علي بن علي بن محمد الأومي الصفاقسي، حسبما وقفت عليه بخط يده في إجازة الشيخ عبد الله السوسي السكتاني المغربي له، ووجدت بخط حفيده للبنت الشيخ محمود السيالة ما يلي: إن نسبه متصل بالشيخ عبيد الأومي، وإن أصلهم الأول من رقود الأومة المجاهدين المدفونين بأرض المسعودة وهي جوفي (١) (شمالي) بلد نقطة (٢) غربي صفاقس وهم المدفون معهم سيدي أبو عكازين الرقيق (٣) الذي من ذريته رقود الحاجب، ثم سكنوا صفاقس
_________________
(١) الجوف بمعنى الشمال، لفظة متداولة الاستعمال لدى المغاربة والأندلسيين.
(٢) نقطة بفتح النون والقاف المشددة والطاء قرية على ساحل البحر غربي صفاقس على بعد بضع كيلومترات من قرية الشفار والمصطاف ذي الشاطئ الجميل. قامت بدور هام أثناء الحرب الإيطالية الليبية إذ كانت الإعلانات ترسل منها عن طريق البحر إلى طرابلس والمسافة بين صفاقس وطرابلس عن طريق البحر هي أقصر مسافة من طريق البر وصفاقس من هذا الطريق (البحري) أقرب إلى طرابلس من تونس وفي هذه الفترة كان الضباط الأتراك المرسلون إلى ليبيا ينزلون أولا بصفاقس ثم يتوجهون من نقطة بحرا إلى طرابلس ومنهم أنور باشا ومصطفى كمال وغيرهما، وكان رياس السفن من أبناء جزيرة قرقنة يحضرون في الموعد المحدد ويؤدون مهمتهم بنجاح ولا يبوحون بالسر بعد أدائها، وفي هذه الفترة لم تبدأ إيطاليا في حصارها لطرابلس بحرا واختيرت نقطة لهذا الغرض لأنها بعيدة عن رقابة السلط الاستعمارية وفضول جواسيسها.
(٣) هو محمد الرقيق الإدريسي الحسني الملقب بأبي عكازين من الصالحين من رجال القرن السابع. انظر نزهة الأنظار لمحمود مقديش ٢/ ١٥٦ - ١٥٨.
[ ١ / ٦١ ]
بأهلهم واستوطنوها وأخذوا العلوم من علمائها واستحكموها، ثم من علماء تونس ومصر، ثم شاخوا (١) بدروسها في جامع صفاقس والقصر (٢).
قرأ ببلده صفاقس ثم رحل إلى القيروان وأخذ عن الشيخ عبد الله السوسي السكتاني المغربي قبل انتقاله إلى مدينة تونس، الفقه والتوحيد والفرائض والحديث والأصول والتفسير والحساب والمنطق وأجاز إجازة مؤرخة بأوائل شهر ذي الحجة سنة ١١٤٣/ ١٧٣٠ برواية الصحاح الستة عن شيخه خاتمة المحدثين بالحجاز أبي محمد عبد الله بن سالم البصري المكي الشافعي عام مجاورته بمكة سنة ١١٢٧/ ١٧١٥ عن محمد بن علاء الدين البابلي المصري إلى أن ينتهي إلى طريق الحافظ ابن حجر العسقلاني، كما أجازه برواية «رياض الصالحين» و«الأربعين النووية» و«الموطأ» و«الشفا» للقاضي عياض و«الجامع الكبير» و«الصغير» للسيوطي و«سيرة ابن إسحاق تهذيب ابن هشام و«الروض الأنف» للسهيلي، و«شرح النخبة» للحافظ ابن حجر، وتفسير البغوي المعروف ب «معالم التنزيل» و«الوسيط» للواحدي وسائر تصانيفه، وتفسير فخر الدين الرازي وتفسير القاضي البيضاوي، وتفسير «البحر المحيط» لأبي حيّان الأندلسي وتفسير الجلالين والإحياء للغزالي والتذكرة للقرطبي والحكم لابن عطاء الله.
وإجازة الشيخ عبد الله بن سالم البصري للشيخ عبد الله السوسي السكتاني مؤرخة بالرابع والعشرين من ذي القعدة عام ١١٢٢/ ١٧١٠.
كما أجازه الشيخ عبد الله السوسي السكتاني بما تضمنه ثبته في رواية «مختصر» خليل ابن إسحاق، عن الشيخ إبراهيم بن موسى الفيومي المنشاوي المتوفى سنة ١١٣١/ ١٧٢٥ عن شيخه محمد الخرشي بالسند المتصل إلى الشيخ خليل ثم ذكر عقب ذلك سنده في رواية فقه مذهب مالك إلى أن ينتهي إلى الأندلسيين والمغاربة.
وإجازة الشيح إبراهيم بن موسى الفيومي مؤرخة في ربيع الأول سنة ١١٣١/ ١٧١٩ وفي هذا الثبت إجازة عامة من الشيخ منصور المنوفي الشافعي.
ثم ارتحل علي الأومي إلى تونس وأخذ عن علماء الزيتونة، ثم ارتحل إلى مصر وجاور بالأزهر خمس سنوات واقرأ فيه بعض الدروس ومدحه بعض تلامذته المصريين [وافر]:
له ذهن يغوص ببحر علم فيأتي منه بالدر النظيم
معانيه الضيا ولأجل هذا سرت ألفاظه مثل النسيم
وقال في بلده صفاقس [طويل]:
_________________
(١) تعبير عامي معناه، صاروا شيوخا مدرسين.
(٢) جامع قصر الرباط بالناحية الغربية من صفاقس وتلك الجهة كان بها قصر الرباط، انظر تاريخ صفاقس لأبي بكر عبد الكافي في ج ٢ ص ٢١ - ٢٤ (ط صفاقس سنة ١٩٨٠).
[ ١ / ٦٢ ]
تزيد على مر الزمان حلاوة صفاقس من راقت بحلو المشارب
لها في أقاليم البلاد شوارق منزهة أقمارها عن مغارب
وقال الشيخ محمد البنداري المصري مادحا له ومثنيا على مجلسه بالأزهر ومتشوقا إليه بعد مبارحته للأزهر [كامل]:
لم أنس أياما لنا ولياليا سلفت وعينا بالصريم تصرما
إذ نحن لم نخش الرقيب ولم نخف صرم الزمان ولا نبالي اللوما
والعيش غض والحواسد نوم عنا وعين البين قد كحلت عمى
ومناهل عذبت بحسن لوامع وبحافتيها الأنس جمع منعما
والجالسون بها شموع أزاهر يبدون في أشباح ليل أنجما
كنا بهم في صفو عيش وافر حتى رمت أيدي التشتت أسهما
وتذبلت ورد الغصون وسلكه من بعد ما بالأنس كان منظما
والدمع منشور على منشورها والنوم من مر التجافي سيما
وغدا الكئيب محمد البنداري في لقيا علي الأومي صبا مغرما
وبعث له مع الشعر رسالة نثرية طويلة.
وللمترجم له ثبت (١) جمع فيه إجازات شيوخ الأزهر له بإمضاءاتهم وأختامهم وبعضها مؤرخ بعام (١١٦٧/ ١٧٥٦) وأخذ الإجازات مؤذن بانتهاء مدة الدراسة وإذا كانت مدة مجاورته بالأزهر خمس سنوات فإننا نستنبط أنه التحق به حوالي سنة (١١٥٤/ ١٧٥١).
وهذه أسماء شيوخه الأزهريين وما قرأه عليهم وما أجازوه به وتاريخ الإجازة ان ذكرها المجيز:
١ - قرأ علي الشيخ محمد بن أحمد الرشيدي المالكي المنظومة الجزرية في التجويد وشرحها لشيخ الإسلام القاضي زكريا الأنصاري مرتين، ومن الشاطبية وقف حمزة وهشام على الهمز، وشرحه للعلاّمة المرادي المعروف بابن أم قاسم، وكذلك رسالة لشيخه الرشيدي المذكور في نفس الموضوع وقرأ عليه أيضا ضبط الخراز «في رسم القرآن» ورسالة محمد بن قاسم بن إسماعيل البقري (٢) في أصول القراءات السبع (٣)، كل ذلك
_________________
(١) الثبت (بفتح الثاء المثلثة وبفتح الباء الموحدة المسفولة من بعدها) الفهرس الذي يجمع فيه المحدث مروياته وأشياخه كأنما أخذ من الحجة لأن أسانيده وشيوخه حجة، وقد ذكره كثير من المحدثين وقيل أنه من اصطلاحات المحدثين. مرتضى الزبيدي، تاج العروس ١/ ٥٣٤.
(٢) هو الشناوي الشافعي الأزهري المقرئ الصوفي (١١٠٨ - ١١١١/ ١٦٠٩ - ١٦٩٩) معجم المؤلفين ١/ ١٣٦.
(٣) اسمها «القواعد المقررة والفوائد المحررة» وتعرف بالفوائد البقرية في بيان مذهب كل واحد من القراء السبعة على انفراده.
[ ١ / ٦٣ ]
بضبط وإتقان وأجازه في القراءات بالسند المتصل عن شيخه أحمد البقري إلى أن ينتهي إلى أبي عمرو عثمان الداني الأندلسي صاحب «التيسير» من طريق ابن الجزري وتاريخ الإجازة بيوم الاثنين الخامس من شعبان سنة ١١٦٧ وفي آخرها مصادقة المجيز بخطه وبدون ختم.
٢ - وقرأ على الشيخ محمد البليدي الحسني الأندلسي، التونسي ثم المصري (١) (المتوفى سنة ١١٧٦/ ١٧٦٣) ما تيسر من صحيح البخاري والجامع الصغير للسيوطي والشمائل للترمذي والأربعين النووية والهمزية للبوصيري، ومختصر البخاري لابن أبي حمزة، ومختصر خليل، وشرح كبري السنوسي وأجازه إجازة وجيزة بخطه وبختمه. وأجازه مرة ثانية برواية العقيدة الكبرى للسنوسي وشرحها بالسند المتصل إلى تلامذة المؤلف عن شيخه عبد القادر بن عبد الواحد بن أحمد بن محمد بن يعقوب وهي إجازة عامة له ولغيره جاء فيها النص على إبتداء قراءة الكتاب وختمه «هذا وقد من علينا بقراءة العقيدة الكبرى وشرحها قراءة وتحقيق يؤمها الطالبون وذلك بشهر شوّال في ثلاث وستين ومائة وألف ثم الامتنان بالختم فكان ربيعا في ربيع الثاني عام أربع وستين» (٢).
وصادق على الإجازة بخطه وختمه.
٣ - وأجازه إجازة مطلقة الشيخ سالم بن محمد النفراوي (٣) المالكي الضرير المتوفى سنة ١١٦٨/ ١٧٥٥.
٤ - ولازم مدة الشيخ محمد بن سالم الحفناوي (٤) الشافعي الخلوتي (المتوفى سنة ١١٨١/ ١٧٦٧) وقرأ عليه ما تيسر من العلوم وأجازه بما تضمنه كتاب «الجواهر الغوالي في ذكر الأسانيد العوالي» من الكتب النقلية والعقلية على ما أجازه به مؤلفه الشيخ محمد بن محمد بن محمد بن أحمد البديري الدمياطي المعروف بابن الميت وبالبرهان الشامي (٥) والمتوفى سنة ١١٤٠/ ١٧٢٨، كما أجازه في أثناء ذلك إجازة عامة بسائر ما يجوز له روايته من
_________________
(١) كان عالما بالعربية والتفسير والقراءات والفقه المالكي وله فيها مؤلفات.
(٢) (كذا) والصواب عام أربعة وستين.
(٣) كان مشهورا بمعرفة فروع المذهب مع استحضار غريب ترجمته في شجرة النور الزكية ٣٣٨، معجم المؤلفين ٤/ ٢٠٢ (سالم بن أحمد).
(٤) كذا بخطه في هذه الإجازة ويقال الحفني نسبة إلى حفنى بفتح الحاء كسكرى من أعمال بلبيس شرقي مصر وهو شيخ مرتضى الزبيدي الذي قال عند كلامه عن الحفني «ومنها شيخنا بل شيخ الدنيا جميعا وهو الشيخ الإمام المحدث الولي العالم أبو عبد الله محمد بن سالم الشريف القرشي رئيس الجامع الأزهر والمحل المبارك الزاهي الأنور، وشيخ العلماء بعد شيخنا الشيخ عبد الله العالم الشبراوي الشافعي، رحمه الله تعالى».تاج العروس ٦/ ١٨٢
(٥) كان محدثا مسندا صوفيا له مؤلفات في الحديث. ترجمته في الأعلام ٧/ ٢٩٥، فهرس الفهارس ١/ ١٥٤ - ١٥٥، معجم المؤلفين ١١/ ١٦٤ - ١٦٥.
[ ١ / ٦٤ ]
معقول ومنقول والإجازة بخط المجيز وختمه ومؤرخة بالتاسع والعشرين من شعبان سنة ١١٦٧ وهي موجودة في أول كتاب «الجواهر الغوالي في ذكر الأسانيد العوالي» في وجه الورقة التي بها عنوان الكتاب وهو مدرج ضمن ثبت الإجازات وهذا الكتاب يشتمل على ثلاث وأربعين ورقة (١) قياس كل ورقة ٥، ٢٠ * ٢، ١٥ مسطرتها ٢٥ سطرا فرغ منه مؤلفه في شهر ربيع الأول سنة ١١٣٧ والنسخة بخط مشرقي نسخي أتمها الناسخ في شعبان ١١٦٧.
٥ - وقرأ على الشيخ علي بن أحمد الصعيدي العدوي (٢) (المتوفى سنة ١١٨٩/ ١١٧٥) العقائد النسفية بشرح سعد الدين التفتازاني وأجازه برواية صحيح البخاري بسنده كما أجازه بأسانيده في الفقه وببقية الصحاح وغيرها والأصول والمعاني وغير ذلك من العلوم.
والإجازة بخط الشيخ علي الصعيدي العدوي من غير ختم ولا تاريخ.
٦ - وسمع من الشيخ حسن بن علي بن أحمد المدابغي (٣) الشافعي (المتوفى سنة ١١٧٧/ ١٧٦٤) صحيح البخاري وغيره بالسند المتصل كما أجازه عامة في التفسير والحديث والأصول.
والإجازة بخط المجيز وختمه مؤرخة بيوم الثلاثاء ٢٠ شعبان ١١٦٧.
٧ - وأخذ عن الشيخ أحمد بن عبد المنعم الدمنهوري الملقب بالمذاهبي لعلمه بالمذاهب الأربعة والعالم الرياضي وشيخ الأزهر فيما بعد (٤) (والمتوفى سنة ١١٩٢/ ١٧٧٨) شرحه على منظومة درة التوحيد وشرحه على السمرقندية في الاستعارات وشرحه على السلم في المنطق، وشرح عبد السلام اللقاني على جوهرة التوحيد، وشرح الخبيصي على التهذيب في المنطق وسلم المنار في علم الزيج ورقائق الحقائق في حساب الدرج والدقائق في علم حساب الزيج، والبداية في الحكمة وشرح ابن عقيل على ألفية ابن مالك وشرح دلائل الخيرات، وغير ذلك من الكتب.
وأجازه بها وبغيرها من الكتب إجازة عامة بخطه وختمه في ٢١ شعبان ١١٦٧.
٨ - وقرأ على الشيخ حسين بن محمد المحلي الشافعي (المتوفى سنة ١١٧٠/ ١٧٥٧) الفرائض
_________________
(١) قال عبد الحي الكتاني في فهرس الفهارس ١/ ١٥٤ «في نحو ستة كراريس وهو عندي بآخره إجازة مؤلفه للشمس محمد بن سالم الحفني».
(٢) كان عالما محققا له هوامش عديدة عامة كتب في مصطلح الحديث والفقه والمنطق ترجمته في الاعلام ٥/ ١٥، سلك الدرر ٣/ ٢٠٦، شجرة النور الزكية ٣٤١ - ٣٤٢، معجم المؤلفين ٧/ ٢٩ - ٣٠.
(٣) عرف بالمدابغي لسكناه بحارة المدابغ بمصر، وكان أحد المعمرين المشهورين بعلو الإسناد له مؤلفات في القراءات والحديث والفقه. والاعلام ٢/ ٢٢٣، تاج العروس ٢/ ٨، ٦/ ٨، معجم المؤلفين ٢٤٨.
(٤) ترجمته في الأعلام ١/ ١٥٨، معجم المؤلفين ١/ ٣٠٣.
[ ١ / ٦٥ ]
والحساب والجبر والمقابلة، ولازمه في دراسة الكتب في هذه العلوم كشرح منية الحسّاب لابن غازي ومقدمة القلصادي وبعض كتب ابن الهائم كالنزهة، والوسيلة، وبعض مؤلفات المجيز، كشرح الجدول وشرح المنظومة الشناوية.
وأجازه بجميع ما تلقاه منه وبغيره وبجميع ما رواه وقرأه رواية ودراية، وما تلقاه عن أشياخه مشافهة وإجازة، والإجازة بخط المجيز وختمه بتاريخ عام ١١٦٧.
وقبل الإجازة، كتب له شيخه المحلي رسالته المسماة «بالدر اللطيف في بيان أقسام الحديث الضعيف» التي فرغ من كتابتها في شعبان ١١٦٧ وهي رسالة صغيرة في ست ورقات تندرج ضمن الإجازة العامة.
٩ - وأجازه برواية صحيح البخاري سليمان العزيزي الشافعي الشهير بالزيّات بأسانيده عن مشايخه وببقية مروياته من السنن وغيرها إجازة عامة مصادقا عليها بختمه من غير تاريخ وهي آخر ما وجد بهذا الثبت من الإجازات، وحبذا لو يتوفق بعض الباحثين لنشره مصورا مع تعليقات لأن له قيمة فنية لوجود خطوط العلماء به، وبعض هذه الخطوط نادر الوجود، ولما له من قيمة في تاريخ العلم والدراسات أواخر القرن الثاني عشر الهجري.
ويبدو أن بعض مشايخه لم يجزه ولم يدرج إجازتهم في هذا الثبت لأن تلميذه الشيخ محمود مقديش (١) ذكر من بين مشايخه الأزهريين علي بن الخضر العمروسي (٢) شارح مختصر خليل والعالم الرياضي حسن الجبرتي والد المؤرخ عبد الرحمن.
ولما امتلأ وطابه وأشبع نهمه من المعرفة رجع إلى بلده مصحوبا بمكتبة نفيسة استعان بها على بث العلوم وتحقيقها فكان في دروسه الفقهية واللغوية وغيرها يستحضر ما يمكن استحضاره من المصادر المهمة بحيث أنه كان لا يقرئ إلا بتحقيق واطلاع ولما رجع لبلده انتصب للتدريس بجامعها الكبير وأقرأ العلوم الشرعية واللغوية والرياضية وتخرّج به جماعة كالشيخ محمود بن سعيد مقديش الذي شاركه في شيوخه التونسيين والمصريين، والطيب الشرفي، وعبد الرحمن بكار، ومحمد الزواري ومحمد المصمودي، والشعراء الثلاثة:
إبراهيم الخراط وعلي ديب وعلي الغراب وابنه أحمد.
وقد أثنى محمود مقديش على مكانته العلمية، وتنوع معارفه بقوله: «كان - ﵀ - إماما، في المعمول والمنقول، حاملا من العلوم الشرعية الأصول وفروعها، والأحاديث وعلومها والتفاسير وفنونها، وطرق القراءات والتجويد ووجوهها والعلوم الأدبية العربية ظاهرها ومكنونها، ومن علوم الرياضة منطقا وحسابا وهندسة ومساحة وهيئة وميقات بكنوزها ومن
_________________
(١) نزهة الأنظار ٢/ ١٩٧ - ١٩٨.
(٢) (ت سنة ١١٧٣/ ١٧٦٠) كان فقيها متكلما، له مؤلفات أخرى عدا شرحه لمختصر خليل.
[ ١ / ٦٦ ]
دقائق الحكمة مفتاح كنوزها (١).
واستمر مثابرا بجد على التدريس والإفادة إلى أن لحق بربه في جمادى الأولى سنة ١٢٠٤/ ١٧٨٩.
وكان - ﵀ - عفيفا ديّنا بعيدا عن مواطن الشبهات، مائلا إلى العزلة، غير راغب في تولي المناصب مثل القضاء، قال الشيخ محمود مقديش: «وكان - ﵀ - ذا همة وعفة وصيانة قد سدّ أبواب الطمع عن جميع الخلق في متاع الدنيا وارتفع عن المناصب كلها، طلبه أهل بلده في تولي القضاء فأبى، فكتبوا فيه وثيقة بأنه اللائق بنا فأبطل جميع ما عملوه فولّوا الشيخ كمون.
ولما احتمى من القضاء ألزموه التدريس في الجامع الأعظم فأسعفهم وجعلوا له مرتبا يستعين به من المجابي المخزنية فأبى أن يقبله فلقيه شيخنا بو عصيدة (٢) وقال «مالك امتنعت من المرتب وهو إعانة؟».فقال: «هو من المجابي وأكثرها ظلم، وكل لحم نبت من حرام فالنار أولى به» (٣). فباسطه وقال له: «خذه فحما واجعله تحت القدر» فقال: «هو استعانة والاستعانة لا تكون إلا بالله وما أذن الله فيه» فجعلوا له من الجزية فرضيه، وكذا جعل له شيء من زكاة الحبوب يقتاته هو وعياله وكان صابرا على الشدائد حتى وسّع الله عليه بالكفاف، وكان مائلا إلى الخمول جدا ولا يصلي إماما إلاّ في مسجد مهجور احتسابا فسألناه عن ذلك فقال:
«لإحياء بيت من بيوت الله هجره الناس لقلة ما يعود عليهم فيه من الدنيا».ولا يعرف للأمراء بابا ولو للشفاعة لأن الزمان قد فسد، وبطل عند أهله شفاعة الشافعين فوقوف (٤) العالم على أبوابهم لا فائدة فيه فلذا نبذهم ظهريا، وجعلهم نسيا منسيا، والتحدث بهم شيئا فريا.
وكان أولا قد تحمل بعض الشهادات، فلما كثر (٥) طغيان العامة على بعض المنتصبين لعمل الشهادة أعرض عن ذلك تعففا وتكرما وكان ممن سلم (٦) المسلمون من لسانه ويده، كثير الانجماع في بيته لا يخرج إلا لدرس يقرؤه أو لزيارة الصالحين والأقربين (٧).
_________________
(١) نزهة الأنظار ٢/ ١٩٧ - ١٩٨.
(٢) هو رمضان بو عصيدة من تلامذة الشيخ علي النوري (ت بعد سنة ١١٧٠/ ١٧٥٧) كان مقرئا مفسرا واعظا أديبا شاعرا كفيف البصر. انظر نزهة الأنظار ٢/ ١٦٩ - ١٧٠، شجرة النور الزكية ٣٤٦ - ٣٤٧.
(٣) يشير إلى الحديث الشريف: كل لحم - وفي رواية كل جسد - نبت من سحت فالنار أولى به. رواه أبو نعيم الأصبهاني في «حلية الأولياء» ١/ ٣١ عن أبي بكر الصديق، والطبراني في الكبير، وفي سند الحديث عبد الواحد بن واصل، أورده الذهبي في «الضعفاء» وقال: ضعفه الأزدي، وعبد الرحمن بن زيد، قال البخاري والنسائي: متروك، انظر فيض القدير للمناوي ٥/ ١٧ - ١٨.
(٤) في الأصل بوقوف.
(٥) في الأصل طغى.
(٦) في الأصل من أسلم.
(٧) نزهة الأنظار ٢/ ١٩٨.
[ ١ / ٦٧ ]
ولما ختم كتاب تلخيص المفتاح في البلاغة لجلال الدين القزويني بشرح السعد التفتازاني نظم بهذه المناسبة تلميذه علي الغراب قصيدة - حسب العادة المتبعة في ذلك العصر وبعده - أثنى فيها على مواهبه العلمية وعلى خصاله وأخلاقه فقال: [كامل].
خذ من فنون العلم كل عويص فالعلم يعلي قدر كل رخيص (١)
سيما البيان فإنه لأجلّها قدرا وأشرفها على التخصيص
إذ كان إيضاحا لها وملخصا مفتاح باب السعد في التلخيص
ومنها:
لكن إذا ما كنت آخذه على تاج الأيمة كامل التخويص (٢)
أعني أبا الحسن علي من غدا يعزى إلى الأومي (٣) لدى التخصيص
هو من بمضمار البلاغة قد حوى حلب السباق لدى ذوي التفريص
أما العلوم فإنه لرميمها أحيا، ومنها حل كل عويص
وملخص المعنى إذا أبدى الخفا منها يلخص أيما تلخيص
ومتى أراد الوصل معنى معرض أفكاره وصلت بلا تربيص
جمع الفضائل كلها فاكرم به من طود علم نال كل قنيص
ما عيب شيء منه إلا أنه عند السؤال مشتت التنقيص
فذوو الفضائل حين يذكر فضله تكسى من الارداء كل قميص
لا خير فيمن راح ينكر فضله لكنه من معشر التنقيص
بيت العفاف منزه ذو همة عليا، وصلب الدين غير شكيص
لا زال من بحر الجزالة والهدى خلاّ لزائره وعذب قريص (٤)
وفي علوم الدين والدنيا اغتدى نورا مبينا ساطع التمحيص (٥)
وكفاه في الدارين ما من شأنه أن يهتدى بالعلم كل حريص