قال الإمام القاضي ﵁. قال ابن مهدي ما كتاب بعد كتاب الله أنفع للناس من الموطأ.
وقال لا أعلم من علم الإسلام بعد القرآن أصح من موطأ مالك.
قال ابن وهب من كتب موطأ مالك فلا عليه أن يكتب من الحلال والحرام شيئًا.
وقال الشافعي ما في الأرض كتاب من العلم أكثر صوابًا من كتاب مالك.
وقال ما على الأرض كتاب أصح من كتاب مالك وفي رواية أفضل وما كتب الناس بعد القرآن شيئًا هو أنفع من موطأ مالك.
وإذا جاء الأثر من كتاب مالك فهو الثريا.
قال سعيد بن أبي مريم وكان ابنا أخته بالعراق ولو جمعا عمرهما بالعراق ما أتيا بعلم يشبه موطأ مالك.
وقال في رواية أخرى: ما جاء بسنة مجمع عليها خلاف ما في الموطأ.
وقال ما أحسن لمن تدين به.
قال الدراوردي: كنت نائمًا في الروضة بين القبر والمنبر فرأيت النبي ﷺ قد خرج من القبر متكئًا على أبي بكر وعمر ثم رجع فقمت إليه فقلت له يا رسول الله من أين جئت؟ قال مضيت إلى مالك بن أنس فأقمت له الصراط المستقيم.
قال فأتيت مالكًا فأصبته يدون الموطأ فأخبرته بالخبر فبكى، وروى أبو مصعب
[ ١ / ١٩١ ]
أن أبا جعفر قال لمالك ضع للناس كتابًا أحملهم عليه.
فكلمه مالك في ذلك فقال ضعه فما أحد أعلم منك.
فوضع الموطأ فلم يفرغ منه حتى مات أبو جعفر.
وقال أبو مصعب سمعت مالكًا يقول دخلت على أبي جعفر بالغداة حين وقعت الشمس بالأرض وقد نزل عن شماله إلى بساط وعلى البساط برذونان قائمان من حين دخلت إلى حين خرجت لا يبولان ولا يروثان أدبًا وإذا بصبي يخرج ثم يرجع، فقال أتدري من هذا؟ قلت لا؟ قال هو ابني وإنما يفزع من شيبتك وفي رواية إنه استنكر قرب مجلسك مني ولم يربه أحد قط، وحقيق أنت بكل خير وخليق بكل إكرام، وقد كان أدناه إليه وألصق بركبته فلم يزل يسألني حتى أتاه المؤذن بالظهر فقال لي أنت أعلم الناس وفي رواية أهل الأرض.
فقلت لا والله يا أمير المؤمنين.
قال بلى.
ولكنك تكتم ذلك.
وفي رواية فما أحد أعلم منك اليوم بعد أمير المؤمنين.
ولئن بقيت لأكتبن كتابك بماء الذهب، وفي رواية كما تكتب المصاحف ثم أعلقها في الكعبة وأحمل الناس عليها.
فقلت ياأمير المؤمنين لا تفعل فإن في كتابي حديث رسول الله صلى الله عليه
وسلم وقول الصحابة وقول التابعين ورأيًا هو إجماع أهل المدينة لم أخرج عنهم، غير أني لا أرى أن يعلق في الكعبة.
قال: وقال له أبو جعفر وهو بمكة اجعل العلم يا أبا عبد الله علمًا واحدًا.
قال فقلت له يا أمير المؤمنين إن أصحاب رسول الله ﷺ تفرقوا في البلاد فأفتى كل في مصره بما رآه، وفي طريق، إن لأهل هذه البلاد قولًا ولأهل المدينة قولًا ولأهل العراق قولًا تعدوا فيه طورهم.
فقال أما أهل العراق فلست اقبل منهم صرفًا ولا عدلًا، وإنما العلم علم أهل المدينة فضع للناس العلم وفي رواية فقلت له إن أهل العراق لا يرضون علمنا.
فقال أبو جعفر يضرب عليه عامتهم بالسيف وتقطع عليه ظهورهم بالسياط وفي بعضه إن أبا جعفر قال له إني عزمت أن أكتب كتبك هذه
[ ١ / ١٩٢ ]
نسخًا ثم أبعث إلى كل مصر من أمصار المسلمين بنسخة آمرهم بأن يعملوا بما فيها ولا يتعدوها إلى غيرها من هذا العلم المحدث فإنني رأيت أصل العلم رواية أهل المدينة وعملهم.
فقلت يا أمير المؤمنين لا تفعل فإن الناس قد سبقت لهم أقاويل وسمعوا أحاديث وروايات وأخذ كل قوم بما سبق إليهم وعملوا به ودالوا له من اختلاف أصحاب رسول الله ﷺ وغيرهم وإن ردهم عما اعتقدوا شديد، فدع الناس وما هم عليه وما اختار أهل كل بلد لأنفسهم.
فقال: لو طاوعتني على ذلك لأمرت به.
وفي رواية إن المنصور قال له: يا أبا عبد الله ضم هذا العلم ودون كتبًا وجنب فيها شدائد ابن عمر ورخص ابن عباس وشواذ ابن مسعود وأقصد أوسط الأمور وما اجتمع عليه الأئمة والصحابة.
وروي أن المهدي قال له ضع كتابًا أحمل الأمة عليه، فقال له مالك أما هذا الصقع يعني المغرب، فقد كفيته وأما الشام ففيه الأوزاعي وأما أهل العراق. . . .
فهم أهل العراق.
قال عتيق الزبيري وضع مالك الموطأ على نحو من عشرة آلاف حديث فلم يزل ينظر فيه سنة ويسقط منه حتى بقي هذا ولو بقي قليلًا لأسقطه كله.
يعني تحريًا.
قال سليمان بن بلال لقد وضع مالك الموطأ وفيه أربعة آلاف حديث أو قال أكثر.
فمات وهي ألف حديث ونيف يلخصها عامًا عامًا بقدر ما يرى أنه أصلح للمسلمين وأمثل في الدين.
وقال مالك وقد ذكر له الموطأ فيه حديث رسول الله ﷺ وقول الصحابة والتابعين ورائى وقد تكلمت برأي على الاجتهاد وعلى ما أدركت عليه أهل العلم ببلدنا.
ولم أخرج عن جملتهم إلى غيره.
وقال أبو موسى الأنصاري وقعت نار في منزل رجل
[ ١ / ١٩٣ ]
فاحترق كل شيء في البيت إلا المصحف والموطأ.
قال ابن أبي أويس قيل لمالك ما قولك في الكتاب ألأمر المجتمع عليه عندنا وببلدنا وأدركت أهل العلم وسمعت بعض أهل العلم، فقال أما أكثر ما في الكتاب فرأي فلعمري ما هو رأيي ولكن سماع من غير واحد من أهل العلم والفضل والأئمة المقتدى بهم الذين أخذت عنهم وهم الذين كانوا يتقون الله فكثر علي فقلت رأيي، وذلك إذا كان رأيهم مثل رأي الصحابة أدركوهم عليه، وأدركتهم أنا على ذلك.
فهذا وراثة توارثوها قرنًا عن قرن إلى زماننا وما كان أرى فهو رأي جماعة ممن تقدم من الأئمة وما كان فيه الأمر المجتمع عليه فهو ما اجتمع عليه من قول أهل الفقه والعلم لم يختلفوا فيه.
وما قلت الأمر عندنا فهو ما عمل الناس به عندنا وجرت به الأحكام وعرفه
الجاهل والعالم.
كذلك ما قلت فيه ببلدنا وما قلت فيه بعض أهل العلم، فهو شيء استحسنه في قول العلماء وأما ما لم أسمعه منهم فاجتهدت ونظرت على مذهب من لقيته حتى وقع ذلك موضع الحق أو قريب منه حتى لا يخرج عن مذهب أهل المدينة وآرائهم وإن لم أسمع ذلك بعينه فنسبت الرأي إلي بعد الاجتهاد مع السنة وما مضى عليه أهل العلم المقتدى بهم، والأمر المعمول به عندنا، من لدن رسول الله ﷺ والأئمة الراشدين مع من لقيت فذلك رأيهم ما خرجت إلى غيرهم.
وذكر أحمد بن عبد الله الكوفي في تاريخه أن كل ما قال فيها مالك في موطأه الأمر المجتمع عليه
[ ١ / ١٩٤ ]
عندنا فهو من قضاء سليمان بن بلال وهذا لا يصح قال: وما أرسله فيه عن ابن مسعود، فرواه عبد الله بن إديس الأودي وما أرسله عن غيره فعن ابن مهدي.
قال الدراوردي إذ قال مالك على هذا فأدركت أهل العلم ببلدنا والأمر عندنا فإنه يريد ربيعة وابن هرمز.
قال عمر بن أبي سلمة ما من مرة أقرأ الجامع من الموطأ إلا رأيت في منامي رجلًا يقول لي هذا حديث رسول الله ﷺ.
قال: فلما قدمنا المدينة بوسيلة إلى مالك، قال لي أحضر غدًا بكتاب المدبر والمكاتب فإنهم اجتمعوا على أن يقرأوه فبت ليلتين فرأيت قائلًا يقول، وأنا نائم: غدًا يقرأ على مالك حديث رسول الله ﷺ فغدوت إلى مالك ومعي الكتابان فلما رآني قال لي أي شيء معك؟ قلت المكاتب والمدبر.
فقال إنهم قد بدا لهم وأجمعوا على قراءة الجامع فذكرت له الرؤيا فقال لي صدق، وهو حديث رسول الله ﷺ.
قال صفوان بن عمر بن عبد الواحد عرضنا على مالك الموطأ في أربعين يومًا
فقال كتاب ألفته في أربعين سنة أخذتموه في أربعين يومًا قل ما تتفقهون فيه.
قال غيره أول من عمل الموطأ عبد العزيز بن الماجشون عمله كلامًا بغير حديث فلما رآه مالك قال ما أحسن ما عمل ولو كنت أنا لبدأت بالآثار، ثم شددت ذلك بالكلام ثم عزم على تصنيف الموطأ.
فعمل من كان بالمدينة يومئذ من العلماء الموطئات فقيل لمالك شغلت نفسك بهذا الكتاب وقد شاركك فيه الناس وعملوا أمثاله.
فقال ائتوني بها فنظر فيها ثم نبذها وقال لتعلمن ما أريد به وجه الله تعالى.
قال مطرف قال لي مالك ما يقول الناس في موطأي قلت الناس رجلان محب مطرٍ، وحاسد مفتر.
فقال إن مد بك العمر فسترى ما يراد به الله.
قال فكأنما
[ ١ / ١٩٥ ]
ألقيت تلك في الآبار.
ما سمع منها شيء بعد ذلك.
قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: لما وضع مالك الموطأ جعل أحاديث زيد في آخر الأبواب فقلت له ذلك فقال إنها كالشرح لما قبلها.
قال أبو داود قيل لمالك ليس في كتابك حديث غريب.
قال سررتني.
وقال أبو زرعة لو حلف رجل بالطلاق على أحاديث مالك التي بالموطأ أنها صحاح كلها لم يحنث، ولو حلف على حديث غيره كان حانثًا.
قال ابن أبي سوار الجدي سمعت مالكًا يقول الأمر عندنا كذا فأخبرت به ابن أبي ذئب فقال ما يحل لمالك أن يقول هذا، ليس هذا مما نحن عليه.
قال فأعلمت مالكًا.
فقال أنا لا أعتد برأي ابن ذئب أعتد بمن أدركت من أهل العلم.