء المستهام المتيم
فقالت وأبدت في الحشا حرق الجوى … مقالة من في القول لم يتبرم
وعيشك ما هذا خضابا عرفته … فلا تك بالبهتان والزور متهمي
ولكنني لما رأيتك نائيا … وقد كنت لي كفي وزندي ومعصمي
بكيت دما يوم النوى فمسحته … بكفي وهذا الأثر من ذلك الدم
ولو قبل مبكاها بكيت صبابة … بسعدي شفيت النفس قبل التندم
ولكن بكت قبلي فهيج لي البكا … بكاها فكان الفضل للمتقدم
[ ١٣٧ ]
وتنسب له القصيدة المشهورة التي مطلعها:
نالت على يدها ما لم تنله يدي … نقشا على معصم أوهت جلدي
ويروى له هذان البيتان:
دعوت بماء في إناء فجاءني … غلام به خمرا فأوسعته زجرا
فقال: هو الماء القراح وإنما … تبدى به خدي فأوهمك الخمرا
وهو صاحب الأبيات التالية قالها حين جاءه النبأ بموت أبيه، وكان غائبا عن دمشق:
جاء البريد بقرطاس يخب به … فأوجس القلب من قرطاسه فزعا
قلنا: لك الويل ماذا في صحيفتكم … قالوا الخليفة أمسى مثبتا وجعا
فمادت الأرض أو كادت تميد بنا … كأن أغبر من أركانها انقلعا
ثم انبعثنا إلى خوص مزممة … نرمي العجاج بها ما نأتلي سرعا
فما نبالي إذا بلغن أرحلنا … ما مات منهن بالموماة أو طلعا
أودى ابن هند وأودى المجد يتبعه … كذا [ك] كنا جميعا قاطنين معا
أغر أبلج يستسقى الغمام به … لو قارع الناس عن أخلاقهم قرعا
لا يرقع الناس ما أوهى ولو جهدوا … أن يرقعوه ولا يوهون ما رقعا
قال الشافعي: والبيتان الأخيران سرقهما من الأعشى.
[ ١٣٨ ]