قال القاضي رضي الله تعالى عنه: قال الطبري اختلف فيمن ضرب مالكًا وفي السبب في ضربه وفي خلافة من ضرب.
فقيل إن أبا جعفر نهاه عن الحديث ليس على مستكره طلاق ثم دس إليه من يسأله عنه فحدثه به على رؤوس الناس فضربه بالسوط.
وقاله مصعب إلا أنه قال إن الذي نهاه جعفر بن سليمان.
وقال الواقدي لما سود مالك وسمع منه وقبل قوله حسده الناس وبغوا عليه، فلما ولى جعفر بن سليمان على المدينة سعوا به إليه وأكثروا عليه عنده وقالوا لا يرى أيمان بيعتكم هذه شيئًا.
ويأخذ بحديث ثابت الأحنف في طلاق المكره أنه لا يجوز.
فغضب جعفر ودعا به فاحتج عليه فما رفع إليه.
ثم جره ومده فضربه بالسياط ومدت يده حتى انخلعت كتفه وفي رواية عنه ومدت يداه حتى انخلع كتفاه وكذلك اختلف على مصعب الزبيري.
وقال الحنيني بقي مالك بعد الضرب مطابق اليدين لا يستطيع أن يدفعهما وارتكب منه أمر عظيم فو الله لمالك بعد ذلك الضرب في رفعة في الناس وعلو وإعظام حتى كأنما كانت تلك الأسواط حليًا حلي بها.
وقيل إن هذا كان في أيام الرشيد.
قال أبو الوليد الباجي ولما حج المنصور قاد مالكًا من جعفر بن سليمان وأرسله إليه ليقتص منه فقال أعوذ بالله.
والله ما ارتفع منها سوط عن جسمي إلا وأنا أجعله في
[ ١ / ٢٢٨ ]
حل من ذلك الوقت لقرابته من رسول الله ﷺ.
قال غيره: لما دخلت على أبي جعفر وقد عهد إلي أن آتيه بالموسم فقال لي والله الذي لا إله إلا هو ما أمرت بالذي كان ولا علمته وإنه لا يزال أهل الحرمين بخير ما كنت بين أظهرهم وإني أخالك أمانًا لهم من عذاب الله.
وقد رفع الله بك عنهم سطوة عظيمة فإنهم أشرع الناس للفتن، وقد أمرت بعد والله أن يؤتى به من المدينة إلى العراق على قتب وأمرت بضيق حبسه، والاستبلاغ في امتهانة ولا بد أن أنزل به من العقوبة أضعاف ما نالك منه.
فقلت عافى الله أمير المؤمنين وأكرم مثواه.
قد عفوت عنه لقرابته من رسول الله ﷺ وقرابته منك.
فقال لي: عفا الله عنك ووصلك.
قال القروي والعمري وأحدهما يزيد على الآخر: لما ضرب مالك رحمه الله تعالى ونيل منه حمل مغشيًا عليه فدخل الناس عليه فأفاق فقال: أشهدكم إني جعلت ضاربي في حل.
فعدناه في اليوم الثاني فإذا به قد تماثل.
قلنا له ما سمعنا منه، وقلنا له قد نال منك.
فقال تخوفت أن أموت أمس فألقى النبي ﷺ فأستحي منه أن يدخل بعض آله النار بسببي فما كان إلا مدة حتى غضب المنصور على ضاربه وضرب ونيل منه أمر شديد.
فبشر مالك بذلك فقال سبحان الله أترون حظنا مما نزل بنا الشماتة به.
إنا لنرجو من عقوبة الله أكثر من هذا، ونرجو من عفو الله أكثر من هذا، وقد ضربت فيه محمد بن المنكدر وربيعة وابن المسيب ولا خير فيمن لا يوذئ في هذا الأمر، وقيل إن الذي تولى ذلك عامل جعفر بن سليمان وإن جعفر هو الذي صنع بعامله النكال لما تقدم، والأول أشهر.
قال مطرف: جلد جعفر بن سليمان مالكًا
[ ١ / ٢٢٩ ]
ثمانين سوطًا وقاله ابن القاسم.
قال مطرف ومصعب، بسبب محمد بن عبد العزيز الزهري حمله عليه في عمله الأول أنه يفتي الناس أن ليس على من أكره على بيعة شيء.
قال مطرف: فرأيت آثار السياط في طهره قد شرحته تشريحًا.
وكان حين مدوه في الحبل بين يديه خلعوا كتفيه حتى كان ما يستطيع أن يسوي رداءه.
فلما ولي جعفر عمله الآخر ودخل عليه مالك سأله جعفر أن يجعله في حل، وقال إني جهلت واستزللت والله ما جلدك إلا القرشيون.
فقال له مالك إنك ترى أن قد ظلمتني.
قال نعم.
قال فأنت في حل، فوسع الله عليك.
قال إبراهيم بن حماد الزهري رأيت مالكًا يحمل إحدى يديه بالأخرى وقيل لمالك هذا ابن عبد العزيز الزهري قد وقف في المسجد وكان قاضي المدينة وهو الذي بغى بمالك.
فقال مالك ما شاء الله، لا حول ولا قوة إلا بالله.
ثم ذكر محنة محمد بن المنكدر وربيعة ثم قال: قال عمر بن عبد العزيز ما أغبط أحدًا لم يصبه في هذا الأمر أذى.
قال الداروردي لما أحضر مالك لضربه في البيعة التي أفتى بها وكنت أقرب الخلق منه سمعته يقول كلما ضرب سوطاُ: اللهم اغفر لهم فإنهم لا يعلمون حتى فرغ من ضربه، وذكر عنه أنه أفتى الناس عند قيام محمد بن عبد الله بن حسن العلوي المسمى بالمهدي بأن بيعة أبي جعفر لا تلزم لأنها على الإكراه.
قال الليث إني لأرجو أن يرفع الله مالكًا بكل سود درجة في الجنة.
وخالف هذا كله ابن بكير، فقال: ما ضرب إلا في تقديمه عثمان على علي فسعى به الطالبيون حتى ضرب.
قيل لابن بكير خالفت أصحابك هم يقولون ضرب في البيعة.
قال أنا أعلم من أصحابي.
وقال أحمد بن صالح إنما ضرب مالك في الطلاق قبل النكاح، كان لا يراه ثم رآه.
قال أبو داود ولم يصنع أحمد شيئًا.
وقال ابن كنانة ضرب في أيمان السلطان إنها لا تلزم.
وفي دفع الصدقات إليهم.
وقال مصعب ضرب
[ ١ / ٢٣٠ ]
مالكًا جعفر بن سليمان ثلاثين سوطًا.
وقيل نيفً وثلاثين ويقال ستين وقال بكير بن إبراهيم سبعين سوطًا وقيل نيف وسبعين سوطًا وقيل مائة سوط من رواية الحارث عن ابن القاسم.
قال مالك ما كان علي يوم ضربت أشد من شعر كان في صدري وكان في إزاري خرق ظهر منه فخذي فجعلت لله علي إن استجد الإزار ولا أترك علي
شعري.
قال مصعب وكان ضربه سنة ست وأربعين ومائة وقيل سنة سبع وأربعين.
قال محمد ابن خالد: كنا عند جعفر بن سليمان في مرضه الذي مات فيه، فدخل عليه حماد بن زيد، فقال له يا أبا إسماعيل رأيت في منامي مالك بن أنس فسلمت عليه فلم يرد فأعدت عليه فرد، وقال إن لي ولك غدًا مقامًا عند الله فأرقت لذلك وغمني.
قال حماد إن مالكًا من الإسلام بمكان جليل وما هو إن الندم والاستغفار.
وفي رواية وإن تعتق فاعتق عن كل سوط رقبة.
قال الأصمعي: وأنا مشيت بين جعفر بن سليمان ومالك حتى حلله.
قال المنذر: الذي أغرى بمالك جعفر بن سليمان رجل من بني مخزوم صاحب أدب، وذكر، خبر فتياه في الإيمان فكتب بذلك جعفر إلى الخليفة فكتب إليه: أن اجلده.
فجلده ومد يده بين العقابين فلذلك كان لا يأتي المسجد لإنزال ريح تخرج من موضع الكتف ثم عزل ثم ولي ثانية فأكرم مالكًا وقربه وتباعد منه مالك حتى كف عنه فحج، فبينما مالك في الموقف قال جعفر لأصحابه لا تحركوا وسار فلم يشعر مالك إلا بإنسان ضرب بسوطه محمله، فرفع مالك رأسه فقال يا مالك هذا يوم عظيم ينظر إلى الله إلى عباده ويغفر لهم فاجعلني في حل مما ارتكبت.
فقال: لا والله حتى ألتقي أنا وأنت بين يدي الله.
فرجع.
[ ١ / ٢٣١ ]