قال مالك رحمه الله تعالى، فيما روى عنه ابن وهب وابن القاسم: ما أحد ممن نقلت عنه العلم إلا اضطر إلي حتى سألني عن دينه.
قال ابن أبي حازم: رأيت زيد بن اسلم واقفًا يستفتيه.
وقال مالك: قال لي يحيى ابن سعيد حين خرج إلى العراق التقط لي مائة حديث من أحاديث ابن شهاب أرويها عنك.
فكتبتها ثم دفعتها إليه.
قال لي أروها عنك؟ قلت: نعم.
قيل له فسمعها منك؟ قال كان أفقه من ذلك.
قال يحيى بن سعيد: التقى مالك والثوري، فكان الثوري يسأل مالكًا.
فقال معن: رأيت الثوري يزاحمنا على باب مالك.
قال مطروح بن شاكر: جلس ابن شهاب وربيعة ومالك، فألقى ابن شهاب مسألة فأجاب فيها ربيعة، وصمت مالك.
فقال له ابن شهاب: لم لا تجيب قال قد أجاب الأستاذ أو نحوه.
فقال ابن شهاب نفترق حتى تجيب.
فأجاب بخلاف جواب ربيعة.
فقال ابن
[ ١ / ١٣٧ ]
شهاب ارجعوا بنا إلى قول مالك.
قال الدراوردي بينما أنا جالس مع يحيى ابن سعيد الأنصاري وهشام بن عروة إذ سمعت أحدهما يقول للآخر، كم ذا يكون هذا الرجل بين أظهرنا أفلا تأتيه نسمع منه أو نأخذ عنه؟ فقلت في نفسي إن هذا رجلًا ذهب هذان في الأخذ عنه لأهل أن لا أجهله فقاما وقمت معهما، فأتيا باب مالك واستأذنا عليه فلم نلبث أن سمعنا وقع
الوسائد وأذن لهما فدخلا معهما.
فقالا يا أبا عبد الله حدثنا عن ابن شهاب وكان سفيان الثوري إذا سئل عن شاذ الحديث، قال دعوه، فإن الحجازي نهاني عنه، يعني مالكًا.
قال ابن معين سمع يحيى بن سعيد القطان من مالك في شباب مالك.
قال شعبة دخلت لمدينة سنة سبع عشرة بعد موت نافع بسنة وفي بعضها سنة ثمان عشرة وهو أصح.
فرأيت مالكًا له حلقة فإذا اختلف الناس في شيء نظروا إليه ما يقول.
قال القاضي محمد بن أحمد البصري: وفي هذه لسنة سمع شعبة من مالك وسن مالك إذ ذاك نيف وعشرون سنة.
قال ابن أويس كان الناس كلهم يصدرون عن رأي مالك ابن أنس، وكان للأمير عنده رجل يسأله.
وهكذا القاضي والمحتسب.
قال سعيد بن منصور: رأيت مالكًا يطوف وخلفه سفيان الثوري يتعلم منه كما يتعلم الصبي من معلمه، كلما فعل مالك شيئًا، فعله سفيان يقتدي به، وقال ابن عيينة: ما نحن ومالك؟ إنما كنا نتبع آثار مالك.
فإن أخذ عن الشيخ أخذنا عنه.
قال بعضهم كنت عند ابن عيينة فسأله رجل عن الضحية بالليل فقال سفيان لا بأس بها.
فقلت له ابن وهب روى عن مالك أنه لا يضحي بالليل، وقرأ (في أيام معلومات).
فصاح ابن عيينة بالرجل وقال له إن هذا أخبرني عن ابن وهب عن مالك أنه لا يضحي بالليل.
وقد ذكر
[ ١ / ١٣٨ ]
أن ابن وهب هو الذي حكى لابن عيينة قول مالك هذا.
وقال ابن عيينة: حج مالك فضاق الطواف بالناس يأتمون به.
قال يحيى: قال الشافعي أفطرت بالمدينة عند مالك فخرج إلى العيد وصلى وانصرف ونظر إلى الناس عند بيت النبي ﷺ وهو على باب المسجد.
فقال ما لهم؟ قال: انصرفوا يسلمون على النبي ﷺ فرجع إلى الحظيرة التي يطعم فيها المساكين في رمضان، وترك أ، يدخل المسجد فرأيت الناس قد خرجوا من المسجد يتبعون أين مالك؟ وقال عتيق: ما أجمع أهل المدينة على أحد بعد النبي ﷺ إلا على أبي بكر وعمر، ومات مالك ولم نعلم أن أحدًا من أهل المدينة قبل موته إلا وقد أجمع عليه.
وقال حميد بن الأسود ما تقلد أحد من أهل المدينة بعد زيد بن ثابت كما تقلدوا قول مالك.
قال ابن أبي أويس: حضرت الاستسقاء بالمصلى فلما حول الإمام رداءه قام مالك يحول ساجا عليه.
فقام الناس فحولوا أرديتهم.
فلما انصرف مالك قيل له أمن سنة الاستسقاء إذا حول الإمام، أن يقوم الناس يحولوا أرديتهم؟ قال ليس عليهم قيام ويحولون قعودًا، وإنما قمت لأن ساجي كان تحتي فلم أقدر على تحويله حتى قمت.
قال مروان بن عمر ما ترك مالك الرواية عن أحد إلا ضعف.
قال ابن كنانة: قال العمري لمالك بايعني أهل الحرمين وأنت ترى ظلم أبي جعفر.
فقال له مالك تدري ما الذي منه عمر بن عبد العزيز أن يولى رجلًا صالحًا بعده؟ قال لا، قال كانت البيعة ليزيد فخاف عمر بن عبد العزيز إن بايع لغيره أن يقيم يزيد الهيج، ويقاتل الناس فيفسد ما لا يصلح.
فاحتمل العمري عن رأي مالك.
وقال سفيان كان مالك سراجًا.
حج الثوري
[ ١ / ١٣٩ ]
فطفت معه فلم يكن معه كثير أحد، وقدم مالك فطاف فضاق الطواف بالناس، يعني لكثرتهم.
ولما روى مالك عن يزيد بن عبد الله بن الهادي رحل إلى يزيد قريب من ألف راحلة.
فلما أصبح يزيد ونظر إلى كثرة ما غشي بابه قال: ما هذا؟ قيل له إن مالكًا روى عنك.
قال داود بن مهران لما أتيت المدينة حضرت جنازة فلم يبق أحد من بني هاشم (وقريش والناس) إلا حضرها.
فلا خرجت الجنازة قام مالك وقام الناس لقيامه فمضى ماشيًا بين يديها فما رأيت أحدًا خلف الجنازة ومالك أمامهم.
وقال الليث إني لأدعو لمالك في صلاتي، وذكر من حاجة الناس في الفتيا.
قال الشافعي رأيت المغيرة وابن أبي حازم والدراوردي يذهبون مذهب مالك.
قال ابن وهب سألت عبد العزيز بن الماجشون عن مسألة فقال ما يحضرني فيها جواب، ولكن سل مالكًا وأخبرني بما يقول.
فسألته وأخبرته: فقال: مالك سيدنا وعالمنا.
وذكر عبد العزيز بن الماجشون مسألة، اختلف فيها قول أبيه وقول مالك فقال: وبقول مالك أقول، وأميل مع مالك حيثما مال، فإنه كان موفقًا.
قال خالد بن نزار زار مسلم بن خالد الدارنجي مالكًا، فقال له مالك: يا مسلم، ما هذه الأشياء التي تبلغني عنكم، تخالفون فيها أهل المدينة؟ قال يا أبا عبد الله أصلحك الله إني قد جمعت أشياء أريد أن أسألك عنها.
قال مالك هات.
أما أني أحب أن يرشدكم الله ولكني أكره أن خالفوا أهل المدينة إلى غيرهم.
قال محمد بن الحسن أقمت على باب مالك سنتين أو ثلاثًا أسمع منه، وكان يقول إنه سمع منه لفظًا أكثر من سبعمائة حديث.
وقال يحيى بن يحيى التميمي أقمت عند
[ ١ / ١٤٠ ]
مالك بن أنس بعد كمال سماعي منه سنة أتعلم هيئته وشمائله فإنها شمائل الصحابة والتابعين ونحو هذا.
وقال محمد بن عبد الحكم: كان الشافعي إذا سئل عن شيء يقول هذا قول الأستاذ يعني مالكًا وقال فيه مالك أستاذي ومالك معلمي وعنه أخذنا العلم.
وما أحد أمن علي من مالك وإنما أنا غلام من غلمان مالك، وجعلت مالكًا حجة بيني وبين الله.
وقال ابن وهب: لولا أن الله استنقذنا بمالك والليث لضللنا.
وسئل مالك عن عبد الله بن عبد الرحمان الأنصاري الذي يحدث عنه ابن سمعان فقال: ما أعرفه.
فقال الناس: رجل من أهل المدينة من الأنصار ويروى عنه لا يعرفه مالك؟ فاتهمه الناس.
فقال علي ابن المديني: إذا حدث مالك عن رجل من أهل المدينة ولا تعرفه فهو حجة، لأنه كان ينتقي.
وقال علي: مالك أستاذي في أهل المدينة.
ويحيى في العراق.
وحكى بعض من ألف في مناقبه أن ابن هرمز مر بدار بعض ذوي الأقدار وهو واقف مع مولاة له: فقال ابن هرمز: يا هذا إنك على الطريق وليس يحل لك هذا.
فقال هذي داري ومولاتي وحشمي.
فما ينكر على مثلي.
وقال لعبيده طؤوا بطنه فوطئوه حتى حمل إلى منزله.
فعاده الناس وفيهم مالك.
فجعل يشكو والناس يدعون له، ومالك ساكت ثم تكلم، فقال: إن هذا لم يكن لك.
تأتي الرجل من أهل القدر على باب داره معه حشمه ومواليه.
فقال ابن هرمز: فترى أني أخطأت؟ قال: أي والله.
وذكر باقي الحكاية.
ولما قدم حماد بن زيد المدينة لم يأته أحد من أصحاب مالك فراح حماد فشكى ذلك إليه.
فقال: أنا أمرتهم بذلك.
فقال ولم؟ يا أبا عبد الله؟ قال
[ ١ / ١٤١ ]
لأنكم يا أهل العراق تكتبون بالمدينة عمن لا شهادة له عندنا.
فيتوهم عليكم أنكم تفعلون هكذا في بلادكم.
فرجع حماد فأسقط عامة علمه.
قال سحنون: جاء وافد أهل مصر سؤلاتهم لربيعة، فوجدوه قد مات.
قال: فلم أرد أن أرجع بغير جواب، فرأيت في المسجد حلقة يخوضون في العلم فجلست إليهم وخبرتهم أمري وقلت لهم إن كان لكم أجيبوني أو فأرشدوني.
فأشار إلي جميعهم إلى مالك بن أنس، وهو يومئذ شاب جالس إلى عمود وحده ولم أدع حلقة إلا جلست إليها، وسألتهم فكلهم يدني عليه فأتيته فأخبرته بخبري وبما دلني القوم عليه، وذكر أنه سأله فكلما قرأ عليه مسألة بكى.
ثم أجابه.
قال سحنون: بكى حين عرفها وعرف أنه احتيج فيها.
قال المغامي عن عبد الملك: سمعت مطرفًا وابن الماجشون يقولان عن مالك في أمهات الأولاد أنهن إذا استحقن يؤخذن قيمة أولادهن حتى استحقت أم ولده محمد وتخاصم فيها وكيل المستحق مع وكيل مالك عند المطلب والي المدينة فقال المطلب: ما أرى أحدًا استشيره في أمره غيره.
فقال وكيل الطالب: تستشيره في أمر نزل به؟ فقال المطلب ليس مثله يتهم، ولو كان صاحبه حاضرًا يعني ابن أبي سلمة استشرناه، فاستشار مالكًا في ذلك، فقال: قد كان رأيي في ذلك ما قد علمت وجرى في الناس حتى رأيت أمرًا شديدًا يعمد إلى أم ولدي، فتستخرج من تحتي وإنما اشتريت من سوق المسلمين، فيحمل علي رزقها أما أفديها بجميع مالي وما ظلم من دفع إليه القيمة.
فحكم بذلك فما سر أهل المدينة سرورهم بهذه الفتيا.
وفي الثمانية (هكذا) والواضحة مثله وأنه قول مالك المقدم.
[ ١ / ١٤٢ ]
وقول ابن كنانة وابن الماجشون.
قال أبو محمد الضراب وغيره وروى عن مالك جماعة من الشيوخ الذين روى عنهم.
منهم يحيى بن سعيد الأنصاري وأبو الأسود بن نوفل وزياد بن سعد وابن شهاب وهشام بن عروة إلى آخر من سواهم.
وأما من روى عنه من أقرانه ممن مات قبله أو بعده فكثير: كان جريج وابن عجلان والدراوردي وعبد الله بن جعفر المديني والليث ونافع القارئ عبد العزيز بن الماجشون والسفياني والحماد المزني، وأبو حنيفة، وصاحبه ووكيع وشعبة والأوزاعي وسواهم، ممن سنذكرهم بعد هذا.
قال غيره ففي رواية هؤلاء المشيخة وأمثالهم عن مالك دليل على عظم شأنه.
قال جعفر الفريابي: لا أعلم أحدًا روى عنه الأئمة والجلة ممن مات قبله بدهر
طويل إلا مالك.
فإن يحيى بن سعيد مات قبله بخمس وثلاثين سنة وابن جريج بثلاثين والاوزاعي بعشرين والثوري بثمان عشرة وشعبة بتسع عشرة.
قال الإمام أبو الفضل ﵁ وأبو حنيفة بثلاثين سنة وهمام بأكثر من ذلك.
وأغرب من هذا الزهري توفى قبل مالك بخمس وخمسين سنة.
قال أبو الحسن الدارقطني: لا نعلم أحدًا تقدم أو تأخر اجتمع له ما اجتمع لمالك.
وذلك أنه روى عنه رجلان حديثًا واحدًا بين وفاتيهما نحو من مائة وثلاثين سنة محمد بن شهاب الزهري وشيخه توفى سنة خمس وعشرين ومائة وأبو حذافة السهمي، توفى بعد الخمسين ومائتين رويا عنه جميعًا حديث الفريعة بنت مالك في سكنى المعتدة.
[ ١ / ١٤٣ ]