في ترجيحه من طريق الاعتبار والنظر
وفيه ثلاث اعتبارات
الاعتبار الأول أن نبين جمع مالك لدرجات الاجتهاد في الدين وحوزه خصال الكمال في العلم، وبلوغه في ذلك المنزلة التي لم يبلغها أحد من هؤلاء المقلدين، قاصدًا بذلك مقصد الحق غير راكن إلى التعصب قائمًا بالصدق ومقتصدًا فيما أذكره من ذلك غير مستبيح عرض أحد من الأئمة، وقاده الخلق.
وها هنا معارك النزاع والاعتلاج ومثار العناد واللجاج.
فأقول والمستعان الله: لا خفاء على منصف من الإمامة في علوم الشريعة وعلم الكتاب والسنة وأنه إمام المسلمين وأعلمهم في وقته بسنة ماضية وباقية وأمير المؤمنين في الحديث ثم العلم بالاختلاف والاتفاق، وهذا كله ما لا ينكره مخالف ولا مؤالف إلا من طبع على قلبه التعصب، وأنه القدوة في السنن وهو أول من ألف فأجاد التأليف ورتب الكتب والأبواب وضم الأشكال وصنع من ذلك ما اتخذه المؤلفون بعده قدومًا وإمامًا، إلى وقتنا هذا في أقطار الأرض، هذا مع صفوة الابتداء وخيرة الاختراع وهو أول من تكلم في غريب الحديث وشرح موطئه الكثير منه، وقد قال الأصمعي أخبرني مالك أن الاستجمار هي الاستطابة ولم أسمعه إلا من مالك، وله في تفسير
[ ١ / ٨٩ ]
القرآن كلام كثير.
وقد جمع، وتفسير رواه عنه بعض أصحابه، وقد جمع أبو محمد مكي مصنفًا فيما روي عنه من التفسير والكلام في معاني القرآن وأحكامه مع تجويده له وإحسان ضبط حروفه، وقد ذكره أبو عمرو المقري في كتابه في طبقات القراء المتصدرين وذكر رواية عن نافع، قال البهلول ابن راشد وغيره ما رأيت أنزع بآية من مالك بن أنس مع معرفته بالصحيح والسقيم والمعمول به من الحديث المتروك، وميزة الرجال وصحة حفظه وكثرة نقده إلى ما يؤثر عنه من الكلام في غير ذلك من العلوم كرسالته إلى ابن وهب في الرد عى أهل القدر، وكقوله: جالست ابن هرمز ثلاث عشرة سنة، ويروى ست عشرة سنة في علم لم أبثه لأحد من الناس.
قال: وكان من أعلم الناس بالرد على أهل الأهواء، وبما اختلف فيه الناس، وقال المهدي: أخبرني بعض نقاد المعتزلة من القرويين قال: أتيت مالك بن أنس فسألته عن مسألة من القدر بحضرة الناس فأومأ إلي أن اسكت فلما خلا المجلس قال لي سل الآن وكره أن يجبني بحضرة الناس.
قال: فزعم المعتزلي أنه لم تبق مسألة من مسائلهم إلا سأله عنها وأجابه فيها، وأقام الحجة على أبطال مذهبهم حتى نفذ ما عند المعتزلي وأقام عنه، وتأليفه في الأوقات وفي النجوم وإشاراته إلى مأخذ الفقه وأصوله التي اتخذها أهل الأصول من أصحابه معالم اهتدوا بها وقواعد بنوا عليها وغيره ممن ذكرنا، لم يجمع هذا الجمع ولا وصل هذا الحد مع اشتغالهم الفقه ووصفهم بالعلم ولكن فوق كل ذي علم عليم، مع الثقة التامة والتقوى وشدة التحري في الحديث والفتيا.
وبهذا الوجه احتج الشافعي على محمد بن الحسن في ترجيح علم مالك على علم أبي حنيفة حين تناظرا في ذلك فقال له الشافعي: الإنصاف تريد أم المكابرة.
قال الإنصاف، قال
[ ١ / ٩٠ ]
الشافعي ناشدتك الله فمن أعلم بكتاب الله وناسخه ومنسوخه
قال محمد ابن الحسن: اللهم صاحبكم، فقال الشافعي: فمن أعلم بسنة رسول الله ﷺ قال اللهم صاحبكم، قال الشافعي فمن أعلم بأقوال أصحاب رسول الله ﷺ قال اللهم صاحبكم، قال الشافعي فلم يبق إلا القياس.
قال محمد صاحبنا أقيس، قال الشافعي القياس لا يكون إلا بهذه الأشياء فعلى أي شيء يقيس، ثم قال الشافعي ونحن ندعي لصاحبنا ما لا تدعونه لصاحبكم، وفي رواية وصاحبنا لم يذهب عليه القياس ولكنه كان يتوقى ويتحرى ويريد التأسي من تقدمه فرحم الله تعالى الشافعي ومحمد بن الحسن فلقد أنصفا والذي قاله الشافعي هو حق اليقين فإن الاجتهاد واليقين والقياس والاستنباط إنما يكون على الأصول فمن كان أعلم بها كان استنباطه أصح وقياسه أحق وإلا فمتى اختلت معرفته بالأصول قاس على اغترار، وبنى على شفا جرف هار، وقد احتج بهذه الحكاية الإمام أبو إسحاق الشيرازي على الخراسانيين في اقتصارهم في النظر على المسائل القياسيات المسماة عندهم بالطبوليات لتنتج الكلام فيها ومد أنفاس الجدال بين أهلها، وإذا كان بإتفاق ما قاله الشافعي وهو الحق وهو قول جماهير العلماء أن الاجتهاد لا يصح والقياس إلا لمن جمع آلته من علم الكتاب والسنة وأحكم ذلك على ما يجب، ثم جمع إلى ذلك من آلات الاجتهاد وفهم الألفاظ والمعاني وتصريفها ما لا غنى له عنه، ثم عرف مواضع الإجماع والاتفاق ومسائل الخلاف والنزاع فمتى اختل على العالم شيء من ذلك كان غضًا من إمامته ونقصًا من كماله، ولم يصح له الاجتهاد ولا ساغ له النظر في الدين إلا بإجتماع ذلك.
ومتى أخل بأحد هذه القواعد فلا يحل له الاجتهاد في الدين ولا الفتوى بين المسلمين ولا القياس على ما يبلغه.
وقد تقرر استقلال مالك
[ ١ / ٩١ ]
بهذه الأصول على السنة المولف والمخالف، ولا يلتفت إلى متعصب نعق آخر الزمان بما أراد به الغض منه في الاجتهاد وما غض إلا من نفسه، مع تصريحه عنه بأنه أعلم علماء المدينة وأمير المؤمنين في الحديث وإمامة الشافعي تكذب هجر قوله، وأئمة الهدى وأعلام العلماء ممن ذكرنا وممن سنذكر إن شاء الله تعالى يخالفه ويشهد بتهافته فيما قال وجهله، ثم نظرنا إلى الأئمة لمقلدين في عصره فلم نجد واحدًا منهم جمع من ذلك ما جمع ولا اضطلع بهذه الأصول كما اضطلع.
وأما أبو حنيفة والشافعي فيسلم لهما حسن الاعتبار وتدقيق النظر والقياس وجودة الفقه والإمامة فيه.
لكن ليس لهما إمامة في الحديث ولا معرفة به ولا استقلال بعلمه، ولا يدعيانه ولا يدعى لهما وقد ضعفهما فيه أهل الصنعة.
وهذا أهل الصحيح لم يخرجا عنهما منه حرفًا، ولا لهما في أكثر المصنفات ذكر، وإن كان الشافعي متبعًا الحديث ومفتشًا على السن لكن بتقليد غيره، والاحتمال على رأي سواء، والاعتراف بالعجز عن معرفته، فقد كان يقول لابن مهدي وابن حنبل أنتما أعلم بالحديث، إذا لم يتبحر فيه أو في علم القرآن إذا لم يستقل به، يسأل هل لنازلته التي ينظر فيها أصل فيهما أم لا؟ ولا سبيل إلى إمامتهما (في الفقه) جملة، وللشافعي في تقرير الأصول وتمهيد القواعد وترتيب الأدلة والمآخذ وبسطه ذلك ما لم يسبقه إليه من قبله، وكان فيه عليه عيالًا، كل من جاء بعده مع التفنن
[ ١ / ٩٢ ]
في علم لسان العرب والقيام بالخبر والنسب، وكل ميسر لما خلق له.
كما أن أحمد وداود من العارفين بعلم الحديث ولا تنكر إمامة أحد منهما فيه لكن لا يسلم لهما الإمامة في الفقه ولا جودة النظر في مأخذه ولم يتكلما في نوازل كثيرة كلام غيرهما وميلهما مع المفهوم من الحديث.
لكن داود نهج إتباع الظاهر وبقي القياس فخالف السلف والخلف وما مضى عليه عمل الصحابة فمن بعدهم حتى قال بعض العلماء أن مذهبه بدعة ظهرت بعد المائتين وحتى أنكر عليه ذلك إسماعيل القاضي أشد إنكار، وإذا لم يقل بالقياس وهو أحد أركان الاجتهاد فيما يجتهد (فعلى م) فيما لم ينص عليه يعتمد، وليس تقصير من قصر منهج في فن بالذي يسقط رتبته عن الآخر ولكل واحد منهم من الفضائل والمناقب ما حشيت به الصحف ونقله السلف والخلف.
لكن نقص ركن من أركان الاجتهاد يخل به على كل حال والله ولي الإرشاد.
الاعتبار الثاني: الالتفات إلى مأخذ الجميع في فقهم، ونظرهم على الجملة في علمهم، إذ تخصيصه في آحاد النوازل وشعب الوقائع لا يدرك صوابه إلا المستقل بالعلم وتبين ذلك لغيره يطول، ولا يدرك إلا في أمد تنقضي فيه الأعمار وتمر السنون، وحسب المبتدئ أن يلوح له بتلويح يفهمه اللبيب ويقضي منه بترجيح مصيب، وهو أنا قد ذكرنا خصال الاجتهاد ثم مأخذه وترتيبه على ما يوجبه الفعل ويشهد له الشرع بتقديم كتاب الله على ترتيب وضوح أدلته من نصوصه ثم ظواهره ثم مفهوماته ثم كذلك بسنة رسول
[ ١ / ٩٣ ]
الله ﷺ على ترتيب متواترها ومشهودها، ثم ترتيب نصوصها وظواهرها ومفهومها على ما تقدم في الكتاب ثم الإجماع عند عدم الكتاب ومتواتر السنة.
وبعد ذلك عند عدم هذه الأصول القياس عليها والاستنباط منها إذ كتاب الله مقطوع به وكذلك ما تواتر من سنة نبيه وكذلك النص مقطوع به فوجب تقديم ذلك كله ثم الظواهر ثم المفهوم منها لدخول الاحتمال في معناها ثم أخبار الآحاد يجب العمل بها والرجوع عند عدم الكتاب والتواتر لها وهي مقدمة على القياس لإجماع الصحابة على الفعلين وتركهم في نظر أنفسهم متى بلغهم خبر ثقة عن النبي وامتثالهم مقتضاه دون خلال منهم في ذلك، آخرًا.
إذ إنما يلجأ إليه عند عدم هذه الأصول في النازلة فيستنبط من دليلها ويعتبر الأشياء بها على ما مضى عليه عمل الصحابة ومن بعدهم من السلف المرضيين وعلم من مذهبهم أجمعين، وأنت إذا نظرت لأول وهلة منازع هؤلاء الأئمة وتقررت مأخذهم في الفقه والاجتهاد في الشرع وجدت مالكًا رحمه الله تعالى ناهجًا في هذه الأصول منهاجا، مرتبًا لها مراتبها ومدارجها مقدمًا كتاب الله ومرتبًا له على الآثار، ثم مقدمًا على القياس والاعتبار، تاركًا منها لما لم يتحمله عنده الثقات العارفون بما تحملوه أو ما وجد الجمهور الجم الغفير من أهل المدينة قد عملوا بغيره وخالفوه.
ولا يلتفت إلى من تأول عليه بظنه في هذا الوجه، سوء التأويل وقوله ما لا يقوله بل يصرح أنه من الأباطيل.
ثم كان من وقوفه عن المشكلات وتحريه عن الكلام في المعوصات ما سلك به سبيل السلف الصالحين وكان يرجح الاتباع ويكره الابتداع والخروج عن سنن الماضيين، ثم سلك الشافعي سبيله وبسط مأخذه في الفقه وأصوله.
لكن خالفه في أشياء أداه إليه اجتهاده وثقوب فطنته ولم يخلصه من دركها عدم استقلاله بعلم الحديث والأثر، وتزحزحه عن الانتهاء في معرفته، ثم ما جرى بينه وبين بعض المالكية بمصر وحمله عليه حتى
[ ١ / ٩٤ ]
تميز عنهم بعد أن كان معدودًا فيهم وواحدًا من جملتهم، فبان بأصحابه وتلاميذه، وصرح حينئذ بالخلاف والرد على أكبر أسانيده كما سنذكر في أخباره بعد هذا إن شاء الله تعالى من قصته مع فتيان ابن أبي السمح، وتعصبه عليه وامتحان ذلك الآخر به ودخول التنافر بينه وبين جماعتهم منذ ذلك بسببه.
(فصل) وأما أبو حنيفة فإنه قال بتقديم القياس والاعتبار على السنن والآثار، فترك نصوص الأصول وتمسك بالمعقول وآثر الرأي والقياس والاستحسان، ثم
قدم الاستحسان على القياس فأبعد ما شاء.
وحد بعضهم استحسان أنه الميل إلى القول بغير حجة.
وهذا هو الهوى المذموم والشهوة والحدث في الدين والبدعة، حتى قال الشافعي من استحسن فقد شرع في الدين.
ولهذا ما خالفه صاحباه محمد وأبو يوسف في نحو ثلث مذهبه إذ وجدوا السنن تخالفهم تركها لما ذكرناه عن قصد لتغليبه القياس وتقديمه أو لم تبلغه ولم يعرفها إذ لم يكن من مثقف علومه وبها شنع المشنعون عليه وتهافت الجراء على دم البراء بالطعن إليه.
ثم ما تمسك به من السنن فغير مجمع عليه، وأحاديث ضعيفة ومتروكة وبسبب هذا تحزبت طائفة أهل الحديث على أهل الرأي وأساءوا فيهم القول والرأي.
قال أحمد بن حنبل ما زلنا نلعن أهل الرأي ويعلنوننا حتى جاء الشافعي فمزج بيننا يريد أنه تمسك بصحيح الآثار واستعملها، ثم أراهم أن من الرأي ما يحتاج إليه وتنبني أحكام الشرع عليه، وأنه قياس على أصولها ومنتزع منها.
وأراهم كيفية انتزاعها، والتعلق بعللها وتنبيهاتها.
فعلم أصحاب الحديث أن صحيح الرأي فرع الأصل، وعلم أصحاب الرأي أنه لا فرع إلا بعد الأصل،
[ ١ / ٩٥ ]
وأنه لا غنى عن تقديم السنن وصحيح الآثار أولًا.
ونحو هذا في هذا الفصل قول ابن وهب: الحديث مضلة إلا للعلماء.
ولولا مالك والليث لضللنا وأما أحمد وداود فإنهما سلكا إتباع الآثار، ونكبا عن طريق الاعتبار، ولكن داود غلا في ذلك فترك القياس جملة.
فأحدث هو وأصحابه من القول بالظاهر ما خالف فيه أئمة الأمة، فخانه التمسك برفع أدلة الشريعة وأعرض مما مضت عليه من الاجتهاد والاعتبار وسمى ما لم يجد فيه نصًا ظاهرًا عفوًا، وأطلق على بعضه الإباحة واضطربت أقوال أصحابه
في ذلك لضيق المسلك فيه، فتهافت مذهبه، واختل نظره، وجاء من أتباع الظاهر بمقالات يمج الكثير منها السمع وينكره.
وقال أحمد: الخبر الضعيف عندي خير من القياس، وبديهة العقل تنكر هذا.
فلا خير في بناء غير أساس، وهذا أكرمكم الله اعتبار في التفضيل نبيل، يدل المنصف على السالك منه نهج السبيل.
الاعتبار الثالث: يحتاج إلى تأمل شديد، وقلب سليم من التعصب شهيد، وهو الالتفاف إلى قواعد الشريعة ومجامعها، وفهم الحكمة المقصودة بها من شارعها.
فنقول: إن أحكام الشريعة وأوامر ونواهي تقتضي حثًا على قرب من محاسن، وزجرًا على مناكر وفواحش، وإباحة لما به مصالح هذا العالم وعمارة هذه الدار ببني آدم.
وأبواب الفقه وتراجم كتبه كلها دائرة على هذه الكلمات وسنشير إلى رموز في كلمات هذه القواعد لنبين للناظر من اتبع فيها معنى الشرع المراد أو خالف فنكب على السداد وحاد، وإن مالكًا
[ ١ / ٩٦ ]
في ذلك كله أهدى سبيلًا وأقوم قيلًا وأصح تفريعًا وتفصيلًا.
فنقول أول ما تكلم فيه من أبوابه الطهارة التي صرح صاحب الشرع بأنها شطر الإيمان وأمر الله تعالى بالطهارة من الحدث والخبث وخص ذلك بالماء بقوله: (ماء ليطهركم به) (وأنرلنا من السماء ماء طهورًا).
فأبو حنيفة الذي يرى إنها تجزي الطهارة من الحدث بالنبيذ المستنبذ في السفر عند عدم الماء مع حكم أكثر العلماء بنجاسة ما بلغ من الأنبذة هذا الحد وتجزي عنده من النجاسة بكل نبيذ مائع خل ومرير وعسل ولين وتجزي منها عنده وعند الشافعي في أحد قوليه بكل ماء مضاف ومتغير بالإضافة، ولو كان بقطران وما أشبهه ما لم يغلب على أجزائه ما أضافه.
أتراهما رأيا للفظ التطهير والتنظيف قدرًا وقد زاد العضو تلويثًا بذلك وقدرًا أم جعلا لتخصيص الماء حكمًا أو لوصفه بالتطهير معنى، كذلك اشترطه الشافعي وأحمد القلتين فيما تحل فيه النجاسة، وحديثها ليس بثابت وتقريرهما تخمين وحدس غير متفق ولا مستقر لهما قول عليه، وإنه إن نقص منهما كوز أثرت فيه النجاسة وحتى حلت نجاسة قليلة في كيزان كثيرة كانت كلها نجسة ما دامت متفرقة فإذا جمعت في بركة صارت طاهرة، وإنه إن غرف من ماء قدر قلتين بإناء نجس كان ما في الإناء طاهرًا وباقي القلتين نجس.
وسوة في هذا الباب كله عن مدرك الصواب، حتى قال عظيم من أصحابه اشتراط القلتين مثار لوسواس.
كذلك داود في اقتصاره في النهي عن البول في الماء الدائم على مجرد ظاهره فلا يفسده عنده ولا بواقع النهي إلا من بال فيه، وإن من بال
[ ١ / ٩٧ ]
في كوز وصبه فيه أو أحدث فيه أو بال بقربه فسال إليه بوله غير داخل في النهي عنده ولا مفسد للماء شيء من ذلك إلا بتغييره.
أليس يعلم على القطع إن هذا صد عن مراد الشارع وقطع كذلك، فهم من تخصيص بعض الأعضاء بالوضوء ما تقدم من معنى التنظيف والتحسين الذي هو معنى الوضوء.
إذ تلك الأعضاء من الوجه واليدين والرأس والرجلين هي الطهارة من ابن آدم غالبًا والتي تحتاج إلى التنظيف والتحسين أبدًا أما اليدان والرجلان فلما يعاني بها من الأعمال التي تعقب الأدناس والأوساخ وتلاقي من الأمور التي تنتج عنها الدرن والأقذار، وانظر من لا يهتبل بالوضوء والماء والطهارة من البوادي وأجلاف الأعراب واسوداد القذر بروائحه وبراجمه وتراكم الدنس الموالي جوفًا بكوعه ورسغه، وكذلك الوجه سمة ابن آدم ومحياه وصورته التي كرمه الله بها
وسيماه وهو نصب لفح الهواجر، ومثار نقع الأقدام والحوافر وفيه مسام تقذف بأوساخها من قذاء عين ومخاط أنف وبصاق فم، وكل يحتاج إلى تنظيف، فشرع بجميعها الغسل والتكرار.
ولما كان الرأس مستورًا غالبًا شرع فيه المسح اكتفاء بدهنه بالماء لأن الله شعثه ولأن غسله عند كل حدث مما يشق ويهلك، فهل وفى الشافعي بعبرة هذا الأصل إذا اكتفى بصب الماء عن الدلك وبالمسح على شعرات أو ثلاث من جميع الرأس؟ زأبو حنيفة في الاقتصار على الناصية؟ والثوري في الاقتصار على شعرة؟ ولا يعترض على ما مهدناه بكون التيمم بدلًا من الوضوء عند عدم الماء ولا تنظيف فيه ولا تحسين بل الضر من ذلك، فاعلم أن هذا السر عجيب في الشريعة لمن عدم الماء الطهور وهو متكرر وشاق في السفر وكانت الصلاة دونه مع تأدية
[ ١ / ٩٨ ]
فقد تركن إليها النفوس لحبها الدعة وخشية اتخاذها ذلك عادة، جعل اشرع التيمم تنبيهًا على أنها لا تستباح إلا بطهارة، ولتنقي النفس على استعمالها وشرع ما لا يعدم من وجه الأرض وخفف حاله في بعض الأعضاء وفي كل حكم والله الموفق.
وكذلك قال ﵊: إنما الأعمال بالنيات.
وأبو حنيفة والثوري يريان أ، الطهارة للصلاة تجزى بغير نية وهي مفتتح أجل القربات وفرق بينها وبين التيمم بغير حجة إلا بحيلات لا تقوم على قدم.
وسوى الأوزاعي في الجميع فلم يوجبها.
ترتقي إلى أجل القربات المقرونة بكلمتي التوحيد وهي الصلاة والزكاة وأبو حنيفة يجزي عنده من الصلاة أقل ما يجزي في كل مذهب وهي رياضة النفوس الجامة وصقالة القلوب الصدية ومظان الخشوع والمناجاة وسر العبودية المحضة ويرى التحيل في إسقاط الزكاة بعد وجوبها عند رأس الحول يبعدها عن ملكه ظاهرًا بما يوطئ عليه غيره، ليصرفها عليه بعد الحول، وهي طهارة الأموال ودليل صحة
ألإيمان كما قال ﵇: الصدقة برهان وسد خلة الضعفاء.
ونهى الشرع عن التحيل فيها بالتفريق والتجميع ونهى عن الخداع والخلابة فهل وفى القائل بها في هاتين القاعدتين فجهدها أو طابق عمله المعنى الموصوف له في الشرع وحكمها.
كذلك نهى عن شرب الخمر، وعلل ذلك بإيقاع العداوة أو البغضاء والصد عن ذكر الله وعن الصلاة، وقد فهمت الصحابة لأول ورود الآية المعنى فحملوه على العموم.
وقال النبي ﷺ كل مسكر حرام.
فمن فرق من الكوفيين بين نبيذ العنب ومطبوخه وسائر المسكرات أباحها ما لم تبلغ بشاربها
[ ١ / ٩٩ ]
عدم التمييز خالف الأصلين وخرج قاعدة الشرع في الفصلين، ثم ننظر في الفروج فنتيقن أن حكمة الله في تحصينها وضع أعظم الحدود وأشنعها لمؤثر السفاح على ما أبيح له منها بالنكاح، والملك على الوجوه التي قيدها الشرع لصلاح هذا الخلق وبقاء التمييز والمعارف لهذا النسل، فمن رأى أن الاستئجار على الزنى مسقط للحدود الموضوعة فيه، وأ، الزاني بأجرته للخدمة لا حد عليه، وكذلك اللائط بالذاكران وهو أفحش الفواحش لا حد فيه بل يعزر على قوله، وقول أهل الظاهر، فد ناقض موضوع الشرع وحل رباط هذا الأصل.
كذلك حرم الله الدماء والأعراض أشد التحريم وفرض على المعتدين فيها الحد والعذاب الأليم وحمى الأموال على أربابها إلا بحقها وحد القطع على سارقها والقتل على المحارب بسببها.
فهل قوله أيضًا بإسقاط الحد على سارق كل رطب من الأطعمة حتى لو بقيت قطرة عسل أو ماء في حب ذهب فسرقه سارق لم يقطع لأجلها.
وكذلك إسقاطه ذلك عن سارق كل ما أصله الإباحة من الجواهر الخطيرة
مستخرجات المعادن الثمينة وملتقطات البحر النفيسة وإسقاط القطع عن النباش عن أكفان الموتى فاتح غلق الصيانة للأموال ومسهل التوصل إلى التعدي على الكثير منها دون خوف كبير نكال لا سيما على مذهبه ومذهب داود في تخفيف التعزيز واقتصارهم من ذلك على الخفيف اليسير.
وكذلك قوله إن من تعدى على ثياب رجل فأفسدها أو شياهه فذبحها وطبخها، فقد صارت له أموالًا وملكها ولزمت ذمته لربها قيمتها على زعمه مع وجود عينها وإن كان عديمًا غير مراع - نهى الشرع عن العدوان والتمادي على اغتصاب الأموال وتسويغ إخراجها من أيدي أربابها دون أثمان ثم جعل الله في القصاص حياة وردعًا
[ ١ / ١٠٠ ]
للمعتدين.
فأبو حنيفة يقول إن من قتل الخلائق من غير محدد الحديد من التغريق والتحريق والتخنيق وسقي السم وغير ذلك من أنواع الاجتراء والظلم لا يقتص منه فقد اجتثت هذا الأصل وبسط أيدي المجرمين على أشنع ضروب القتل آمنين من القصاص على هذا الفعل.
كذلك الاعراض حصنت حصنتها وصينت حرمتها بحدود المفترين.
فالشافعي الذي لا يرى الحد بالتعريض المفهوم والحنفي يرى أن جماعة من الفساق المجاهرين عدد شهود الوفاء فأكثر لو جاء، ويجيء الشهادة مجالس الحكام، وصرحوا بقذف أفضل الأنام لم يلزمهم حد لمقامهم هذا المقام.
فهل يعجز كل فاسق جريء عن هتك عرض كل مسلم بريء بأنواع التعاريض القبيحة.
أو بأداء الشهادة مع أمثاله على رؤوس الملأ بالفواحش الصريحة، وهم يتوصلون وإن لم تقبل شهادتهم بأمانهم من الحد إلى تمزيق الأدم الصحيحة والإخفاء، بأن حكمة الله في منصب الحكم والقضاء، تحقيق الحق وإبطال الباطل بحكم الدلائل
الظاهرة، وقطع المنازعة والمشاجرة، وحكمهم بذلك ماض وبواطن الأمور إلى الله تعالى.
ومن خادع الله فإنما يخادع نفسه ومحال تغيير حكم البشر في الباطن، حكم الله وحكمته، وقد قال ﵇: لعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فمن قضيت له بشيء من حق أخيه فلا يأخذ منه شيئًا فإنما أقطع له قطعة من النار.
فأما أبو حنيفة الذي يرى أن القاضي بشهادة شهداء الزور في نكاح إمرأة وانتقال ملك يحلل للمشهود له الراشي لهم على الشهادة وطء ذلك الفرج وأكل ذلك المال سرًا أو علنًا ظاهرًا وباطنًا.
وهو يعلم تحريمه عليه وباطل نسبته إليه وكذلك قال فيمن غصب جارية وادعى أنها ماتت فحكم عليه
[ ١ / ١٠١ ]
بقيمتها ثم أظهرها أنها قد طابت وحلت له.
وكذلك لو تحيلت إمرأة عنده بشاهدي زور على طلاق زوجها فقضى بذلك القاضي حل لها غيره من الأزواج.
ولو كان أحد الشاهدين، فأين هذا وفقكم الله من المفهوم من مراد الشارع ومقصده بتغليظ الزجر لاستحلال الفروج بغير حقها، والمنع هل يتعذر على الفساق بهذا، الوصول إلى شهواتهم فيمن امتنع عليهم من المحصنات أو حضر عليهم من الشهوات فأسأل الله توفيقًا يعصم ولا يصم برحمته وهذا وفقكم الله خمس ترجيحات كلها توجب اليقين وتوضح الحق المبين، وترغم أناف المتعصبين، وحسب الناظر في هذا الاعتبار الأخير حسن التأمل أولًا وإجمال التأويل آخرًا.
فلم نر به التسبب لنقص أحد من الأئمة ولا التسلط على عرض سلف الأمة.
لا كنا عرفنا الحق وأهله، ولم ننكر مع ذلك لكل واحد تقدمه وفضله.
والسعيد من عدت عثراته ومن ذا الذي يعطي الكمال فيكمل.
ونحن بعد هذا نسرد أخبار مالك ﵀ وسيره وجملة تاريخه وأخباره بابًا بابًا
حسبما سبق الوعد به.
ونبدأ بالترتيب بذكر نسبه ثم نأتي بطبقات أصحابه تترى وبأعلام أهل مذهبه عصبة بعد أخرى والله المستعان على تحقيق ما أطلق على ألسنتنا من ذلك لا إله غيره.