اعلموا أكرمكم الله أن جميع أرباب المذاهب من الفقهاء والمتكلمين وأصحاب الأثر والنظر إلب واحد على أصحابنا على هذه المسألة مخطئون لما فيها بزعمهم، محتجون علينا بما سنح لهم حتى تجاوز بعضهم حد التعصب والتشنيع إلى الطعن في المدينة وعد مثالبها وهم يتكلمون في غير موضع خلاف، فمنهم لم يتصور المسألة ولا تحقق مذهبنا فتكلموا فيها على تخمين وحدس، ومنهم من أخذ الكلام فيها ممن لم يحققه عنا، ومنهم من أطالها وأضاف إلينا ما لا نقوله فيها، كما فعل الصيرفي والمحاملي والغزالي، فأوردوا
[ ١ / ٦٧ ]
عنا في المسألة ما لا نقوله واحتجوا علينا بما يحتج به على الطاعنين على الإجماع وها أنا أفصل الكلام فيها تفصيلًا لا يجد المنصف إلى جحده بعد تحقيقه سبيلًا وأبين موضع الاتفاق فيه والخلاف إن شاء الله تعالى.
فاعلموا أن إجماع أهل المدينة على ضربين، ضرب من طريق النقل والحكاية الذي تؤثره الكافة عن الكافة وعملت به عملًا لا يخفى ونقله الجمهور عن الجمهور عن زمن النبي ﷺ، وهذا الضرب منقسم على أربعة أنواع، أولها ما نقل شرعًا من جهة النبي ﷺ من قول كالصاع والمد، وانه ﵊ كان يأخذ منهم بذلك صدقاتهم وفطرتهم، وكالأذان والإقامة وترك الجهر بـ (بسم الله الرحمن الرحيم) في الصلاة والوقوف (والأحباس) فنقلهم لهذه الأمور من قوله وفعله كنقلهم موضع قبره ومسجده ومنبره ومدينته وغير ذلك مما علم ضرورة من أحواله وسيره وصفة صلاته من عدد ركعاتها وسجداتها وأشباه هذا، أو نقل إقراره ﵇ لما شاهده منهم ولم ينقل عنه إنكاره كنقل عهده الرقيق وشبه ذلك، أو نقل تركه
لأمور وأحكام لم يلزمهم إياها مع شهرتها لديهم وظهورها فيهم كتركه أخذ الزكاة من الخضروات مع علمه ﵇ بكونها عندهم كثيرة، فهذا النوع من إجماعهم في هذه الوجوه حجة يلزم المصير إليه ويترك ما خالفه من خبر واحد أو قياس، فإن هذا النقل محقق معلوم موجب للعلم القطعي فلا يترك لما توجبه غلبة الظنون، وإلى هذا رجع أبو يوسف وغيره من المخالفين ممن ناظر مالكًا وغيره من أهل المدينة في مسألة الأوقاف والمد والصاع حين شاهد هذا النقل وتحققه، ولا يجب لمنصف أن ينكر الحجة هذا، وهذا الذي
[ ١ / ٦٨ ]
تكلم عليه مالك عن أكثر شيوخنا ولا خلاف في صحة هذا الطريق، وكونه حجة عند العقلاء وتبليغه العلم يدرك ضرورة، وإنما خالف في تلك المسائل من غير أهل المدينة من لم يبلغه النقل الذي بها.
قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب ولا خلاف بين أصحابنا في هذا ووافق عليه الصيرفي وغيره من أصحاب الشافعي كما حكاه الآمدي، وقد خالف بعض الشافعية عنادًا، ولا راحة للمخالف في قوله أن ما هذا سبيله فهم وغيرهم من اهل الآفاق من البصرة والكوفة ومكة سواء إذ قد نزل هذه البلاد وكان بها جماعة من الصحابة ونقلت السنن عنهم والخبر المتواتر من أي وجه ورد لزم المصير إليه ووقع العلم به، فصارت الحجة في النقل فلم تختص المدينة بذلك وسقطت المسألة في حق غيرهم لكن لا يوجد مثل هذا النقل كذلك عند غيرهم فإن شرط نقل التواتر تساوي طرفيه ووسطه وهذا موجود في أهل المدينة ونقلهم الجماعة عن الجماعة عن النبي ﷺ أو العمل في عصره وإنما ينقل أهل البلاد غيرها عن جماعتهم حتى يرجعوا إلى الواحد أو الاثنين من الصحابة فرجعت المسألة إلى خبر الآحاد وبالحري أن تفرض المسألة في عمل أهل مكة في الآذان ونقلهم المتواتر عن الآذان بين يدي النبي ﵇ بها، لكن يعارض هذا آخر
من رسول الله ﷺ والذي مات عليه بالمدينة، ولهذا قال مالك لمن ناظره في المسألة ما أدري أذان يوم ولا ليلة هذا مسجد رسول الله ﷺ يؤذن فيه من عهده ولم يحفظ عن أحد إنكاره على مؤذن فيه.
النوع الثاني: إجماعهم على عمل من طريق الاجتهاد والاستدلال، فهذا
[ ١ / ٦٩ ]
النوع اختلف فيه أصحابنا فذهب معظمهم إلى أنه ليس بحجة ولا فيه ترجيح وهذا قول كبراء البغداديين منهم ابن بكير وأبو يعقوب الرازي وأبو الحسن بن المنتاب، وأبو العباس الطيالسي، وأبو الفرج، والقاضي أبو بكر الأبهري وأبو التمام، وأبو الحسن بن القصار.
قالوا لأنهم بعض الأمة والحجة إنما هي لمجموعها، وهو قول المخالفين أجمع.
ولهذا ذهب القاضي أبو بكر ابن الخطيب وغيره، أنكر هؤلاء أن يكون مالك يقول هذا أو أن يكون مذهبه ولا الأئمة أصحابه، وذهب بعضهم إلى أنه ليس بحجة، ولكن يرجح به على اجتهاد غيرهم، وهو قول جماعة من متفقيهم وبه قال بعض الشافعية ولم يرتضه القاضي أبو بكر ولا محققو أيمتنا وغيرهم، وذهب بعض المالكية إلى إن هذا النوع حجة كالنوع الأول وحكوه عن مالك.
قال القاضي أبو نصر: وعليه يدل كلام أحمد بن المعذل وأبي معصب وإليه ذهب القاضي أبو الحسين بن أبي عمر من البغداديين، وجماعة من المغاربة من أصحابنا ورآه مقدمًا على خبر الواحد والقياس، وأطبق المخالفون أنه مذهب مالك ولا يصح عنه كذا مطلقًا.
قال القاضي أبو الفضل رحمه الله تعالى: ولا يخلو عمل أهل المدينة مع أخبار الآحاد من ثلاثة وجوه: أما أن يكون مطابقًا لها، فهذا أأكد في صحتها إن كان من طريق النقل، وترجيحه إن كان من طريق الاجتهاد بلا خلاف في هذا إذ لا يعارضه هنا إلا اجتهاد آخرين وقياسهم، عند من يقدم القياس على خبر الواحد،
وإن كان مطابقًا لخبر يعارضه خبر آخر كان عملهم مرجحًا لخبرهم وهو أقوى ما ترجح به الأخبار إذا تعارضت، وإليه ذهب
[ ١ / ٧٠ ]
الأستاذ أبو إسحاق الاسفراييني ومن تابعه من المحققين من الأصوليين والفقهاء من المالكية وغيرهم، وإن كان مخالفًا للأخبار جملة فإن كان إجماعهم من طريق النقل ترك له الخبر بغير خلاف عندنا في ذلك، وعند المحققين من غيرنا على ما تقدم، ولا يجب عند التحقيق تصور خلاف في هذا ولا التفات إليه، إذ لا يترك القطع واليقين لغلبات الظنون، وما عليه الاتفاق لما فيه الخلاف كما ظهر هذا للمخالف المنصف فرجع، وهذه نكتة مسألة الصاع والمد والوقوف وزكاة الخضروات وغيرها، وإن كان إجماعهم اجتهادًا أقدم خبر الواحد عليه عند الجمهور، وفيه خلاف كما تقدم من أصحابنا، فأما إن لم يكن لهم عمل بخلافه ولا وفاق فقد سقطت المسألة ووجب الرجوع إلى خبر الواحد كان من نقلهم أو من نقل غيرهم إذا صح ولم يعارض، فإن عارض هذا الخبر الذي نقلوه خبر آخر نقله غيرهم من أهل الآفاق كان ما نقلوه مرجحًا عند الأستاذ أبي إسحاق وغيره من المحققين لزيادة قرب مشاهدتهم قرائن الأحوال وتعددهم لنقل آثار الرسول ﵇ وإنهم الجم الغفير عن الجم الغفير عنه.
وكثر تحريف المخالف فيما نقل عن مالك من ذلك سوى ما قدمناه فحكى أبو بكر الصيرفي وأبو حامد الغزالي أن مالكًا يقول لا يعتبر إلا بإجماع أهل المدينة دون غيره وهذا ما لا يقوله هو ولا أحد من أصحابه، وحكى بعض الأصوليين أن مالكًا يرى إجماع الفقهاء السبعة بالمدينة إجماعًا، ووجه قوله بأنه لعله كانوا عنده أهل الاجتهاد في ذلك الوقت دون غيرهم وهذا ما لم يقله مالك ولا روي عنه، وحكى بعضهم عنا إنا لا نقبل من الأخبار إلا ما صححه عمل أهل المدينة وهذا جهل أو كذب لم يفرقوا بين قولنا برد الخبر الذي في مقابله عملهم وبين من لا يقبل منه
[ ١ / ٧١ ]
إلا ما وافقه عملهم.
فإن احتجوا علينا في هذا الفصل برد مالك حديث البيعين بالخيار الذي رواه هو وأهل المدينة بأصح أسانيدهم، وقول مالك في هذا الحديث بعد ذكره له في موطئه، وليس لهذا عندنا حد محدود ولا أمر معمول به، وهذه المعارضة أعظم تهاويلهم وأشنع تشانيعهم قالوا هذا رد للخبر الصحيح إذ لم يجد عليه عمل أهل المدينة حتى قد أنكره عليه أهل المدينة وقال ابن أبي ذئب فيه كلاماَ شديدًا معروفًا فالجواب أنه إنما أوتيت بسوء التأويل.
فإن قول مالك هذا ليس مراده به رد البيعين بالخيار، وإنما أراد بقوله ما قال في بقية الحديث وهذا قوله إلا بيع الخيار، فأخبر أن بيع الخيار ليس له حد عندهم، ولا يتعدى إلا قدر ما نختبر فيه السلعة وذلك يختلف باختلاف المبيعات، فيرجع فيه إلى الاجتهاد والعوائد في البلاد وأحوال المبيع.
وما يراد بهذا فسر قوله أيمتنا ﵏ وإنما ترك العمل بالحديث لغير هذا بل تأول التفرق فيه بالقول وعقد البيع وإن الخيار لهما ما داما متراوضين، ومتساويين.
وهذا هو المعنى المفهوم من المتفاعلين وهما المتكلفان للأمر، الساعيان فيه.
وهذا يدل أنه قبل تمامه، ويعضده قوله لا يبيع أحدكم على بيع أخيه، وهذا أيضًا في لمتساويين.
فقد سماه بيعًا قبل تمامه وانعقاده، وقال بعض أصحابنا: الحديث منسوخ بقوله في الحديث الآخر إذا اختلف المتبايعان، فالقول ما قال البائع.
ويترادان ولو كان لهما الخيار لما احتاجا إلى تحالف وتخاصم، وقد يكون قول مالك على طريق الترجيح لأحد الخبرين بمساعدة عمل أهل المدينة.
لما خالفه كما تقدم وقد قال بحديث البيعان بالخيار والعمل به كثير، من أصحابنا: ابن حبيب.
ومما ذكره المخالفون عن مالك أنه يقول أن المؤمنين الذين أمر الله تعالى
[ ١ / ٧٢ ]
بإتباعهم هم أهل المدينة ومالك لا يقول هذا.
وكيف يقوله وهو يرى أن الإجماع حجة ومما عارض به المخالف أن قالوا إذا سلمنا باب النقل الذي ذكرتم فما فائدة الإجماع والعمل؟ ومتى حصل النقل عن جماعة يحصل العلم بخبرهم وجب الرجوع إليه وإن خالفهم غيرهم فما فائدة ذكرهم الإجماع مع الاتفاق على هذا؟ فالجواب أنا نقول: إذا نقل البعض فلا يخلو الباقون أن يؤثر عنهم خلاف أو لا يؤثر، فإن لم يؤثر فهو ما أردناه، وإن علم الخلاف فإن كان من القليل لم يلتفت إليه ولم يقدح مخالفة القليل في الإجماع النقلي، وقد اختلف في مخالفة القليل فالإجماع الإجماع على ما قرره أرباب الأصول الذي شرطه في التحقيق أطباق ملأ المجتهدين.
وأما النقل فإنما يحتاج فيه عدد يوجب لنا العلم فإذا خالف فيه القليل نسب إليه الغلط والوهم إذ القطع نقل، التواتر وصحته يبطل خلافه، وأما إن كان الخلاف من جماعة آخرين وجمهور ثان متواتر أيضًا فقد قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب هذا نقل متعارض لا يكون حجة وليست مسألتنا.
قال القاضي أبو الفضل رضي الله تعالى عنه: وعندي أن تصور هذه النازلة يستحيل إذ نقل المتواتر موجب للعلم الضروري إذا جاء على شروطه ولا يصح أن يعارضه تواتر آخر لأنه يقضي أن أحدهما باطل محال، وهذا مما لا يصححه العقل ولا يصح كونهما جميعًا حقًا، ولا كونهما جميعًا باطلا، فسقط السؤال كرة.
إلا أن يكون النقل المتواتر المتعارض في نازلتين معينتين أن حالين مختلفين أو وقتيين متغايرين فيحكم فيهما بحكم الدليلين الصحيحين المتعارضين، وينظر إلى الجمع بينهما إن أمكن، وقصر كل واحد على نازلته وبابه أو الرجوع إلى التاريخ والحكم بالنسخ وغير ذلك من الحكم في
[ ١ / ٧٣ ]
التعارض والترجيح، وموضع بسطه
أصول الفقه، قالوا فإذا تقرر ما بسطتموه رجع إلى نقلهم وتواتر خبرهم وعملهم، وبه الحجة، فما معنى تسميتهم إجماعًا؟ قلنا: معناه إضافة النقل والعمل إلى الجميع من حيث لم ينقل أحد منهم ولا عمل بما يخالفه، فإن قيل فقد حلتم المسألة وصرتم من إجماع إلى إجماع على نقل بقول أو عمل، فالجواب: إن موجب الكلام لنا في هذه المسألة مخالفة العراقيين وغيرهم لنا في مسائل طريقا النقل والعمل المستفيض اعتمدوا فيها على أخبار آحاد واحتج أصحابنا بنقل أهل المدينة وعملهم المجمع عليه المتواتر على تلك الأخبار لما قدمناه.
فإن قالوا فقد قال الله تعالى (فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول) وهذا رد إلى غير الرسول إذ تقرر عندنا بالنقل المتواتر إن ذلك العمل هو سنة رسول الله ﷺ وعمله وإقراره.
قال القاضي أبو الفضل رضي الله تعالى عنه فأما قول من قال من أصحابنا أن إجماعهم من طريق الاجتهاد حجة فحجته، ما لهم من فضل الصحبة والمخالطة والملابسة والمساءلة ومشاهدة الأسباب والقرائن، ولكل هذا فضل ومزية في قوة الاجتهاد، وقد قال أصحابنا ومخالفونا: إن تفسير الصحابي الراوي لأحد محتملي الخبر أولى من تفسير غيره وحجة يترك لها تفسير من خالفه لمشاهدة الرسول وسماعه ذلك الحديث منه وفهمه من حاله ومخرج ألفاظه وأسباب قضيته ما يكون له به من العلم بمراده ما ليس عند غيره فرجع تفسيره لذلك فكذلك إجماع أهل المدينة بهذا السبيل واجتهادهم مقدم على غيره فمن نأت داره ولم يبلغه إلا مجرد خبر معرى من قرائنه سليب من أسباب
[ ١ / ٧٤ ]