قال القاضي أبو الفضل رضي الله تعالى عنه: قد قدمنا تاريخ وفاته، وإن الصحيح من ذلك في ربيع الأول سنة تسع وسبعين ومائة.
يوم الأحد، ولتمام اثنين وعشرين يومًا من مرضه.
وغسله ابن كنانة وابن أبي زنبر، وابنه يحيى وكاتبه حبيب، يصبان عليه الماء.
ونزل في قبره جماعة، وأوصى أن يكفن في ثياب بيض، وأن يصلى عليه في موضع الجنائز.
فصلى عليه عبد العزيز بن محمد بن إبراهيم بن علي بن عبد الله بن عباس.
وكان خليفة أبيه على المدينة.
ومشى في جنازته وحمل نعشه، وبلغ كفنه خمسة دنانير، وقد ذكرنا في المرائي الدالة على علمه وإمامته جملة، ونقتصر ها هنا على الغرض مما نذكره قبل.
قال بكر بن سليمان الصواف: دخلنا على مالك بن أنس في العشية التي قبض فيها.
فقلنا: يا أبا عبد الله كيف تجدك؟ قال ما أدري، ما نقول إلا أنكم ستعاينون غدًا من عبد الله من لم يكن في
[ ١ / ٢٣٧ ]
حساب.
ثم ما برحنا حتى غمضناه.
وقيل إنه تشهد ثم قال: لله الأمر من قبل ومن بعد.
ورأى عمر بن يحيى بن سعيد الأنصاري في الليلة التي مات فيها مالك قائلًا يقول:
لقد أصبح الإسلام زعزع ركنه … غداة ثوى الهادي لدى منحدر القبر
إمام الهدى ما وزال للعلم صائنًا … عليه سلام الله في آخر الدهر
قال وانتبهت وكتبت البيتين في السراج، وإذا الصاروخ على مالك رحمه الله تعالى.
قال حبيب كاتب مالك: كنا عند مالك يوم مات، في جماعة من إخواننا إذ أتاه ابن حازم، فقال يا أبا عبد الله، رأيت في هذه الليلة رؤيا أحببت أن أقصها عليك.
قال قص.
قال أرأيت السماء انفجرت فهبط منها ملك بيده طومار وهو يقول: يا معشر الناس
هذه براءة مالك من الناس.
ثم إنا لجلوس ما برحنا، حتى دخل والي المدينة ابن أبي زينب ومعه مؤدبه فقال: يا أبا عبد الله، إن مؤدبي رأى الليلة رؤيا ذكر مثلها سواء.
فقال له مالك: سبقك بها أبو تمام.
ثم خرجنا من عنده.
فلما بلغنا باب الدار أغلق وسمعنا صوائح ورجعنا، فما لبثنا أن خرج ابنه يقول: قد قبضه الله إليه.
قال الشافعي: قالت لي عمتي ونحن بمكة: رأيت في هذه الليلة عجبًا.
قلت: وما هو؟ قالت: كأن قائلًا يقول: مات الليلة، أعلم أهل الأرض، فحسبنا تلك الليلة، فإذا هي ليلة مات فيها مالك.
قال الحسن بن حمزة الجعفري: كنت أشتم مالكًا، فأقمت عشيتي على ذلك: فنمت فرأيت الجنة فتحت فقلت ما هذا؟ قالوا الجنة.
قلت فما هذه الغرف، الغرفة فوق الغرفة؟ قالوا لمالك بن أنس بما ضبط على دينهم.
فلم أنتقصه بعد، وصرت أكتب عنه.
ورأى آخر كأن قائلًا يقول: ليعلم من صدق الله، فقام مالك بن أنس.
قال بعضهم: رأيت مالك بن أنس في النوم،
[ ١ / ٢٣٨ ]
فقلت: قد نفع الله بك ونفعت أهل بلدك.
فقال: وأما والله ما أردت بذلك إلا الله.
قال أسد بن موسى: رأيت مالك بن أنس بعد موته وعليه طويلة وثياب خضر، وهو على ناقة تطير بين السماء والأرض، فقلت: يا أبا عبد الله، أليس قدمت؟ قال بلى.
فقلت فإلى ما صرت؟ قال قدمت على ربي فكلمني كفاحًا، قال: سلني أعطيك، وتمن علي أرضيك.
وذكر أن الفضيل بن عياض رأى أنه دخل الجنة، قال: بينما أنا في طرقها إذا مررت يزيد بن أسلم غرفة من غرفا وعليه قلنسوة طويلة.
فقلت زيد؟ قال نعم.
قلت له سكنك الله وشرفك، فأين مالك لا أراه؟ قال: أين مالك؟ مالك فوق ذلك.
فما زال يقول فوق حتى وقعت قلنسوته، ورآه آخر، فقال له: ما فعل الله بك؟ قال غفر لي.
قال لماذا؟ قال: بكلمة عثمان التي كان يقولها إذا رأى الميت: سبحان الحي الذي لايموت.
قال ابن أبي أويس: كان يحيى بن يزيد النوفلي من الزهاد العباد وكان لا يكلم مالكًا ولا ابن أبي ذئب ولا ابن عمران، وكتب إلى كل واحد منهم كتابًا يعظهم في إقبالهم على الدنيا.
فأما مالك فأجابه أحسن جواب، وأما الآخران فأغلظا عليه في القول، فقدم بعد موتهم من الغابة إلى المدينة فلم يتخلف عنه أحد فحضرته يومًا وهو يتحدث وعنده خلق كثير وهو يبكي ويقول: رأيت في هذه الليلة كأني في موضع نخيل وبساتين وخضرة وقصور وأنهار تجري فاعتمدت إلى قصر رأيت أنه أفضلها، فلما ذهبت لأدخله إذا على بابه إنسان فمنعني الدخول وقال: حتى استأذن لك، فذهب ثم أذن لي، فأدخلني، إذا بقصر لم ير الراؤون مثله حسنا، وإذا
[ ١ / ٢٣٩ ]
فيه مالك بن أنس جالس وسطه وفي حجره مصحف وعليه ثياب خضر أحسن ما تكون، فلما وقفت سلمت عليه وقلت: قدمت؟ قال: بلى.
قلت: فيم صرت إلى هاهنا؟ قال: بعفو الله وتجاوزه عني وسعة رحمته لا بعملي.
قلت: فما رأيت في شأن العلم؟ قال أكثر ما نجونا بالتوقف عنه.
قلت: ابن زيد بن أسلم؟ وفي رواية عبد الرحمان بن زيد بن أسلم.
فرفع رأسه إلى السماء وأشار بإصبعه وقال: هيهات ذلك في عليين مع البكائين.
فلم تزل رؤياه في رقعة بين يديه مع أجوبتهم له يقرأها للناس ويبكي ويترحم على مالك في كل مجلس.
وعن بشير بن بكر: رأيت أو رأى الأوزاعي والثوري وهما في الجنة، فقلت أين مالك؟ فقال لي: إن مالكًا في أعلى ورفع رأسه حتى سقطت قلنسوته.
قال التستري: رأى أبو زرعة الرازي فقيل له: ما فعل الله بك؟ فقال لي أكثرت علي يا أبا زرعة، وكيف يكثر مخاصمة في النوم أصحاب المقالات وقال: فقلت إلى ربي أنهم حاولوا دونك.
فقال اجعلوه مع أبي عبد الله وأبي عبد الله وأبي عبد الله.
مالك والثوري وابن حنبل.