قال الفقيه القاضي أبو الفضل عياض رحمة الله عليه قال الواقدي: كان مالك يجلس على ضجاع ونمارق مطروحة في منزله يمنة ويسرة لمن يأتي من قريش والأنصار والناس.
وكان مجلسه مجلس وقار وعلم، وكان رجلًا مصيبًا نبيلًا ليس في مجلسه شيء من المراء واللغط ولا رفع صوت إذا سئل عن شيء فأجاب سائله لم يقل له من أين رأيت هذا.
وكان الغرباء يسألونه عن الحديث والحديثين فيجيبهم الفينة بعد الفينة.
وربما أذن لبعضهم يقرأ عليه.
وكان له كاتب قد نسخ له كتبه يقال له حبيب يقرأ للجماعة فليس أحد ممن حضر يدنو منه ولا ينظر في كتابه ولا يستفهمه هيبة له وإجلالًا.
وكان حبيب
[ ١ / ١٥٣ ]
إذا أخطأ فتح عليه مالك رحمه الله تعالى، وكان ذلك قليلًا، ولم يكن يقرأ كتبه على أحد، وكان كالسلطان له حاجب يأذن عليه فإذا اجتمع الناس ببابه أمر آذنه يخص أولًا أصحابه فإذا فرغ من يخص أذن للعامة وهذا هو المشهور
من سماع أصحابه أنهم يقرأون عليه، وسيأتي من أخباره ما يعضد هذا كثير.
إلا أن يحيى بن بكر ذكر أنه سمع الموطأ من مالك أربعة عشر مرة.
وزعم أن، أكثرها بقراءة مالك وبعضها بالقراءة عليه، وعوتب مالك في تقديمه الإذن لأصحابه.
فقال أصحابي وجيران رسول الله ﷺ.
قال إسماعيل بن حماد أتيت مالكًا فرأيته جالسًا في صدر بيته وأصحابه بجنبتي البيت.
وقال أبو مصعب وابن الضحاك ومطرف والمهدي وعبد الملك وابن سلمة وغير واحد من أصحابه كان جلساء مالك كأنما على رؤوسهم الطير تسمتًا وأدبًا، وقال حبيب كان مالك إذا جلس جلسة لم يتحول عنها حتى يقوم.
قال مطرف وكان مالك إذا أتاه الناس خرجت إليهم الجارية فتقول لهم يقول لكم الشيخ تريدون الحديث أو المسائل؟ فإن قالوا المسائل خرج إليهم فأتاهم وإن قالوا الحديث قال لهم اجلسوا ودخل مغتسله فاغتسل وتطيب ولبس ثيابًا جددًا ولبس ساجه وتعمم ووضع على رأسه طويلة وتلقى له المنصة فيخرج إليهم وقد لبس وتطيب وعليه الخشوع ويوضع عود.
فلا يزال يبخر حتى يفرغ من حديث رسول الله ﷺ.
قال يحيى كنا نجتمع على بابه فإذا توافينا صرخ الآذن ليدخل أهل المدينة ثم ليؤذن لغيرهم فيدخل ويسم عليه ويسكت ونسكت ساعة فإذا رأى ازدحامنا قال توقروا فإنه عون لكم وليعرف صغيركم حق كبيركم، ومن رواية أخرى، كان إذنه لنا رفع سطر في أسطوانة فندخل عليه وهو قاعد.
قد ميل رأسه حتى إذا
[ ١ / ١٥٤ ]
أخذ الناس مجالسهم رفع رأسه فقال السلام عليكم.
إنما كان يفعل ذلك لئلا يقرب بعض الناس على بعض من العلوية أو العثمانية أو
غيرهم فينتقد عليه ذلك كان يدعهم حتى يأخذون مجالسهم وكان بعضهم يعرف حق بعض فإذا قدم الحاج جعل جوابًا على بابه فيأذن أولًا لأهل المدينة فإذا دخلوا قال للبواب تنح.
قال ابن قعنب ما رأيت قط أشد وقارًا من مجلس مالك، لكأن الطير على رؤوسهم.
قال ابن أبي أويس: كان مالك إذا جلس للحديث توضأ وجلس على صدر فراشه وسرح لحيته وتمكن في جلوسه بوقار وهيبة.
ثم حدث فقيل له في ذلك، فقال أحب أن أعظم حديث رسول الله ﷺ ولا أحدث به إلا على طهارة متمكنًا وكان يكره أن، يحدث في طريق قائمًا ومستعجلًا وقال أحب أن أفهم حديث رسول الله ﷺ، قال ابن المنذر وكان مالك لا يوسع لأحد في حلقته ولا يرفعه يدع أحدهم حيث انتهى به مطرف وإسماعيل (كذا) قال ابن أبي أويس كان إذا جلس للحديث قال ليليني منكم ذوو الأحلام والنهى.
قال إسماعيل فربما قعد القعنبي عن يمينه.
قال ولم يكن يجلس على المنصور إلا إذا حدث عن رسول الله ﷺ.
قال أبو مصعب كان مالك لا يحدث إلا على وضوء إجلالًا منه لحديث رسول الله ﷺ.
قال مصعب بن عبد الله كان مالك إذا سئل الحديث توضأ وتهيأ ولبس ثيابه فقيل له في ذلك فقال: إنه حديث رسول الله ﷺ.
قال عبد الله بن المبارك: وكنت عند مالك وهو يحدثنا فلدغته عقرب ستة عشر مرة ومالك يتغير لونه ويصبر ولا يقطع حديث رسول الله ﷺ
فلما فرغ من المجلس وتفرق الناس قلت يا أبا عبد الله لقد رأيت منك اليوم عجبًا قال إنما صبرت إجلالًا لحديث رسول الله ﷺ.
قال يحيى
[ ١ / ١٥٥ ]
ابن يحيى الأندلسي كنت جالسًا عند مالك فوقعت على رأسه وزغتان فمرتا على قلنسوته ثم دنتا إلى عنقه حتى دخلتا تحت طوقه حتى خرجتا من تحت ثيابه وما نفضهما وما حل صفوته.
قال مصعب الزبيري كان حبيب يقرأ على مالك وأنا على يمينه وأخي عن شماله وهو أقرب إلى مالك.
وكان أسن مني وكان حبيب يقرأ لنا عشية من ورقتين إلى ورقتين ونصف ولا يبلغ ثلاثًا والناس ناحية لا يدنون ولا ينظرون فإذا خرجنا جاءنا الناس فعارضوا كتبهم بكتبنا.
قال وجئنا يومًا إلى أبينا بالعرصة لنقيم عنده ونسير بالعشي إلى مالك فأصابتنا سماء يمًا فلم نأته تلك العشية ولم ينتظرنا وعرض عليه الناس فأتيناه بالغد فقلنا له يا أبا عبد الله أصابتنا أمس سماء ثقلتنا عن حضور العرض، فاردد علينا قال لا.
من طلب هذا الأمر صبر عليه.
قال جعفر ابن إبراهيم كلم صديق لأبي، مالكًا أن أسمع منه فأذن فكنت اختلف إليه وأنا مدل بنسبي من الرسول ﵊ وموضعي، فأنخطأ الناس إلى وساد مالك فلا يتزحزح ويريني أنه لم يدنيني احتقارًا لي.
فشكوت ذلك إلى أبي وغيره فبعثوا إليه يسألونه إكرامي وأثرتي فقال للرسول ما هو عندنا وغيره إلا سواء.
إنما هي عافاك الله مجالس علم السابق إليها أحق بها.
فكنت أني وقد أحدق الناس فما يوسع لي فاستدني حيث وجدت.
قال ابن وهب كنا إذا جلسنا إلى مالك فإنما يتساءل الناس بينهم فإذا اختلفوا
وأرادوا أن يرفعوه إلى مالك فإنما يضم إليه رجل واحد.
بخفض الصوت مع الإجلال والهيبة فيقول ما تقول أصلحك الله في كذا وكذا.
قال فإن كان الرافع المصيب قال له وفقك الله، وإن، كان الآخر قال له ذلك فأيهم ناداه بالتوفيق علم أنه المصيب.
قال عبد الرزاق بينما نحن في المسجد
[ ١ / ١٥٦ ]
الحرام فقيل لنا هذا مالك فلقيناه داخلًا من باب بني هاشم وعليه رداء وقميص صنعاني فطاف بالبيت وخرج ناحية الصفا فصلى ركعتين ثم احتبى.
فلما فرغ احتوشناه كما يصنع أصحاب الحديث فلما جلسنا قام من بيننا كالمغضب.
فجئنا مشائخنا.
أي شيء كتبتك عن مالك فأخبرناهم بالذي فعل.
فقالوا الذي فعلتم لا يحتمله مالك، فلما كان من الغد جئنا واحدًا واحدًا وعلينا السكون فحدثنا وقال الذي فعلتم أمس فعل السفهاء.
قال خالد بن نزار سألت مالكًا عن شيء وكان متكئًا فقال حدثني يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب ثم استوى جالسًا وتجلل بكساه فقال استغفر الله فقلت له في ذلك.
فقال إن العلم أجل من ذلك ما حدثت عن رسول الله ﷺ وأنا متكئ.
قال ابن بكير قام رجل إلى مالك فقال له أعرض؟ قال نعم.
فقال أحدثكم ابن شهاب عن سالم، فقال له مالك أنت ثقيل.
يقوم غير هذا فقام آخر فقال حدثكم ابن شهاب، بلا استفهام، فقال مالك أحسنت.
مثل هذا فليعرض.
ودخل بقية بن الوليد على مالك فقال الناس اليوم ننتفع بأبي محمد يسأل مالكًا مسائل نكتبها عنه.
فسأله عن ست مسائل فأجابه فيها كلها وسأله بعد ذلك فقال له مالك أكثرت خذوا بيد الشيخ فجاء نفسان فأخذا بضبعيه فأخرجاه.
قال ابن المنذر كانت لمالك حلقة يجالسه فيها فقهاء المدينة.
ولم يكن يوسع لأحدهم ولا يرفعه يدع أحدهم يجلس حيث انتهى به المجلس.
حكى الزبير عن عمه مصعب وغير واحد أن هارون لما حج أتى مالكًا فأستأذن عليه حاجبه ثم أذن له.
وفي رواية بعضهم ثم خرج إليه فلما دخل قال يا أبا عبد الله ما حملك على أن أبطأت، وقد علمت مكاني.
وفي رواية حبسنا ببابك.
قال والله يا أمير المؤمنين ما زدت على أن توضأت وعلمت أنك لا تأتي إلا لحديث رسول الله ﷺ، فأحببت أن أتأهب له.
فقال قد علمت أن الله ما رفعك
[ ١ / ١٥٧ ]
باطلًا.
وأخذ بيده فمضى إلى قبر النبي ﷺ، فقال أخبرني عن مكان أبي بكر وعمر من النبي ﷺ فقال كان محلهما منه في حياته كمحلها منه بعد وفاته.
قال هشام بن عيسى لما قدم هارون المدين دعا مالكًا.
فقال مالك: منكم خرج هذا العلم وأولى الناس بإعظامه ومن إعظامكم له ألا تدعوا حملته إلى أبوابكم.
قال قد فعلت يا أبا عبد الله.
وقال بعضهم حج المهدي فدخل المدينة فسار إليه مالك وأظهر من بره وإعظامه
وأمر ابنيه موسى وهارون أن يسمعنا منه.
فبعثوا إليه فلم يصل إليهم وأعلموا المهدي فبعث إليه لم يأتهم؟ فقال يا أمير المؤمنين العلم أهل لأن يوقر ويؤتى.
قال، صدق.
سيروا إليه.
فلما حضروه قالوا له إقرأ علينا.
قال إن هذا البلد إنما يقرأ فيه على العالم كما يقرأ الغلام على المعلم فإذا أخطأ فتاة فانصرفوا عنه، وأعلموا المهدي.
فبعث إليه.
فقال امتنعت أن، تصير إليهم فصاروا إليك فامتنعت أن، تقرأ عليهم.
قال يا أمير المؤمنين سمعت ابن شهاب يقول جمعنا هذا العلم من رجال في الروضة، وهم سعيد بن المسيب وأبو سلمة وعروة والقاسم وسالم وخارجة وسليمان ونافع ثم نقل عهم ابن هرمز وأبو الزناد وربيعة والأنصار وبحر العلم ابن شهاب وكل هؤلاء يقرأ عليهم ولا يقرأون.
قال المهدي اذهبوا فاقرأوا، ففي هؤلاء قدوة.
فكان مؤدبهم يقرأ عليهم.
وفي رواية ابن نافع في هذا الحديث لما دخل مالك على هارون رفع مجلسه وقال لابنيه قوما فاجلسا بين يدي عمكما فقاما فجلسا بين يدي مالك.
فقال حدثهما فتغير وجه مالك ثم التفت إلى هارون وقال أن الله رفعك وجعلك في موضعك الذي أنت فيه للعلم، فلا تكن أول من يضع عز العلم فيضع الله عزك فالتفت هارون إلى ابنيه وقال لهما قوما فإذا مضى عمكما فأتيا
[ ١ / ١٥٨ ]
منزله فاسمعا منه.
فلما انصرف مالك ركبا إليه ونزلا ودقا الباب فلم يفتح لهما فتركا فجلسا على
الباب والريح تضرب وجوههما بتراب العقيق فلما أيسا انصرفا.
قال بعضهم قدم الرشيد المدينة ومالك عليل فبعث إليه أن يأتيه ليسأله عن مسألة، فقال أنا عليل فقال لا بد من لقائك ووجه إليه محفة وحمله على أيدي الخدم.
فلما دخل قام إليه الفضل بن الربيع فسأله عن مسألة فقال مالك يا وغد إليك حملت؟ لأخبرن أمير المؤمنين.
فأكب عليه الفضل يقبله ويستعطفه فلما دخل قام إليه الفضل بن الربيع فسأله عن مسألة فقال مالك يا وغد إليك حملت؟ لأخبرن أمير المؤمنين.
فأكب عليه الفضل يقبله ويستعطفه فلما دخل إلى هارون سأله عما أراد.
وقال مطرف وابن نافع وغيرهما وبعضهم يزيد على بعض، لما قدم هارون المدينة وجه إلى مالك البرمكي وقال له قل له احمل لي الكتاب الذي صنفته حتى أسمعه منك فوجد من ذلك مالك واغتم وقال للبرمكي إقرئه السلام وقل له العلم يزار ولا يزور، وإن العلم يؤتى ولا يأتي فرجع البرمكي إلى هارون فأخبره بذلك، فغضب وأشار عامة أصحاب مالك أن يأتي هارون وقال البرمكي للرشيد يبلغ أهل العراق أنك وجهت إلى مالك فخالفك.
أعزم عليه حتى يأتيك فإذا بمالك قد دخل فسلم وليس معه كتاب، فقال له هارون في ذلك فقال مالك يا أمير المؤمنين إن الله تعالى بعث إلينا محمدًا ﷺ وأمر بطاعته واتباع سنته وأن نرعاه حيًا وميتًا وقد جعلك في هذا الموضع لعلمك فلا تكن أول من ضيع العلم فيضيعك الله.
الله لقد رأيت من ليس هو في حسبك ولا نسبك من الموالي وغيرهم يعز هذا العلم ويجله ويوقر حملته فأنت أحرى أن، تجل علم ابن عمك، ولم يزل يعدد عليه حتى بكى.
ثم قال له حدثني الزهري وذكر حديث ذيل بن ثابت، كنت أكتب بين يدي رسول
الله ﷺ لا يستوي القاعدون من المؤمنين والمجاهدون في سبيل الله وابن أم مكتوم عند النبي ﷺ فقال يا رسول الله قد أنزل الله تعالى في فضل الجهاد ما أنزل وأنا رجل ضرير فهل لي من رخصة، فقال رسول
[ ١ / ١٥٩ ]
الله صلى الله عليه سلم ما أدري.
قال زيد وقلمي رطب لم يجف حتى غشي النبي ﷺ الوحي ووقع فخذه على فخذي فكادت تندق من ثقل الوحي ثم خلا عنه فقال اكتب يا زيد غير أولى الضرر فقال يا أمير المؤمنين هذا حرف واحد بعث فيه جبريل والملائكة مسيرة خمسين ألف عام حتى أنزل على نبيه أفلا ينبغي لي أن أجله وأعزه؟ قال، فقال هارون قم بنا إلى منزلك.
فأتى هارون منزل مالك فدخل مالك واغتسل ولبس ثيابًا جددًا وتطيب ووضع مجامير فيها عود وجلس فقال هات، فقال هارون تقرأ علي.
ما قرأت على أحد منذ زمان.
قال فأخرج عني الناس حتى أقرأه عليك.
فقال مالك إن العلم إذا منع من العامة لأجل الخاصة لم تنتفع به الخاصة.
قال فأمر بعض أصحابه يقرأه فأمر المغيرة على مالك وفي رواية إن الذي قرأه له معن.
قال فكان هارون قد استند إلى جنب مالك فلما بدأ يقرأ له قال يا أمير المؤمنين من تواضع لله رفعه الله.
وفي رواية أبي مصعب من إجلال الله إجلال ذوي الشيبة المسلم.
فقام فقعد بين يديه فحدثه، فلما فرغ عاد إلى مكانه.
قال مالك: لما كان بعد مدة قال لي الرشيد: تواضعنا لعلمك فانتفعنا به، وتواضع لنا علم سفيان بن عيينة فلم تنتفع به.
وكان يأتيهم فيحدثهم.
قالوا وكان رجل قرشي ينتقص مالكًا ويقول بأي شيء هو أكبر منا؟ فلما قدم هارون وجلس الناس قالوا له هذا هارون ومالك يدخل وأنت تدخل فافعل ما فعل.
وأرسلوا معه من ينظر، فتقدم مالك فقال السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته، عمك مالك بن أنس أين يجلس؟ قال: ها هنا تجلس.
وأقبل الرجل خلفه فقبل يدي هارون، فقال هارون لمالك إن رأيت أن تأتي ولديك فتحدثهم يعني ابني هارون.
قال فما رد عليه مالك شيئًا حتى خلا من عنده، فتول إليه فقال أنشدك الله يا أمير المؤمنين أن لا تكون أول من أجرى على يديك ذل العلم.
[ ١ / ١٦٠ ]
قال وما ذاك.
قال أدركت أهل العلم يؤتون ولا يأتون.
فقال له أصبت بل يأتوك.
وخرج مالك.
فقال هارون هذا الذي تلومونني فيه ما رأيت رجلًا اعقل منه، قلت له آنفًا فلم يرد على شيء كراهية أن يخرج منه شيء في ذلك الجمع فلما خلوت خرج لي عما في نفسي مروا له بكذا وكذا جائزة، فكانوا بعد يقولون للقرشي كيف ترى؟ فيقول ذلك رجل معصوم.
قال مطرف دخل مالك على هارون في بعض حاجته فقال له هارون أريد أن تأتيني فتقرأ على كتابك.
فقال مالك العلم يؤتى ولا يأتي.
قال فأرسل إلي من ينسخها قلت نعم.
قال ابن مهدي مشيت مع مالك يومًا إلى العقيق من المسجد فسألته عن حديث
فانتهرني، وفي رواية فالتفت إلي وقال لي كنت في عيني أجل من هذا، أتسألني عن حديث رسول الله ﷺ ونحن نمشي.
فقلت إنا لله ما أراني إلا وقد سقطت من عينه.
فلما قعد في مجلسه بعدت منه فقال ادن ها هنا فدنوت فقال قد ظننت أنا أدبناك تسألني عن حديث رسول الله ﷺ وأنا أمشي سل عما تريد هاهنا.
قال ابن مهدي وسألوا مالكًا بالموسم وهو قائم فلم يحدثهم قال أبو مصعب وسأله جرير بن عبد الحميد القاضي عن حديث وهو قائم فأمر بحبسه.
فقيل له إنه قاض فقال القاضي أحق أن يؤدب احبسوه فحبس إلى الغد.
قال عبد الله بن صالح كان مالك والليث لا يمسان الحديث إلا وهما طاهران.
قال المروي كان مالك إذا جلس معنا كأنه واحد ينبسط معنا في الحديث وهو أشد تواضعًا منا له.
فإذا أخذ في الحديث تهيبنا كلامه كأنه ما عرفنا ولا عرفناه.
ولما حج هاشم بن جريج وهو حدث أتى مالك بن أنس وقد رحل الناس بورقتين من حديث، فقال له: أقرأ هذه الأحاديث فقد مضى الناس.
فقال
[ ١ / ١٦١ ]
مالك ينتظر أحدكم حتى إذا رحل الناس جاء فقال: أقرأ لي، فقد رحل الناس.
فالتفت هاشم إلى مالك فقال أصلحك الله إن تكن حاجة أو أمر تأمر به انتهيت إلى طاعتك ووقفت عند أمرك وفرحت بذلك في نادي قومي، وسدت به على عشيرتي استودعك الله، فإن طاعتك فرض وقولك حكم استودعك الله.
قال مالك مثل هذا طلب العلم، ردوه.
فبعث في طلبه فأتى به فقرأ له ثم انصرف.
قال القروي لما كثر الناس على مالك قيل له لو جعلت مستمليًا يسمع الناس.
قال: قال الله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ولا
تجهروا له بالقول).
وحرمته حيًا وميتًا سواء.
قال ابن مهدي وما أدركت أحدًا إلا يخاف هذا الحديث إلا مالكًا وحماد بن زيد فإنهما كانا يجعلانه من أعمال البر.
وكان مالك يقول لا ينبغي لأحد عنده علم أن يترك التعليم.
قال مطرف: حضرت مالكًا يأتيه الرجل بالدفتر فيسأله أن يجيزه فيفعل وروى ابن وهب عنه أنه رآه مرة فعله ومرة كرهه وأجاز المناولة وقد كتب ليحيى بن سعيد الأنصاري مائة حديث لابن شهاب فقيل له اقرأها عليك؟ قال كان أفق من ذلك.
قال مصعب وسأله المهدي أن يسمع منه كتبه فقال له هذا شيء يطول عليك ولكن أكتبها لك وأصححها وابعث بها إليك، وكان أكثر أمله أن يقرأ عليه على أحد كتاب الموطأ.
وسمعته يأبى أشد الإباء على من يقول لا يجزي العرض وزعم ابن بكير أنه سمع الموطأ من مالك بقراءة نفسه غير مرة، وقال لمالك غير واحد أرأيت ما قرأته عليك أن أقول فيه حدثنان وأخبرنا.
قال نعم.
ألست فرغت لكم نفسي
[ ١ / ١٦٢ ]
وأقمت سقطه وزلله؟ قيل له فيجوز لمن حضر أن يقول ذلك؟ قال: نعم.
وفي سماع ابن وهب سأل رجل مالكًا عن الكتاب يعرض عليك ثم ينقلب به صاحبه فيبيت عنده أيجوز أن أحدثه؟ قال نعم.
وقال مالك في سماع ابن القاسم وابن وهب وغيرهما: العرض أعجب إلي من السماع وأثبت إذا كان الذي يقرأ يتثبت، واستعدى عليه رجل خرساني قاضي
المدينة فقال جئت من خراسان ونحن لا نرى العرض وأبى مالك أن يقرأ علينا.
فحكم القاضي على مالك أن يقرأ له.
فقيل له أصاب الحق؟ قال نعم.
قال الحارث ابن مسكين، كلم بعض الهاشميين مالكًا في أيام الموسم أن يعرض عليه فأبى وقال هي أيام الحج فإذا انقضت فإن شئت عرضت بعد.
فغضب، وقال قد أرادك هارون أمير المؤمنين على هذا فأجبته.
قال مالك قد أراداني فما فعلت.
قال القطان قراءة ابن مهدي على مالك كالحديث لأنه كان يقول سمعت فلانًا يقول سمعت فلانًا يقول قال ابن المديني.
قلت ليحيى: كان مالك يملي عليك قال كنت أكتب بين يديه.
قال مصعب كان مالك يرى الرجل يكتب عنده فلا ينهاه ولكن لا يرد عليه ولا يراجعه وقال أشهب عاب مالك الكتاب للعلم، وقال لم أدرك أحدًا يفعله، إنما كانوا يحفظون قال القطان دخلت المدينة سنة أربع وأربعين ومالك أسود الرأس واللحية والناس حوله سكوت لا يتكلم أحد هيبة له ولا يفتي أحد في مجلس الرسول ﷺ غيره.
فجلست بين يديه فسألته فحدثني فراددته فراددني ثم غمزني بعض أصحابه فسكت.
قال معن كان مالك يتقي في حديث رسول الله ﷺ الباء والتاء ونحوهما.
وروى عنه ابن عمير مثله ذكر ابن وهب
[ ١ / ١٦٣ ]
قال لما أتيت عبد العزيز بن الماجشون لأسمع منه قال لي: إياك وأن تعلم مالكًا أنك تأتيني فلا يحدثك.
كأنه يعلم أنه يغمزه.
قال إسماعيل قال حماد بن أبي حنيفة: أتيت مالكًا فرأيته جالسًا في صدر بيته وأصحابه بجنبتي الباب، له واحد منهما له مجلس (كذا) فقمت على باب البيت قال من أنت؟ قلت فلان أسأله عن مسألة.
قال ادن حتى أقعدني بين يدي فرشه، فلما رأى ذلك أصحابه قاموا جميعًا من مجالسهم فخرجوا من البيت، فقال لي ما كان أبوك يقول في كذا؟ فأخبرته فقال وما كانت حجته؟ فأعلمته، وجعل يسألني عن أشياء من مذهب أبي حنيفة وعن حجته.
ثم قال: سل.
فسألته، فأجابني.
فلما خرجت عاد أصحابه إلى مجالسهم.
قال الحسن بن الربيع البواري كنت على باب مالك فنادى مناديه ليدخل أهل الحجاز فما دخل إلا هم.
ثم نادى في أهل الشام.
في أهل العراق.
فكنت آخر من دخل.
وفينا حماد بن أبي حنيفة فقال السلام عليكم ورحمة الله.
قال فأوما الناس إليه بأيديهم أن اسكت.
فقال أفي صلاة نحن فلا نتكلم؟ فسمعت مالكًا يقول أستخير الله مرتين ثم قال: أخبرنا نافع فحدثنا بعشرين حديثًا ثم قال أخرجوهم فأخذتنا المقارع.
قال الشافعي قرأت الموطأ على مالك ولم يكن يقرأ عليه إلا من فهم العلم وجالس أهله، وكنت قد سمعت من ابن عيينة والزنجي وغيرهما من المكيين ولم يبلغ أحد في العلم مبلغ مالك لحفظه وإتقانه وصيانته.
قال عبد الله بن مطيع أتينا مالكًا فحدثنا بأحاديث فاستزدناه فقال حسب فأخذتنا المقارع.
وسأله رجل مالكًا عن مسألة فلم يجبه فقال له لم لا تجبني.
فقال لو سألت عما تنتفع به أجبتك.
قال
[ ١ / ١٦٤ ]
الشافعي أستأذنت على مالك وكنت أريد أن أسمع منه حديث السقيفة، فقلت إن جعلته أولًا خشيت أن يستطيله ولم يحدثني وإن جعلته آخرًا خشيت أن لا أبلغه، فجعلته بعد عشرة أحاديث.
فأخذت أسأله فلما مرت عشرة، قال حسبك.
فلم أسمعه.
قال بشر بن آدم سأل الأغضب مالكًا عن مسألة ثم عن أخرى فأجابه، ثم عن أخرى فلم يجبه.
فقال له هو لم؟ فقال مالك يا غلام خذ بيده فاذهب به إلى السجن.
قال إني قاضي أمير المؤمنين.
قال ذلك أهون لك.
قال لا أعود.
قال خل سبيله.
قال إسماعيل بن بنت السندي سألت مالكًا عن حديث رسول الله ﷺ إنه رمل من الحجر إلى الحجر قال، فقلت إسناده.
فقال جروا برجله.
قال إسماعيل القواريري دخلت على مالك فسألته الحديث فحدثني أظنه باثني عشر حديثًا، فاستزدته وكان سودان قيام على رأسه فإذا هم حملوني وأخرجوني من داره فرموا بي في الطريق أو نحو هذا.
قال ابن حارث دخل ابن المبارك وأصحابه على مالك فقالا يا أبا عبد الله حدثنا ولا تحدثنا إلا بحديث الزهري، فقال مالك يؤخذ بأيديهم ويقاموا عني فقام القوم فلما كان من الغد قال ابن المبارك لأصحابه إن مالك بن أنس لا يضره ألا تسمعوا منه شيئًا.
فعودوا إلى الرجل، فدخلوا عليه فلما أخذوا مجالسهم اعتبرهم وحدثهم من حديث الزهري كما أرادوا.
قال أبو مسعر كان مالك يسأله عن مسألة وثانية فإذا سئل عن ثالثة قال خذوا بيده فأخرجوه.
قال ابن مهدي لما أراد يحيى ابن أبي زائدة الحج كلم عبد الله بن إدريس أن يكتب له كتابًا إلى المدينة ليسمع منه، وكانت بينهما مودة ففعل، وكان يسمع إذا جاءه يومًا رجل فقال يا أبا عبد الله ما تقول في رجل أوصى لعبده بمائة درهم فقال مالك الوصية
[ ١ / ١٦٥ ]
جائزة.
فقال له يحيى يا أبا عبد الله يوصي بماله لماله؟ فنظر مالك إلى من عنده فقال.
ولتعرفنهم في لحن القول لا تعد إلي.