محمد بن خلفة (١) بن عمر الوشتاتي (٢) الأبّي (٣)، من نبغاء تلاميذ الإمام ابن عرفة، ليم ابن عرفة على كثرة اجتهاده وإتعابه لنفسه في النظر والمراجعة لإعداد درسه في الفقه فقال:
«كيف أنام الليل وأنا بين أسدين، الأبّي بفهمه وعقله، والبرزلي بنقله» ويستفاد من هذا أنه ذو عقل تحليلي ناقد، وذو ملكة جيدة في الاستنباط.
سكن مدة طلبه للعلم بتونس في المدرسة الشماعية، والمدرسة التوفيقية المسماة أيضا بمدرسة الهواء كما يستفاد من كتابته في شرح صحيح مسلم (إكمال إكمال المعلم) ٦/ ٣٣ - ٣٤، ٧/ ٦٧ حيث جاء فيه ما نصه: «قلت: كان من حلقة الشيخ (أي ابن عرفة) وأصحابنا الطلبة رجل يسمى عرفة، وكان متطلبا ناسكا وهو حينئذ كهل، وأنا في سن ما بعد البلوغ بيسير ساكن بمدرسة التوفيق».
_________________
(١) بكسر المعجمة وفتحها ثم لام ساكنة بعدها فاء (نيل الابتهاج نقلا عن الحافظ ابن حجر) البدر الطالع ٢/ ١٦٩.
(٢) نسبة إلى قبيلة وشتاتة البربرية الأصل.
(٣) نسبة إلى أبة (بضم الهمزة وفتح الباء المشددة) ومعناها السوق في القرطاجنية. قال ياقوت الحموي في «معجم البلدان» ١/ ٩٩ - ١٠٠: «اسم مدينة بافريقية بينها وبين القيروان ثلاثة أيام وهي من ناحية الأربس موصوفة بكثرة الفواكه ونبات الزعفران» وورد ذكرها في «مراصد الاطلاع» ١/ ٢١ وفي «تبصير المنتبه» للحافظ ابن حجر «الأبي - بالضم - منسوب إلى أبة من قرى تونس» ١/ ٢١ وتعرف الآن بأبة قصور بولاية الكاف.
[ ١ / ٣٧ ]
وبعد استكمال تحصيله بقي مقيما بتونس ودرس بها وأخذ عنه جماعة من الأعلام كالقاضي عمر القلشاني، وابن ناجي، وعبد الرحمن الثعالبي الجزائري.
وكان فقيها نظارا مشاركا في عدة علوم، قال عنه معاصره الحافظ ابن حجر: «عصرينا بالمغرب محمد بن خلف (كذا) الأبّي الأصولي، عالم المغرب بالمعقول».
وكان مع وفور عقله وجودة فهمه يحكى عنه من سلامة الفطرة ما يخرجه إلى حد الغفلة.
تولى التدريس مدة بتونس، ثم ولي قضاء الجزيرة القبلية سنة ٨٠٨/ ١٤٠٦ في عهد السلطان أبي فارس عبد العزيز بن أحمد الحفصي.