هو أبو الفضل عياض بن موسى بن عياض بن عمرون، بن موسى بن عياض اليحصبي السبتي المالكي، واليحصبي، نسبة الى يحصب بن مدرك بن حمير، نزح أجداده إلى إفريقيا ونزلوا القيروان، وذهب بعضهم إلى الأندلس، واستقروا بجهة بسطة ثم نزلوا الى فاس وسبتة بالمغرب. ولد عياض بسبتة سنة ٤٧٦ وتوفي سنة ٥٤٤ - ١١٤٩. تعلم في صباه بسبتة على القاضي أبي عبد الله بن عيسى، والفقيه أبي إسحاق بن الفاسي، ثم رحل الى الأندلس سنة ٥٠٧ وأخذ عن أعلامها كابن عتاب وابن الحاج وأبي الوليد بن رشد، وأبي الحسين بن سراج وأبي القاسم بن النحاس، وابن السيد عبد الله بن محمد البطليوسي. وبالمشرق عن أبي علي الصدفي، وكان لما رحل إليه عياض وجده قد اختفى لنبذه خطة القضاء من غير أن يعفى، ووجد الرحالين إليه قد نفذت نفقات بعضهم، ومنهم من ابتدأ كتابًا لم يتمه، فأخذ أكثرهم في الرجوع الى مواطنهم وتربص بعضهم، فمكث عياض شهرين لا يقع له على خبر سوى الظن بكونه هناك. وقابل أثناء انتظاره هذا، ما كان قد بلغه من كتبه بأصولها، وكتب منها ما أراد على يد خاصة من أهله، ولا يبعد أن يكون ذلك بأمره. ولقد شافهه بعد خروجه بما معناه: إنه لو طال تغيبه لأشعره بالترحال إلى موضع لا يوجد به، لكونه الاختيار عليه
[ ١ / ١٨ ]
فيجد ما يرغب فيه من سماعاته حتى يبلغ غرضه لما وقع في نفسه من اخفاق رغبته وتعطيل رحلته فشكره على ذلك، وسمع عليه الصحيحين والمؤتلف والمختلف، ومشتبه النسبة لعبد الغني بن سعيد الأزدي القدمي المتوفى سنة ٤٠٩ وكتاب الشهاب في المواعظ والآداب في علم الحديث للقضاعي المصري المتوفى سنة ٤٥٤، وأجاز له جميع مروياته، ولقي في رحلته هذه أعلام الأندلس المهاجرين إلى المشرق فاجازوا له تأليفهم ومروياتهم، وكذلك علماء المشرق فكان منهم: أبو علي الغساني، وأبو عبد الله الخولاني، وأبو بكر الطرطوشي وأبو الطاهر السلفي. ثم عاد إلى سبتة وجلس للتدريس، وكتب إليه أثناءها من المشرق أبو نصر النهاوندي يستجيزه، وأبو عبد الله المازري من المهدية أيضًا، وكتب هو يستجيز الزمخشري وقد انقطع إلى العبادة وترك الدنيا فرفض أن يجيزه، فقال الحمد لله الذي لم يجعل لصاحب بدعة علي يدًا. وفي سنة ٥١٥ ولي قضاء سبتة، فسار فيها أحسن سيرة، محمود الطريقة، مشكور الحالة، أقام الحدود على ضروبها واختلاف أنواعها، وأنشأ رباطًا للعباد في جبل المنيا، كما زاد في بناء جامع سبتة، وطار صيته فاستدعاه تاشفين إلى غرناطة واسند له قضاءها، فسار فيها أحسن سيرة لا تأخذه في الحكم بالعدل لومة لائم، وضرب على أيدي العابثين من المقربين إلى السلطان، فاشتكوا منه إلى تاشفين، وكثر المتذمرون عنده ممن أصيبوا في نفوذهم من أهل الباطل، فضاق به ذرعًا وأقاله من منصبه، فرجع إلى سبتة وتولى قضاءها ثانية، وذلك سنة ٥٣٩، فسار سيرته المعهودة، وفرح به أهل بلده وبعد صيته، وقصده كثير من طلبة العلم يأخذون عنه سواء عندما كان بالأندلس أو عندما رجع إلى سبتة، ومن أشهر تلاميذه الاندلسيين أبو جعفر احمد بن عبد الرحمن بن مضاء اللخمي. قال ابن بشكوال في الصلة: قدم الأندلس طالبًا للعلم، فأخذ بقرطبة عن القاضي أبي عبد الله محمد بن علي بن حمدين وأبي الحسين بن سراج بن عبد الملك ابن سراج، وعن شيخنا أبي محمد بن عتاب وغيرهم، واجاز له أبو علي
[ ١ / ١٩ ]
الغساني ما رواه، وأخذ عن القاضي أبي علي حسين بن محمد الصدفي وعن غيره، وعني بلقاء الشيوخ والأخذ عنهم، وجمع من الحديث كثيرًا، وله عناية كبيرة به، واهتمام بجمعه وتقييده، وهو من أهل التفنن في العلم والذكاء واليقظة والفهم. واستقضي ببلده مدة طويلة حمدت سيرته فيها، ثم نقل عنها الى قضاء غرناطه فلم يطل أمده بها، وقدم علينا قرطبة في ربيع الآخر سنة احدى وثلاثين وخمسمائة فأخذنا عنه بعض ما عنده.
ثم كتب إلى القاضي أبو الفضل بخطه، يذكر أنه ولد في منتصف شعبان من سنة ست وسبعين وأربعمائة، وتوفى ﵀ بمراكش مغربًا عن وطنه وسط سنة أربع وأربعين وخمسمائة. وقال الذهبي في تذكرة الحفاظ (^١): الحافظ عالم المغرب، صنف التصانيف التي سارت بها الركبان.
وقال ابن الآبار في معجم أصحاب الصدفي: وكان لا يدرك شأوه ولا يبلغ مداه في العناية بصناعة الحديث وتقييد الآثار وخدمة العلم مع حسن التفنن والتصرف الكامل في فهم معانيه الى اضطلاعه بالأدب وتحققه بالنظم والنثر ومهارته بالفقه، وبالجملة فكان جمال العصر ومعجز الافق وينبوع المعرفة ومعدن الافادة، واذا عدت رجالات المغرب فضلًا عن الاندلس حسن فيهم صدرًا.
وقال أبو عبد الله محمد الأمين الصحراوي نزيل مراكش في كتابه المجد الطارف والتالد: مقام عياض مثل مقام البخاري والأئمة الأربعة، فهم حملة الشريعة وعلومهم التي يبثونها في صدور الرجال بالتلقين والتأليف … دبوا عن الشريعة بسيوف علومهم فبقيت علومهم خالدة تالدة الى الأبد، وكم من ولي الله كان معهم وبعدهم بكثير، كان لهم تلاميذ وأوراد وانقطعت تلك الأوراد وباد المريدون بمرور الازمان، وأئمة العلم لا زالوا بعلومهم كأنهم أحياء، وكل من استفاد مسألة علمية فهم أشياخه الى يوم القيامة.
_________________
(١) النشرة الثالثة ج ٤، ١٣٠٤.
[ ١ / ٢٠ ]
وانظروا الى عياض، فلا تأليف معتبرًا من تواليف أهل الحديث ولا أصحاب السير والفقهاء إلا وجدته مشحونًا بكلامه … ولا يضر منصبه كون صاحب التشوف (^١) لم يذكره في رجال التصوف مع أنه أقدم وفاة من جميع من ذكر فيه، ووجه العذر أنه التزم فيه ذكر الزهاد دون العباد، أي الذين انقطعوا لذلك. وقال ابن صعد في النجم الثاقب: كان عمدة أولياء الله في البلاد المغربية، وممن أجمع على فضله وعلمه علماء الفقه وأكابر الصوفية. وقال ابن العماد (^٢) فيه: أبو الفضل القاضي عياض بن موسى ابن عياض العلامة اليحصبي السبتي المالكي الحافظ، أحد الاعلام، ولد سنة ست وسبعين وأربعمائة وأجاز له أبو علي الغساني وأبو محمد بن عتاب وطبقتهما، ولي قضاء سبتة مدة ثم قضاء غرناطة وصنف التصانيف البديعة وسمع من أبي علي بن سكرة وغيره، ومن مصنفاته الشفاء الذي لم يسبق الى مثله، ومنها مشارق الانوار في غريب الصحيحين والموطأ، وكان امام وقته في علوم شتى مفرطًا في الذكاء.
وبالجملة فانه كان عديم النظير حسنة من حسنات الايام، شديد التعصب للسنة والتمسك بها، حتى أمر باحراق كتب الغزالي لأمر توهمه منها.
وقد ترجم له الشيخ قاسم النواوري في سمط اللآليء (^٣): ترجمة جامعة وافية تختصر منها ما يلي: هو ابو الفضل عياض بن موسى بن عياض … استقر اجداده في القديم بالاندلس جهة بسطة. ثم انتقلوا الى مدينة فاس ثم الى سبتة، نقلته من خط ابنه الفقيه ابو عبد الله محمد بن عياض. توفى عياض ﵀ ليلة الجمعة نصف الليل التاسعة من جمادى الآخرة سنة أربع وأربعين وخمسمائة، ودفن بمراكش في باب ايلان من داخل السور رحمة الله.
_________________
(١) الكلاباذي.
(٢) شذرات الذهب ج ٤ ص ١٣٨ ط القاهرة ١٣٥٠.
(٣) ورقة ١٠ وما بعدها مخطوط الأحمدية تونس.
[ ١ / ٢١ ]
ومغفرته عليه. قال في بديعة البيان لليحصبي، بعد ذكر نسبه: كان حافظًا علامة مفيدًا للطلاب متفننًا للعلوم كالحديث والفقه والنحو واللغة والآداب وأيام العرب والمعاني والبيان والتواريخ والأنساب. ومن مصنفاته: كتاب الشفا، وترتيب المدارك في أربع مجلدات كبار وكتاب جامع التواريخ وكتاب مشارق الأنوار. والإكمال في شرح كتاب مسلم.
ويذكر صاحب السمط أن عبد الوهاب الشعراني ترجم للقاضي عياض في كتابه لواقح الأنوار في طبقات الأخيار، قال وأحرقوا كتاب الإحياء بالأندلس. ثم نصره الله عليهم وكتبوه بماء الذهب … وكان من جملة من أنكر على الغزالي وأفتى بتحريق كتابه: القاضي عياض، فمات فجأة في الحمام يوم الدعاء عليه.
وقيل، إن المهدي هو الذي أمر بقتله في الحمام بعد أن ادعى عليه أهل بلده أنه لا يخرج يوم السبت. وقيل قتله لأجل دعوة الغزالي.
ويرد على هذا الرأي الشيخ مرتضى في شرحه على الإحياء (^١) بقوله: وعندي في قوله (أي الشعراني) توقف. فإن القاضي مات في رمضان أو في جمادى الآخرة سنة ٥٤٤. مع أن الإمام الغزالي توفي سنة ٥٠٥.
وفي كتاب الأنيس المطرب بروض القرطاس، في أخبار ملوك المغرب وتاريخ مدينة فاس لأبي محمد صالح بن عبد الحليم في وقائع ثلاث وأربعين وخمسمائة. فثار أهل سبتة على الموحدين بعد أن بايعوهم ومكنوهم من المدينة، وكان قيامهم عليهم، بدأ في قاضيهم عياض بن موسى فقاتلوا من بها من الموحدين وعمالهم، وحرقوهم بالنار، وركب عياض البحر إلى ابن غانية بالبيعة وطلب منه واليًا، فأرسل معه الصحراوي فدخلها وأقام بها واليًا، فلما سمعت بنو غواطة بخروج عبد المؤمن إليهم كتبوا إلى الصحراوي والي
_________________
(١) شرح الإحياء لمرتضى ١ - ص ٢٧ مصر ط حجرية بدون تاريخ. ثم يزيد: إن الذي كان يقع في كتاب الإحياء إنما هو الشيخ الصوفي ابن حرزهم.
[ ١ / ٢٢ ]
سبتة ينتصرون به، فأتاهم فبايعوه واجتمعوا عليه، وقاتلوا عبد المؤمن وهزموه، ثم كانت له الكرة عليهم، وهرب الصحراوي ثم أرسل يطلب الأمان من عبد المؤمن، فأمنه، فأتاه وبايعه وحسنت طاعته. فلما رأى ذلك أهل سبتة سقط في أيديهم وندموا على صنعهم وكتبوا ببيعتهم إلى عبد المؤمن فأتاه بها أشياخ المدينة وطلبتها تائبين فعفا عنهم، وأمر القاضي عياض بسكنى مراكش وأمر بهدم سور مدينة سبتة، فهدم. واجتمع القاضي ليلة بعبد المؤمن فوجده قد تغير عليه فاستعطفه بالمنظوم والمنثور حتى رق له، وعفا عنه، فلازم مجلسه إلى أن رده إلى حضرة مراكش بعد انصرافه عن القضاء (أي بمراكش) واحتال عبد المؤمن لقتله بعد أن ادعى عليه باليهودية، وأنه لا يخرج للناس يوم السبت لاشتغاله بإعداد كتاب الشفاء وقد قتله خنقًا في الحمام يوم الجمعة السابع من جمادى الآخرة سنة أربع وأربعين وخمسمائة، ورمي به في مكان ينزه قدره عنه، واستخرجه ابن البنا بعد أربعين سنة فوجده لم يتغير كفنه ولا جسده ودفنه في المكان المعروف بباب إيلان داخل السور بمراكش.
ولكن القاضي كان معروفًا بميله للدولة المرابطية وهو الذي قاد الثورة على الموحدين في سبتة كما مر، فلا يبعد أن يكون هذان العاملان هما اللذان سببا قتله. وما ادعي عليه باليهودية فهي أقوال الغوغاء العاملة في ركاب الموحدين إذاك، وكما قالوا: إن الملوك إذا حقدن فإن غوائلهم لا تؤمن.
وقد خلف القاضي عائلة علمية من أبنائه وأحفاده منهم: ابنه محمد وابنه عياض بن محمد وابنه محمد بن عياض بن محمد ابن القاضي أبي الفضل عياض اليحصبي. ترجم لهم ابن فرحون وكانت لهم مكانة علمية مرموقة إلا أن سمعة أبيهم عياض قد أحجبتهم ولم يصلوا في الواقع إلى ما وصل إليه أبوهم (^١).
_________________
(١) الديباج ١٧٢، ٢٨٩ والشجرة الزكية للقاضي مخلوف ص ١٥٩ - ١٧٩.
[ ١ / ٢٣ ]