قال عبد الرحمان العمري: قال لي مالك ربما وردت علي المسألة تمنعني من الطعام والشراب والنوم فقلت يا أبا عبد الله ما كلامك عند الناس إلا كنقش في حجر، ما تقول شيئًا إلا تلقوه منك.
قال فمن أحق أن يكون كذا إلا من كان هكذا.
فرأيت في النوم قائلًا يقول مالك معصوم قال ابن القاسم: سمعت مالكًا يقول إني لأفكر في مسألة منذ بضع عشرة سنة فما اتفق لي فيها رأي إلى الآن.
قال ابن مهدي: سمعت مالكًا يول: ربما وردت علي المسألة فأسهر فيها عامة ليلي.
قال ابن عبد الحكم: كان مالك إذا سئل عن المسألة قال للسائل انصرف حتى أنظر فيها.
فينصرف ويتردد فيها.
فقلنا له في ذلك، فبكى وقال: إني أخاف أن يكون لي من السائل يوم وأي يوم.
قال وزاده كان مالك إذا جلس نكس رأسه ويحرك شفتيه بذكر الله ولم يلتفت يمينًا ولا شمالًا، وزاده، فإذا سئل عن مسألة تغير لونه وكان أحمر بصفرة فيصفر وينكس رأسه ويحرك شفتيه.
ثم يقول ما شاء الله ولا قوة إلا بالله، فربما يسأل عن خمسين مسألة فلا يجيب منها في واحدة.
وقال بعضهم لكأنما مالك والله إذا سئل عن مسألة فليعرض نفسه قبل أن يجيب على الجنة والنار، وكيف يكون خلاصه في الآخرة، ثم يجيب فليعرض نفسه قبل أن يجيب على الجنة والنار، وكيف يكون خلاصه في الآخرة، ثم يجيب.
وقال: ما شيء أشد علي
[ ١ / ١٤٤ ]
من أن أسأل عن مسألة من الحلال والحرام، كأن هذا هو القطع في حكم الله ولقد أدركت أهل العلم والفقه ببلدنا وإن أحدهم إذا سئل عن مسألة كأن الموت أشرف عليه.
ورأيت أهل زماننا هذا يشتهون الكلام فيه والفتيا، ولو وقفوا على ما يصيرون إليه غدًا لقللوا من هذا، وإن عمر بن الخطاب وعليًا وعلقمة خيار الصحابة كانت تتردد عليهم المسائل وهم خير القرون الذي بعث فيهم النبي ﷺ وكانوا يجمعون أصحاب النبي ﷺ ويسألون حينئذ ثم يفتون فيها، وأهل زماننا هذا قد صار فخرهم الفتيا فبقدر ذلك يفتح لهم من العلم.
قال: ولم يكن من أمر الناس ولا من مضى ولا من سلفنا الذين يقتدى بهم ويعول الإسلام عليهم أن يقولوا هذا حلال وهذا حرام، ولكن يقول أنا أكره كذا وأحب كذا.
وأما حلال وحرام فهذا الافتراء على الله، أما سمعت قول الله تعالى: قل أرأيتم ما
أنزل الله لكم من رزق. . . الآية.
لأن الحلال ما أحله الله ورسوله، والحرام ما حرماه.
قال موسى بن داوود: ما رأيت أحدًا من العلماء أكثر أن يقول: ما أحسن من مالك.
وربما سمعته يقول ليس هذا ببلدنا.
قال مروان بن محمد: كنت أرى مالكًا يقول لرجل يسأله اذهب حتى أنظر في أمرك فقلت إن الفقه من بابه وما رفعه الله إلا بالتقوى.
قال سحنون قال مالك يومًا: اليوم لي عشرون سنة أتفكر في هذه المسألة.
قال ابن مهدي: سأل رجل مالكًا عن مسألة وذكر أنه أرسل فيها من مسير ستة أشهر من المغرب.
فقال له أخبر الذي أرسلك أنه لا علم لي بها.
قال ومن يعلمها؟ قال من علمه الله.
وسأله رجل عن مسألة استودعه
[ ١ / ١٤٥ ]
إياها أهل المغرب فقال ما أدري ما ابتلينا بهذه المسألة في لدنا ولا سمعنا أحدًا من أشياخنا تكلم بها ولكن تعود.
فلما كان من الغد جاءه وقد حمل ثقله على بغلة يقودها فقال مسألتي فقال ما أدري ما هي.
فقال الرجل يا أبا عبد الله تركت خلفي من يقول ليس على وجه الأرض أعلم منك.
فقال مالك غير مستوحش: إذا رجعت فأخبرهم أني لا أحسن.
وسأله آخر فقال يا أبا عبد الله أجبني فقال ويحك، أتريد أن تجعلني حجة بينك وبين الله؟ فأحتاج أنا أولًا أن أنظر كيف خلاصي، ثم أخلصك.
قال ابن أبي حازم قال مالك إذا سألك إنسان عن مسألة فابدأ بنفسك فأحزرها.
قال الهيثم ابن جبيل: شهدت مالكًا سئل عن ثمان وأربعين مسألة.
فقال في اثنين وثلاثين لا أدري.
وقال خالد بن خراش قدمت من العراق على مالك بأربعين مسألة فما أجابني منها إلا في خمس.
وقد قال ابن عجلان: إذا أخطأ العالم لا أدري أصيبت مقالته وقد روى هذا الكلام عن أبي عباس رضي الله تعالى عنهما.
وقال مالك: سمعت ابن هرمز يقول: ينبغي أن يورث العالم جلساءه قول لا أدري حتى يكون ذلك أصلًا في أيديهم يفزعون إليه، فإذا سئل أحدهم عما لا يروي قال لا أدري.
قال ابن وهب: كان مالك يقول في أكثر ما يسأل عنه لا أدي.
قال عمر بن يزيد: فقلت لمالك في ذلك، فقال يرجع أهل الشام إلى شامهم وأهل العراق إلى عراقهم وأهل مصر إلى مصرهم ثم لعلي أرجع عما أفتيتهم به.
قال فأخبرت بذلك الليث فبكى، وقال: مالك والله أقوى من الليث أو نحو هذا.
وقال معن بن عيسى: سمعت مالكًا يقول: إنما أنا بشر أخطئ وأصيب فانظروا
[ ١ / ١٤٦ ]
في رأيي فكلما وافق الكتاب والسنة فخذوا به، وما لم يوافق الكتاب والسنة فاتركوه.
قال ابن أبي أويس: سئل مالك مرة عن نيف وعشرين مسألة فما أجاب منها إلا في واحدة.
وربما يسأل عن مائة مسألة فيجيب منها في خمس أو عشر، ويقول في الباقي لا أدري.
قال أبو مصعب: قال لنا المغيرة: تعالوا نجتمع ونستذكر كلما بقي علينا مما نريد أن نسأل عنه مالكًا.
فمكثنا نجمع ذلك وكتبناه في قنوان ووجه به المغيرة إليه وسأله الجواب.
فأجابني بعضه وكتب في الكثير منه لا أدي.
فكان المغيرة يقول: لا والله ما رفع هذا الرجل إلا بالتقوى.
من كان منكم يسأل عن هذا فيرضى أن يقول لا أدري.
قال ابن وهب: سألت مالكًا في ثلاثين ألف مسألة نوازل في عمره، فقال في ثلثها أو شطرها أو ما شاء الله منها لا أحسن، ولا أدري.
وقال: لو ملأ رجل صحيفة من قول مالك لا أدري لفعل قبل أن يجيب في مسألة.
قال مصعب: وجهني أبي بمسألة ومعي صاحبها إلى مالك يقصها عليه، فقال ما أحسن فيها جوابًا، سلوا أهل العلم.
قال ابن أبي حسان: سئل مالك عن اثنين وعشرين مسألة فما أجاب إلا في اثنتين بعد أن أكثر من لا حول ولا قوة إلا بالله.
وكان الرجل يسأله عن المسألة فيقول: العلم أوسع من هذا.
وقال بعضهم إذا قلت أنت يا أبا عبد الله لا أدري فمن يدري.
قال: ويحك ما عرفتني؟ وما أنا؟ وأي شيء منزلتي حتى أدي ما لا تدرون.
ثم أخذ يحتج بحديث ابن عمر، يقول لا أدري فمن أنا، وإنما أهلك الناس العجب وطلب الرئاسة.
وهذا يضمحل عن قليل.
وقال مرة أخرى: قد ابتلى عمر بن الخطاب بهذه الأشياء.
فلم يجب فيها.
وقال ابن الزبير لا أدري، وابن عمر لا أدري وقال مصعب: سئل مالك عن مسألة فقال لا أدري.
فقال له السائل إنها مسألة خفيفة سهلة، وإنما أردت أن اعلم بها الأمير.
وكان السائل ذا قدر
[ ١ / ١٤٧ ]
فغضب مالك وقال مسألة خفيفة سهلة ليس في العلم شيء خفيف أما سمعت قول الله تعالى: (إنا سنلقي عليل قولًا ثقيلًا) فالعلم كله ثقيل وبخاصة ما يسأل عنه يوم القيامة.
قال بعضهم: ما سمعت قط أكثر قولًا من مالك لا حول ولا قوة إلا بالله.
ولو شاء أن تصرف بألواحنا مملوءة بقوله لا أدري: إن تظن إلا ظنًا وما نحن بمستيقنين لفعلنا.
وقال له ابن القاسم: ليس بعد أهل المدينة أعلم بالبيوع من أهل مصر.
فقال مالك: ومن أين علموها؟ قال: منك.
قال مالك: ما أعلمها أنا فكيف يعلمونها؟ قال مفضل بن فضالة: ما نعد مالكًا إلا مثل نقاد بيت المال.
وقال ابن حاتم قلت ابن معين: مالك قل حديثه.
فقال بكثرة تمييزه.
وسئل مالك عن الأحاديث يقدم فيها ويؤخر والمعنى واحد.
فقال أما ما كان من لفظ النبي ﷺ فلا ينبغي أن يقوله إلا كما جاء، وأما لفظ غيره فإذا كان المعنى واحدًا فلا بأس به.
قيل فحديث النبي ﷺ مزاد فيه الواو والألف والمعنى واحد.
قال أرجو أن يكون خفيفًا.
وروى عنه ابن عقير نحوه.
قال القطان: لما مات مالك ﵀ أخرجت كتبه أصيب فيها فنداق عن ابن عمر ليس في الموطأ منه شيء إلا حديثين.
قال ابن وهب: قال مالك: سمعت من ابن شهاب أحاديث كثيرة ما حدثت بها قط، ولا أحدث بها.
فقال الفروي: فقلت له: لم؟ قال ليس عليها العمل.
قال عتيق بن يعقوب: قال لي مالك: أخذت من ابن شهاب تسعة فناديق في بطونها وظهورها أن، منها أشياءًا ما حدثت بها منذ أخذتها بالمدينة.
قال رجل لمالك أن الثوري حدثنا عنك في كذا.
فقال إني لأحدثك في
[ ١ / ١٤٨ ]
كذا وكذا حديثًا ما أظهرتها بالمدينة.
قال ابن مالك: لما دفنا مالكًا دخلنا منزله فأخرجنا كتبه فإذا فيها سبع صناديق من حديث ابن شهاب ظهورها وبطونها ملأى وعنده فناديق أو صناديق من كتب أهل المدينة.
فجعل الناس يقرأون ويدعون ويقولون: رحمك الله يا أبا عبد الله لقد جالسناك الدهر الطويل فما رأيناك ذاكرت بشيء مما قرأناه.
وفي رواية عن ابنه: وإنا ما وجدنا له إلا كتابًا واحدًا فيه لابن شهاب أحاديث قد خط على بعضها.
وعن ابن إسحاق بن بابين: وجدنا في تركة مالك صندوقين مقفولين فيهما كتب فجعل أبي يقرأها ويبكي ويقول: رحمك الله إنك كنت تريد بعملك الله.
لقد جالسته الدهر الطويل وما سمعته يحدث بشيء مما قرأت وذكر عتيق بن يعقوب أنه دخل منزل مالك بعد موته مع أبيه ففتح صناديق مملوءة كتبًا فقرأها فذكر نحوه.
قال: ثم فتح صندوقًا آخر فأخرج منه اثني عشر ألف حديث للزهري وفتح آخر فأخرج منه سبع صناديق ظهورها وبطونها من حديث أهل المدينة فما رأيت فيها شيئًا مما ذاكر به أصحابه في حياته.
قال أحمد بن صالح نظرت في أصول مالك فوجدتها شبيهًا باثني عشر ألف حديث.
قال بعضهم وهو حديث أهل المدينة في ذلك الوقت فلم يحدث مالك إلا بثلثها.
وأخرج إلي ابن أويس سماع مالك من الزهري فإذا نحو ثلاثمائة وخمسين حديثًا.
وأخرج إلي كتاب مالك في قراطيس غير كتاب ابن شهاب فقدرنا ذلك بنحو من عشرة آلاف حديث.
قال الشافعي: قيل لمالك: عند ابن عيينة أحاديث ليس عندك.
فقال: إذا أحدث الناس بكل ما سمعت إني إذًا أحمق.
وفي رواية إني أريد أن أضلهم إذًا.
ولقد خرجت مني أحاديث لوددت أني ضربت بكل حديث
[ ١ / ١٤٩ ]
منها سوطًا، ولم أحدث بها.
وإن كنت أفزع الناس من السياط.
وفي رواية أخرى قال وددت أني ضربت بكل مسألة تكلمت بها سوطًا.
قال الداودي: قلت له حدثني بحديث الملطا.
قال لا.
قلت سفيان يرويه عنك.
قال صدق ولو كنت حدثت أحدًا لحدثتك.
إن العمل ببلدنا ليس عليه وليس صاحبه بذلك وكان إذا قيل له هذا الحديث ليس عند غيرك تركه وإن قيل له هو مما يحتج به أهل البدع تركه.
وقيل له إن فلانًا يحدثنا بغرائب.
فقال: من الغريب نفر.
قال أبو مصعب: قيل لمالك لم لا تحدث عن أهل العراق.
قال لأنني رأيتهم إذا جاءونا يأخذون الحديث عن غير ثقة.
فقلت أنهم كذلك في بلادهم.
وقال عندي أحاديث لو ضرب رأسي بالسوط ما أخرجتها أبدًا.
وقال ابن عيينة: كان مالك لا يبلغ الحديث إلا صحيحًا.
ولا يحدث إلا من ثقة.
فقلت أنهم كذلك في بلادهم.
وقال عندي أحاديث لو ضرب رأسي بالسوط ما أخرجتها أبدًا.
وقال ابن عيينة: كان مالك لا يبلغ الحديث إلا صحيحًا.
ولا يحدث إلا عن ثقة.
قال الشافعي كان مالك إذا شك في الحديث طرحه كله.
قال معن سمعت مالكًا يقول إنما إنا بشر أخطئ وأرجع وكلما أقول يكتب.
قال أشهب ورآني أكتب جوابه في مسألة فقال لا تكتبها، فإني لا أدري أثبت عليها أم لا.
قال ابن وهب وسمعته يقول فيما يسأل عنه من أمر القضاء هذا متاع السلطان.
وسمعته يعيب كثرة الجواب من العالم حتى يسأل يعني الرجل الذي يجلس لهذا.
وإنما يصنعه معلم الكتاب.
وكان الرجل يجلس فإن سئل العالم عن شيء سمعه.
وسمعته عندما يكثر عليه بالسؤال يكف ويقول حسبكم، من أكثر أخطأ.
وكان يعيب كثرة ذلك وقال يتكلم كأنه جمل مقتلم ويقول هو كذا هو كذا يهدر في كل شيء وسأله رجل عراقي عن رجل وطئ دجاجة ميتة فخرجت منها بيضة فأفقست البيضة عنده عن فرخ أيأكله؟
[ ١ / ١٥٠ ]
فقال مالك سل عما يكون ودع ما لا يكون.
وسأله آخر عن نحو هذا، فلم يجبه.
فقال له لم لا تجبني؟ يا أبا عبد الله.
فقال له لو سألت عما تنتفع به أجبتك.
قال ابن المعدل قيل لمالك إن قريشًا تقول إنك لا تذكر في مجلسك أباءها وفضائلها.
فقال مالك إنما نتكلم فيما نرجو بركته.
قال ابن القاسم كان مالك لا يكاد يجيب وكان أصحابه يحتالون أن يجيء رجل بالمسألة التي يحبون أن يعلموها كأنها مسألة بلوى فيجيب بها.
وقال مالك لابن وهب اتق هذه الآثار، وهذا السماع الذي لا يستقيم أن يحدث به.
فقال له إنما أسمعه لأعرفه لأحدث به.
فقال ما سمع إنسان شيئًا إلا تحدث به، وعلى ذكر القدر وسمعت من ابن شهاب أشياء ما تحدثت بها، وأرجو ألا أفعل ما عشت.
وروى البياضي عنه أنه قال: لقد ندمت ألا أكون طرحت أكثر مما طرحت من الحديث.
وقال له القاسم بن مسرور أرأيت يا أبا عبد الله أحاديث تحدثت بها ليس عليها رأيك، لأي شيء أقررتها.
فقال لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما فعلت ولكنها انتشرت عند الناس، فإن سألني عنها أحد ولم أحدث بها وهي عند غيره اتخذني غرضًا.
قال بشر بن عمر سألت مالكًا مرة عن رجل فقال لو كان ثقة لرأيته في كتبي.
وسأله رجل عن مسألة من أهل المدينة، الجواب فيها.
فرده ثم عاد فرده ثلاثًا فكأنه تهاون بعلم مالك فأتاه أت في نومه يقول له: أنت المتهاون بعلم مالك؟ ائته فأسأله فلو كانت مسألتك أدق من الشعر وأصلب من الصخر لوفق فيها باستعانته بما شاء الله لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
قال أشهب رأيت في النوم قائلًا يقول لزم مالك كلمة عند فتواه لو ورد عليه الجبال لقلعتها.
وذلك قوله ما شاء الله لا قوة إلا بالله.
[ ١ / ١٥١ ]
قال القعنبي دخلت على مالك فوجدته باكيًا فسألته عن ذلك فقال ومن أحمق بالبكاء مني لا أتكلم بكلمة إلا تبت بالأقلام وحملت إلى الآفاق وما تكلمت برأي إلا في ثلاث مسائل.
تم الجزء الأول من كتاب ترتيب المدارك وتقريب المسالك والحمد لله على ذلك
[ ١ / ١٥٢ ]
﷽
صلى الله على سيدنا ومولانا وعلى آله وصحبه وسلم