قال القاضي أبو الفضل رضي الله تعالى عنه: رأينا البداية قبل الخوض في هذا ماسة إلى تقديم مقدمة وتمهيد قاعدة لموجب التقليد عليها ينبني الكلام فيما قصدناه فأقول: اعلموا وفقنا الله تعالى وإياكم أن حكم المتعبد بأوامر
[ ١ / ٧٥ ]
الله تعالى ونواهيه المتشرع بشريعة نبيه ﵇ طلب معرفة ذلك وما يتعبد به، وما يأتيه ويذره، ويجب عليه ويحرم، ويباح له ويرغب فيه من كتاب الله تعالى وسنة نبيه ﵇، فهما الأصلان اللذان لا تعرف الشريعة إلا من قبلهما ولا يعبد الله تعالى إلا بعلمهما ثم إجماع المسلمين مرتب عليهما ومسند إليهما فلا يصح أن يوجد وينعقد إلا عنهما، إما من نص عرفوه ثم تركوا نقله، ومن اجتهاد مبني عليهما على القول بصحة الإجماع من طريق الاجتهاد، وهذا كله لا يتم إلا بعد تحقيق العلم بذلك الطريق والآلات الموصلة إليه من نقل ونظر وطلب قبله وجمع وحفظ وعلم وما صح من السنن واشتهر، ومعرفة كيف يتفهم وما به يتفهم من علم ظواهر الألفاظ وهو علم العربية واللغة وعلم معانيها وعلم موارد الشرع ومقاصده ونص الكلام وظاهره وفحواه وسائر نواحيه وهو المعبر عنه بعلم أصول الفقه وأكثره يتعلق بعلم العربية ومقاصد الكلام والخطاب، ثم يأخذ قياس ما لم ينص عليه على ما نص بالتنبيه على علته أو شبيهًا له.
وهذا كله يحتاج إلى مهلة والتعبد لازم لحينه، ثم إن الواصل إلى هذا الطريق وهو طريق الاجتهاد والحكم به في الشرع قليل وأقل من القليل بعد الصدر الأول
والسلف الصالح والقرون المحمودة الثلاثة وإذا كان هذا فلا بد لمن لم يبلغ هذه المنزلة من المكلفين أن يتلقى ما تعبد به وكلف به من وظائف شريعته ممن ينقله له ويعرفه به ويثبته عليه في نقله وعلمه وحكمه وهو التقليد ودرجة عوام الناس بل أكبرهم هذا، وإذا كان هذا فالواجب تقليد العالم لموثوق بذلك، فإذا كثر العلماء فالأعلم وهذا حظ المقلد من الاجتهاد لدينه ولا يترك المقلد الأعلم
[ ١ / ٧٦ ]
ويعدل إلى غيره وإن كان يشتغل بالعلم فيسأل حينئذ عما لا يعلم حتى يعلمه.
قال الله تعالى: (فاسألوه أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون) وأمر النبي ﷺ بالإقتداء بالخلفاء بعده وأصحابه، وقد بعث النبي ﷺ أصحابه في الناس ليفقهوهم في الدين، ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم وإذا كان هذا الأمر لازمًا لا بد منه فكان أولى من قلده العامي الجاهل (والمبتدئ) المتعبد والطالب المسترشد والمتفقه في دين الله تعالى وأحق بذلك فقهاء أصحاب رسول الله ﷺ الذين أخذوا عنه العلم وعلموا أسباب نزول الأوامر والنواهي ووظائف الشرائع ومخارج كلامه ﵇.
وشاهدوا قرائن ذلك وثاقبوا في أكثرها النبي ﵇ واستفسروه عنها مع ما كانوا عليه من سعة العلم ومعرفة معاني الكلام وتنوير القلوب وانشراح الصدور، فكانوا أعلم الأمة بلا مرية وأولاهم بالتقليد لكنهم لم يتكلموا من النوازل إلا في اليسير مما وقع، ولا تفرعت عنهم المسائل ولا تكلموا من الشرع إلا في قواعد ووقائع، وكان أكثر اشتغالهم بالعمل مما علموا والذبّ عن حوزة الدين وتوكيد شريعة المسلمين ثم بينهم من الاختلاف في بعض ما تكلموا فيه ما يبقي المقلد في حيرة ويحوجه إلى نظر وتوقف، وإنما جاء التفريع التنتيج وبسط الكلام فيما يتوقع وقوعه بعدهم، فجاء التابعون فنظروا في اختلافهم وبنوا على أصولهم ثم جاء من بعدهم العلماء من أتباع التابعين، والوقائع قد كثرت والنوازل قد حدثت، والفتاوى
في ذلك قد تشعبت فجمعوا أقاويل الجميع وحفظوا فقههم وبحثوا عن اختلافهم واتفاقهم وحذروا انتشار الأمر وخروج الخلاف عن الضبط فاجتهدوا في جمع السنن وضبط الأصول
[ ١ / ٧٧ ]
وسألوا فأجابوا وبنوا القواعد ومهدوا الأصول وفرعوا عليها النوازل ووضعوا في ذلك للناس التصانيف وبوبّوها، وعمل كل واحد منهم بحسب ما فتح عليه ووفق له، فانتهى إليهم علم الأصول والفروع والاختلاف والاتفاق وقاسوا على ما بلغهم ما يدل عليه ويشبه، رضي الله عن جميعهم ووفاهم أجر اجتهادهم فالمتعين على المقلد العامي وطالب العلم المبتدئ أن يرجع في التقليد لهؤلاء لنصوص نوازله والرجوع فيما أشكل من ذلك إليهم، ولاستغراق علم الشريعة ودورها عليهم وأحكامهم النظر في مذاهب من تقدمهم وكفايتهم ذلك لمن جاء بعدهم، لكن تقليد جميعهم لا يتفق في أكثر النوازل وجمهور المسائل لاختلافهم باختلاف الأصول التي بنوا عليها ولا يصلح أن، يقلد المقلد من شاء منهم على الشهوة والبحث أو على ما وجه عليه أهل قطره وآله، فحظه هنا من الاجتهاد النظر في أعلمهم ويعرف الأولى بالتقليد من جملتهم حتى يركن العامي في أعماله إلى فتواه ويجتهد في تعبداته على ما رآه وينصب العامي الأعلم من ملتزمي مذاهب هؤلاء منصبه، ولا يحل له أن يعدو في استفتائه من لا يرى مذهبه، فقد قال بعض المشائخ: إن الإمام لمن التزم تقليد مذهبه كالنبي ﵇ مع أمته، ولا يحل له مخالفته.
وهذا صحيح في الاعتبار مما بسطناه وشرطناه يظهر صوابه لأولي البصائر والأبصار وكذلك يلزم هذا طالب العلم في بدايته في درس ما أصله الأعلم من هؤلاء وفرعه وحفظ ما ألفه وجمعه والاهتداء بنظره في ذلك والميل حيث مال معه إذ لو ابتدأ الطالب في كل مسألة فطلب الوقاف على الحق منها بطريق الاجتهاد عسر عليه ذلك إذ لا يتفق له إلا بعد جمع خصاله وتناهي كماله، وإذا
كان بهذا السبيل استغنى عن تقليد أرباب المذاهب وكان من المجتهدين لنفسه
[ ١ / ٧٨ ]
فسبيله أن يقلد من يعرفه أن، هذا هو الحق، حتى إذا أدرك من العلم ما قيض له وحصل منه ما قسم الله تعالى له وأفلح وكان فيه عمل للنظر والاجتهاد انتقل إلى ذلك وأدركه، فإذا تقررت هذه المقدمة فنقول: قد وقع إجماع المسلمين في أقطار الأرض على تقليد هذا النمط واتباعهم ودرس مذاهبهم دون من قبلهم ومع الاعتراف بفضل من قبلهم وسبقه ومزيد علمه، لكن للعلل التي ذكرنا وكفاية ما نحلوه وانتقوه من ذلك كما قدمنا.
ثم اختلفت الآراء والهمم في تعيين المقلد منهم بحسب ما اعتقدوه فيه أنه هو الأعلم والأولى بالإتباع، أما من اعتقاد اعتقدوه أو انتشار ذكر وثناء سمعوه أو من اتباع له اعتمدوه أو من تقليد لآبائهم أو أهل بلادهم نشأوا عليه وألفوه، فكان المقلدون المقتدى بمذاهبهم أصحاب الأتباع في سائر الأقطار البقاع كثرة قبل مالك بن أنس بالمدينة وأبو حنيفة والثوري بالكوفة، والحسن البصري بالبصرة على ما تقدم منه، والأوزاعي بالشام، والشافعي بمصر، وأحمد بن حنبل (بعده) ببغداد وكان لأبي ثور هناك أيضًا أتباع.
ثم نشأ ببغداد أبو جعفر الطبري وداود الأصبهاني فألفا الكتب واختارا في المذاهب على آراء أهل الحديث واطرح داود منها القياس وكان لكل واحد منهما أتباع، وسرت جميع هذه المذاهب في الآفاق فغلب مذهب مالك على الحجاز والبصرة ومصر وما والاها من بلاد أفريقية والأندلس وصقلية والمغرب الأقصى إلى بلاد من أسلم من السودان إلى وقتنا هذا وظهر ببغداد ظهورًا كثيرًا وضعف بها بعد أربعمائة سنة وضعف بالبصرة بعد خمسمائة سنة وغلب من بلاد خراسان على قزوين وأبهر وظهر بنيسابور
[ ١ / ٧٩ ]
وكان با وبغيرها أئمة ومدرسون سنذكر منهم بعد في طبقاتهم من ألهم الله تعالى إليه، وكان ببلاد فارس وانتشر باليمن وكثير من
بلاد الشام، وغلب مذهب أبي حنيفة على الكوفة والعراق وما وراء النهر وكثير من بلاد خراسان إلى وقتنا وظهر بإفريقية ظهورًا كثيرًا إلى قريب من أربعمائة عام فانقطع منها ودخل منه شيء ما وراءها من المغرب قديمًا بجزيرة الأندلس وبمدينة فاس وغلب مذهب الأوزاعي على الشام وعلى جزيرة الأندلس أولًا إلى أن، غلب عليها مذهب مالك بعد المائتين فانقطع، وأما مذهب الحسن والثوري فلم يكثر أتباعهما ولم يطل تقليدهما وانقطع مذهبهما عن قريب، وأما الشافعي فكثر أتباعه وظهر مذهبه ظهور مذهبي مالك وأبي حنيفة قبله وكان أول ظهوره بمصر وكثر أصحابه بها مع المالكية وبالعراق وبغداد وغلب عليها وعلى كثير من بلاد خراسان والشام واليمن إلى وقتنا أتباعهم والاقتداء بمذاهبهم ودرس كتبهم والتفقه على مآخذهم والبناء على قواعدهم والتفريع على أصولهم دون غيرهم ممن تقدمهم أو عاصرهم، للعلل التي ذكرناها، وصار الناس اليوم في أقطار الدنيا إلى خمسة مذاهب مالكية وحنفية وشافعية وحنفية وحنبلية وداودية وهم المعرفون بالظاهرية.
فحق على طالب العلم ومريد تعرف الصواب والحق أن يعرف أولاهم بالتقليد ليعمل على مذهبه ويسلك في التفقه سبيله، وها نحن نبين أن مالكًا رحمه الله تعالى هو ذلك لجمعه أدوات الإمامة وتحصيله درجة الاجتهاد وكونه أعلم القوم بأهل زمانه وأطباق أهل وقته على شهادتهم له بذلك وتقديمه، وهو القدوة والناس إذ ذاك ناس والزمان زمان، ثم للأثر الوارد في عالم المدينة التي هي داره وانطلاق هذا الوصف ولإضافة على ألسنة الجماهير، وموافقة أحواله الحال التي أخبر في
[ ١ / ٨٠ ]
الحديث عنه وتأويل السلف الصالح أنه المراد به، وتفصيل الكلام في ذلك وبسطه في فصلين أولهما ما اعتمد النقل والأثر وفي ذلك ترجيحان، والثاني مسلكه الاعتبار والنظر، وفيه ثلاث ترجيحات فانتهينا في ترجيح مذهبه وعظيم قدره في العلم وعلو منصبه إلى خمس حجج كلها أتينا فيها بمبلغ الوسع بما يقطع
الغدر ويكاد ينتهي بعضها إلى مدارك القطع.
[ ١ / ٨١ ]