إسحاق بن سليمان الإسرائيلي، أبو يعقوب، من أهل مصر استوطن القيروان، ولازم إسحاق بن عمران الطبيب البغدادي المسلم النحلة وتتلمذ له.
وكان في مبدأ أمره كحّالا وخدم بطبه عبيد الله المهدي مؤسس الدولة العبيدية، ولم يتزوج، وعاش مائة سنة ونيفا، وكان طبيبا لسنا عالما بتقاسيم الكلام، وتفريع المعاني.
بعث في طلبه من مصر زيادة الله الأغلبي آخر أمراء الدولة الأغلبية وأرسل له بخمسمائة دينار يتقوى بها على السفر، ولما قدم من مصر وجد زيادة الله بجيوشه في الأربس (قرب الكاف) وذلك سنة ٢٩٣/ ٩٠٥ فرحل إليه، فلما بلغ زيادة الله قدومه أمر بإدخاله عليه، فسلّم عليه بالإمرة وفعل ما يجب أن يفعل من الرسوم مع الملوك فرأى زيادة الله قليل الوقار والغالب عليه اللهو وما يثير الضحك وابتدأه بالكلام ابن خنيس (٢) اليوناني فقال له:
- تقول إن الملوحة تجلو.
_________________
(١) وقيل سنة ٤٨٢.
(٢) في اسمه اضطراب فهو هكذا في بعض المصادر وفي بعضها جنيس وجيش وخنبس.
[ ١ / ٤٧ ]
- قال: نعم!
- وتقول إن الحلاوة تجلو.
- قال نعم!
- قال له: فالحلاوة هي الملوحة، والملوحة هي الحلاوة.
- قال إسحاق: إن الحلاوة تجلو بلطف وملاءمة والملوحة تجلو بعنف.
فتمادى ابن خنيس على المكابرة، وأحب المغالطة، فلما رأى ذلك منه عدل على مجادلته بنفس أسلوبه لإفحامه وتخجيله.
- فقال له: تقول أنت حي!
- قال: نعم.
- قال إسحاق: والكلب حي.
- قال: نعم.
- قال: فأنت الكلب والكلب أنت.
فضحك زيادة الله ضحكا شديدا، وعلم إسحاق بن سليمان أن رغبة زيادة الله في الهزل أكثر من رغبته في الجد
ولما وصل أبو عبد الله الصنعاني داعي عبيد الله المهدي إلى رقادة أدناه وقرّب منزلته وكانت به حصاة في الكلي وكان يعالجه بدواء فيه العقارب المحرقة، فجلس ذات يوم مع جماعة من كتامة فسألوه عن صنوف من العلل، فكلما أجابهم لم يفهموا قوله لأنهم من البربر لا يفهمون العربية جيدا، فقال لهم إسحاق أنتم بقر! وليس معكم من الإنسانية إلا الاسم! فبلغ الخبر إلى أبي عبد الله، فلما دخل عليه إسحاق قال له: أتقابل إخواننا المؤمنين من كتامة بما لا يجب؟ والله الكريم لولا أن عذرك أنك جاهل بحقهم وبقدر ما صار إليهم من معرفة الحق وأهل الحق لأضربنّ عنقك.
قال إسحاق: فرأيت رجلا شأنه الجد فيما قصد إليه وليس للهزل عنده شيء.
وكان إسحاق طبيبا فاضلا بليغا عالما مشهورا بالحذق والمعرفة، جيد التصنيف، عالي الهمة.
وكان معاصروه من يهود افريقية، يجلّونه إجلالا عظيما حتى أنهم أسندوا إليه رئاستهم الدينية، وقد ألّف لهم كثيرا من الكتب في تفسير شريعتهم، كما سنّ لهم تقاليد دينية.
وقد أخذ عنه الطب والفلسفة جماعة من أبناء البلاد منهم الطبيب الشهير أحمد بن الجزار
[ ١ / ٤٨ ]
القيرواني، وهو يروي عنه حكايات طريفة في تاريخه.
وقد ترجمت الكثير من مؤلفاته الطبية إلى اللغة اللاتينية ونقل كثير من مؤلفاته إلى اللغة العبرية وعند وفاته دفن بمقبرة اليهود بمدينة المهدية.