الفصل الأول
اعلموا وفقكم الله تعالى أن ترجيح مذهب مالك على غيره وأنافة منزلته في العلم وسمو قدره من طريق النقل والأثر لا ينكره إلا معاند أو قاصر لم يبلغه ذلك مع اشتهاره في كتب المخالف والمساعد، وها نحن نقرر الكلام في ذلك في حجتين أولاهما: بالتقديم وهو الأثر المشهور الصحيح المروي في ذلك من رسول الله ﵇ من حديث الثقات، منهم سفيان بن عيينة عن أبي جريج عن أبي الزبير عن أبي صالح عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال يوشك أن يضرب الناس أكباد الإبل في طلب العلم.
وفي رواية يلتمسون العلم فلا يجدون عالمًا أعلم، وفي رواية من عالم المدينة وفي بعضها أباط الإبل مكان أكباد الإبل، وقد رواه غير سفيان عن ابن جريج بمثل حديث سفيان منهم المحاربي موقوفًا على أبي هريرة ومحمد بن عبد الله الأنصاري في سند وهو ثقة مأمون.
وهذا الطريق أشهر طرقه ورجال هذا الطريق رجال مشاهير ثقات خرج عن جميعهم البخاري ومسلم وأهل الصحيح ورواه أيضًا المقبري عن أبي هريرة بلفظ آخر حدث به القاضي أبو البختري وهب بن منتبه عن عبد الأعلى بن عبد الله عن القبري عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال لا تنقضي الساعة حتى يضرب الناس أكباد الإبل من كل ناحية إلى عالم المدينة يطلبون علمه إلا أن أبا البختري ضعيف عندهم وقد رواه النسائي أيضًا، وخرجه في مصنفه عن علي بن محمد بن كثير عن سفيان
[ ١ / ٨٢ ]
عن أبي الزناد عن أبي صالح عن أبي هريرة قال، قال رسول الله ﷺ تضربون أكباد الإبل وتطلبون العلم فلا تجدون عالمًا أعلم من عالم المدينة.
قال النسائي هذا خطأ والصواب أبو الزبير عن أبي صالح.
ورواه أيضًا أبو موسى الأشعري عن النبي ﵇ بلفظ آخر حدث به معن بن عيسى عن أبي المنذر التميمي زهير قال: قال رسول الله ﷺ يخرج ناس من المشرق والمغرب في طلب العلم فلا يجدون عالمًا أعل من عالم المدينة.
وذكر ابن حبيب حديثًا يسنده عن أبي صالح عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ: لا تنقطع الدنيا حتى يكون عالمًا بالمدينة تضرب إليه أكباد الإبل ليس على ظهر الدنيا أعلم منه.
قال سفيان بن عيينة من غير طريق واحد: نرى أن المراد بهذا الحديث مالك بن أنس، وفي رواية هو مالك بن أنس ومثله عن ابن جريج وعبد الرزاق وروي عن سفيان أنه قال كنت أقول هو ابن المسيب حتى قلت: كان في زمن ابن المسيب سليمان وسالم وغيرهما ثم أصبحت اليوم أقول أنه مالك.
وذلك أنه عاش حتى لم يبق له نظير بالمدينة، وهذا هو الصحيح عن سفيان رواه عنه الثقات والأئمة ابن مهدي، ويحيى بن معين، وعلي بن المديني، والزبير بن بكار، وإسحاق بن أبي إسرائيل، وذويب بن غمامة السهمي وغيرهم (كلهم) سمع سفيان يقول في تفسير الحديث إذا حدثهم به: هو مالك أو أظنه أو أحسبه أو أراه وكانوا يرونه، قال ابن مهدي يعني سفيان بقوله كانوا يرونه التابعين.
قال القاضي أبو عبد الله التستري هو أخبار عن غيره من نظرائه أو ممن هو فوقه وأن منزلته كانت في نفوسهم هذه المنزلة لما شاهدوه من حاله التي تشبه ما أخبر به في الحديث، قال وقد
[ ١ / ٨٣ ]
جاءت هذه الأحاديث بلفظين أحدهما: لا يجدون عالمًا أعلم من عالم المدينة، والآخر: من عالم بالمدينة، ولكل واحد منهما معنى صحيح.
فأما قوله من عالم بالمدينة فإشارة إلى رجل يعينه يكون بها لا بغيرها ولا نعلم أحدًا انتهى إليه علم أهل المدينة وأقام بها ولم يخرج عنها ولا استوطن سواها في زمن مالك مجمعًا عليه إلا مالكًا.
ولا أفتى بالمدينة وحدث نيفًا وستين سنة أحد من علمائها يأخذ عنه أهل المشرق والمغرب ويضربون إليه أكباد الإبل غيره.
وأما رواية عالم المدينة أو أهل المدينة فقد ذكر محمد بن إسحاق المخزومي أبو المغيرة أن تأويل ذلك ما دام المسلمون يطلبون العلم فلا يجدون أعلم من عالم المدينة كان بها أو بغيرها.
فيكون على هذا سعيد بن المسيب لأنه النهاية في وقته ثم بعده غيره ممن هو مثله من شيوخ مالك، ثم بعدهم مالك ثم بعده من قام بعلمه وصار أعلم أصحابه بمذهبه، ثم هكذا ما دام للعلم طالب ولمذهب أهل المدينة إمام.
ويجوز على هذا أن يقال هو ابن شهاب في وقته والعمري في وقته ومالك في وقته، ثم إذا أجمعت اللفظتان اختص مالك بقوله من عالم بالمدينة ودخل في جملة علماء المدينة باللفظ الآخر، وقال بعض المالكية إذا اعتبرت كثرة من روى عن مالك من العلماء ممن تقدمه وعاصره أو تأخر عنه على اختلاف طبقاتهم وأقطارهم وكثرة الرحلة إليه والاعتماد في وقته عليه، دل بغير مرية أنه المراد بالحديث.
إذ لم نجد لغيره من علماء المدينة ممن تقدمه أو جاء بعده من الرواة والآخذين إلا بعض من وجدناه وقد جمع الرواة عنه غير واحد، وبلغ بهم بعضهم في تسمية من علم بالرواية عنه سوى من لم يعلم ألف راو واجتمع من مجموعهم زائدًا على الألف وثلاثمائة، ويدل كثرة قصدهم له كونه أعلم أهل وقته وهو الحال
[ ١ / ٨٤ ]
والصفة التي أنذر بها ﵇ لم يسترب السلف أنه هو المراد بالحديث وعد هذا الخبر
من معجزاته وآياته ﵇ مما أخبر به من الكائنات فوقعت كما أخبر به ﵊.
وقال القاضي أبو محمد عبد الوهاب: أما أنه لا ينازعنا في هذا الحديث أحد من أرباب المذاهب.
إذ ليس منهم من له إمام من أهل المدينة.
فبقول المراد به إمامي.
ونحن ندعي أنه صاحبنا بشهادة السلف وبأنه إذا أطلق بين أهل العلم عالم المدينة وإمام دار الهجرة فالمراد به مالك عندهم دون غيره من علمائها.
كما إذا قيل قال الكوفي فالمراد به أبو حنيفة دون سائر فقهاء الكوفة.
قال القاضي أبو الفضل رضي الله تعالى عنه: فوجه احتجاجنا بهذا الحديث من أنه مالك من ثلاثة أوجه، أحدها تقييد السلف بأن المراد الحديث هو حسبما نقلنا عنهم وما كانوا ليقولوا ذلك إلا عن تحقيق ولا ليذيعوه بهوى وهم المبرؤون من ذلك مع تنافس الأقران وما جبلت عليه القلوب من قلة الإنصاف للأمثال فكيف فضل هذا.
الوجه الثاني أنك إذا اعتبرت ما أوردناه من شهادة السلف الصالح بأنه أعلم من على ظهر الأرض وأعلم من بقي وأعلم الناس وإمام الناس، وعالم المدينة وإمام دار الهجرة وأمير المؤمنين في الحديث، وأعلم علماء المدينة وتعويلهم عليه واقتداؤهم به وإجماعهم على تقديمه وطالعت ذلك فيما نورده من أخباره ظهر وبان أنه المراد بالحديث إذ لم تحصل هذه الأوصاف لغيره ولا أطبقوا على هذه الشهادة لسواه.
الوجه الثالث هو ما نبه عليه بعض الشيوخ من أن طلبة العلم لم يضربوا أكباد
[ ١ / ٨٥ ]
الإبل من شرق الأرض وغيرها ولا رحلوا إليه من الآفاق رحلتهم إلى مالك، لما
اعتقدوا فيه من تقديمه على سائر علماء وقته، ولو اعتقدوا ذلك في غيره لما ولوا إليه فالناس أكيس من إن يحمدوا رجلًا من غير أن يجدوا آثار إحسان.
الترجيح الثاني في هذا الفصل من طريق النقل والمعتمد فيه مجرد تقليد السلف وأئمة المسلمين وعلمائهم في المسألة وبالاعتراف لمالك رحمه الله تعالى بأنه أعلم وقته وإمامه وأعلم الناس وأعلم علماء المدينة وأشباه هذا من شهادتهم له بذلك واعترافهم به وتقليدهم إياه واقتدائهم به على رسوخ كثير منهم في العلم وترجيحهم مذهبه على مذهب غيره مما سنورد في بابي ثنائهم عليه واقتدائهم به بعد هذا عند ذكرنا شمائله ومناقبه وهما بابان متسعان.
وسنورد هنا لمعًا من ذلك تومي إلى ما وراءها إن شاء الله تعالى.
من ذلك تومي إلى ما وراءها إن شاء الله تعالى.
من ذلك قال ابن هرمز شيخه فيه أنه عالم الناس، وقال سفيان بن عيينة لما بلغه وفاته ما ترك على الأرض مثله، وقال: مالك إمام ومالك عالم أهل الحجاز، ومالك حجة في زمانه ومالك سراج الأمة، وما نحن ومالك إنما كنا نتبع آثار مالك، وقال الشافعي: مالك أستاذي وعنه أخذنا العلم وما أحد أمن علي من مالك وجعلت مالكًا حجة بيني وبين الله تعالى، وإذا ذكر العلماء فمالك النجم الثاقب ولم يبلغ أحد مبلغ مالك في العلم لحفظه وإتقانه وصيانته، وقال: العلم يدور على ثلاثة مالك والليث وسفيان بن عيينة، وحكي عن الأوزاعي أنه كان إذا ذكره قال: قال عالم العلماء وعالم أهل المدينة ومفتي الحرمين، وقال بقية بن الوليد: ما بقي على وجه الأرض أعلم بسنة ماضية ولا باقية منك يا مالك، وقال أبو يوسف: ما رأيت أعلم من ثلاثة، فذكر مالكًا وأبا حنيفة وابن أبي ليلى، وقال ابن مهدي - وسئل عن مالك وأبي حنيفة - مالك أعلم من أستاذي أبي حنيفة، وقدمه ابن حنبل على الأوزاعي والثوري والليث وحماد،
[ ١ / ٨٦ ]
والحكم في العلم.
وقال: هو إمام في الحديث والفقه، وسئل عمن يريد أن يكتب الحديث وينظر في الفقه حديث من يكتب؟ وفي رأي من ينظر؟ فقال حديث مالك ورأي مالك، وقال يحيى بن سعيد القطان: مالك إمام يقتدى به، وقال ابن معين: مالك من حجج الله ما خلقه.
إمام من أئمة المسلمين مجمع على فضله، وقال أيوب بن سويد: مالك إمام دار الهجرة، وقال أبو جعفر المنصور أنه أعلم أهل الأرض.
وقال سعيد بن الحداد كان مالك من الراسخين في الإسلام أرسخ في العلم من الجبال الراسيات، وقال حميد بن الأسود كان إمام الناس عندنا بعد عمر زيد بن ثابت وبعده عبد الله بن عمر قال علي بن المديني وأخذ من زيد ممن كان يتبع رأيه واحد وعشرون رجلًا.
ثم صار علم هؤلاء إلى ثلاث ابن شهاب وبكير بن عبد الله وأبي الزناد، وصار علم هؤلاء كلهم إلى مالك بن أنس، وقال أسد بن الفرات: إن أردت الله والدار الآخرة فعليك بمالك بن أنس، قال حماد بن زيد: دخلت المدينة ومناديًا ينادي لا يفتي الناس في مسجد رسول الله ﷺ ويحدث إلا مالك بن أنس، وقد استوعبنا هذه الشهادات والاعتراف بعد هذا، وقد اعترف له بالعلم والإمامة يحيى بن سعيد شيخه والأوزاعي والليث وابن المبارك وجماعة من هذا النمط ومن بعدهم كالبخاري ومحمد بن عبد الحكم وأبو زرعة الرازي ومن لا ينعد كثرة.
وكذلك ذكرنا في الباب الآخر اقتداء السلف وأهل العصر من العلماء، وسائر الناس به ونحن نذكر هنا شيئًا من ذلك، قال سعيد بن منصور رأيت مالكًا يطوف وخلفه سفيان الثوري كلما فعل مالك شيئًا فعله يقتدى به، قال ابن أبي أويس كان الناس كلهم يصدون عن رأي مالك وكان للأمير عنه رجال يسأله وكذلك القاضي والمحتسب، وسأل رجل ابن عيينة عن الضحية بالليل فقال له سفيان لا بأس بذلك
فقال له ابن وهب فإن مالكًا
[ ١ / ٨٧ ]
قال لا يضحى بالليل فقرأ في أيام معلومات، فنادى سفيان بالرجل وقال: أن هذا أخبرني عن مالك أنه لا يضحى بليل، وقال حميد: أهل المدينة بعد زيد بن ثابت كما تقلدوا قول مالك، وقال عتيق بن يعقوب: ما اجتمع أحد بالمدينة إلا أجمع عليه، ونطالع بعد هذا بقية ما شابه ما ذكرناه.
[ ١ / ٨٨ ]