قال مطرف، قال مالك: قلت لأمي أذهب فأكتب العلم؟ فقالت تعال فالبس ثياب العلم.
فألبستني ثيابًا مشمرة ووضعت الطويلة على رأسي وعممتني فوقها.
ثم قالت: اذهب فاكتب الآن.
وقال ﵀: كانت أمي تعممني وتقول لي اذهب إلى ربيعة فتعلم من أدبه قبل علمه.
قال ابن القاسم: أفضى بمالك طلب العلم إلى أن نقض سقف بيته فباع خشبه، ثم مالت عليه الدنيا بعد.
وروي مثل هذا عن ربيعة.
قال أنس ين عياض جالست ربيعة ومالك يومئذ معنا وما يعرف إلا بمالك أخو النضر ثم ما زال حرصه في طلب العلم حتى صرنا نقول النضر أخو مالك، وكان لمالك حين طلبه يتبع ظلال الشجر ليتفرغ لما يريد.
فقالت أخته لأبيه هذا أخي لا يأوي مع الناس قال يا بنية إنه يحفظ حديث رسول الله ﷺ.
قال مالك كان لي أخ في سن ابن شهاب فألقى أبي يومًا علينا مسألة فأصاب
[ ١ / ١١٩ ]
أخي وأخطأت فقال لي أبي ألهتك الحمام عن طلب العلم فغضبت وانقطعت إلى ابن هرمز سبع سنين.
وفي رواية ثمان سنين لم أخلط بغيره.
وكنت أجعل في كفي تمرًا وأناوله صبيانه وأقول لهم أن سألكم أحد عن الشيخ فقولوا مشغول، وقال ابن هرمز يومًا لجاريته من بالباب فلم ترَ إلا مالكًا فرجعت فقالت له ما ثم إلا ذاك الأشقر فقال له دعيه فذلك عالم الناس.
وكان مالك اتخذ تبانًا محشوًا للجلوس على باب هرمز يتقي به برد حجر هناك.
وقيل بل من برد صحن المسجد وفيه كان مجلس ابن هرمز.
قال مالك إن كان الرجل ليختلف للرجل ثلاثين سنة يتعلم منه، فظننا أنه يريد نفسه مع ابن هرمز.
وكان ابن هرمز من استحلفه ألا يذكر اسمه في حديث قال ابن عينية شهدت مالكًا يسأل زيد بن عمر عن حديث عمر أنه حمل على فرس في سبيل الله يجعل يرفق به ويسأله عن الكلمة بعد الأخرى والشيء بعد الشيء وكان في خلق زيد شيء.
وقال ابن عبد الحكم قال لي مالك كنا نأتي ابن شهاب في دارة في بني الريل وكانت له عتبة حسنة كنا نجلس عليها نتدافع إذا دخلنا عليه، وقال مالك كنا نجلس
إلى الزهري وإلى محمد بن المنكدر فيقول الزهري: قال ابن عمر كذا وكذا فإذا كان بعد ذلك جلسنا إليه وقلنا له الذي ذكرت عن ابن عمر من حدثك به.
فيقول ابن سالم.
قال مصعب كان مالك يقود نافعا من منزله إلى المسجد وكان قد كف بصره فيسأله فيحدثه وكان منزل نافع بناحية البقيع قال مالك كنت آتي نافعا مولى ابن عمر وأنا يومئذ غلام ومعي غلام لي وينزل إلي من درجة له فيقعدني معه فيحدثني، وقال كنت آتي نافعا نصف النهار وما تظلني الشجر من الشمس إلى خروجه.
فإذا خرج أدعه ساعة كأني لم أرده ثم أتعرض له فأسلم ليه وأدعه حتى إذا دخل البلاط أقول له كيف قال ابن عمر في كذا وكذا فيجيبني ثم أجلس عنه وكان فيه حدة.
وكنت آتي ابن هرمز
[ ١ / ١٢٠ ]
بكرة فما أخرج من بيته حتى الليل.
قال الزبيري رأيت مالكًا في حلقة ربيعة وفي أذنه شنف وهذا يدل على ملازمته الطلبة من صغره كما قال في خبر نافع.
قال ابن أبي زنبر سمعت مالكًا يقول كتبت بيدي مائة ألف حديث وروى عنه ابن إسحاق: ما كتبت عن أحد كتابًا على وجهه إلا عن العلا.
وروى عن ابن وهب عنه أنه قال ما كتبت في هذه الألواح قط قال أحمد بن صالح نظرت في أصول كتب مالك فإذا شبيه باثني عشر ألف حديث.
قال عبد الله بن عمر عامة ما سمعت من ابن شهاب أنا ومالك عرضًا، كان مالك يقرأ لنا وكان حسن القراءة.
وقال ابن مهدي سئل مالك عن سماعه من الزهري فقال: أقل ذلك العرض.
وقال له ابن وهب أكنت تقرأ العلم على أحد؟ قال لا.
وروى عنه أنه قال قدم علينا الزهري فأتيناه ومعنا ربيعة فحدثنا نيفا وأربعين حديثًا ثم أتيناه الغد فقال انظروا كتابًا حتى أحدثكم منه، أرأيتم ما حدثتكم أمس أفي شيء في أيديكم منه؟ فقال له ربيعة ها هنا من ير عليك.
ما حدثت به أمس فقال ومن هو قال: ابن أبي عامر.
قال هات فحدثته بأربعين حديثًا منها.
فقال الزهري: ما كنت أرى بقي من يحفظ هذا غيري.
وقال مالك في رواية أخرى شهدت العيد فقلت هذا اليوم يخلو فيه ابن شهاب فانصرفت من المصلى حتى جلست على بابه فسمعته يقول لجاريته أنظري من على الباب.
فنظرت فسمعتها تقول: مولاك الأشقر مالك.
قال أدخليه فدخلت فقال ما أراك انصرفت بعد إلى منزلك؟ قلت لا.
قال هل أكلت شيئًا قلت لا قال فاطعم قلت لا حاجة لي فيه قال فما تريد قلت تحدثني فحدثني سبعة عشر حديثًا ثم قال وما ينفعك إن حدثتك ولا تحفظها قلت إن شئت
[ ١ / ١٢١ ]
رددتها عليك فرددتها عليه، وفي رواية قال هات فأخرجت ألواحي فحدثني بأربعين حديثًا.
فقلت زدني قال حسبك إن كنت رويت هذه الأحاديث فأنت من الحفاظ قلت قد رويتها فحبذا الألواح من يدي ثم قال حدث فحدثته بها فردها إلي وقال قم فأنت من أوعية العلم.
أو قال إنك لنعم المستودع للعلم.
وروى عنه: حدثي ابن شهاب بأربعين حديثًا ونيف منها حديث السفينة فحفظت.
ثم قلت أعدها علي فإني نسيت النيف على الأربعين فأبى فقلت أما كنت تحب أن، يعاد عليك قال بلى.
فأعادها فإذا هو كما حفظت.
وفي رواية أن ابن شهاب قال له ما استفهمت عالمًا قط.
ثم استرجع وقال ساء حفظ الناس لقد كنت آتي سعيد بن المسيب وعروة والقاسم وأبا سلمة وحميدًا وسالمًا وعدد جماعة فأدور فأسمع من كل واحد من الخمسين حديثًا إلى المائة ثم انصرف وقد حفظته كله من غير أن أخلط حديث هذا، في حديث هذا.
وقال مالك وفي رواية ابن وهب: كنت أجلس إلى ابن شهاب ومعي خيط فإذا حدث عقدت ثم رجعت إلى البيت يعني فكتبتها، قال وفي رواية ابن قيس: كان ابن شهاب إذا جلس يحدث ثلاثين حديثًا فحدث يومًا وعقدت حديثه فأنسيت منها حديثًا.
فلقيته فسألته عنه فقال ألم تكن في المجلس قلت بلى قال فمالك لم تحفظ قلت ثلاثون إنما ذهب عني واحد فقال لقد ذهب حفظ الناس ما استودعت قلبي شيئًا قط فنسيته هات ما عندك فسألته فأنبأني فانصرفت.
وقال عبد العزيز بن عبد الله سئل مالك أسمع من عمرو بن دينار.
فقال رأيته يحدث والناس قيام يكتبون فكرهت أن أكتب حديث رسول الله ﷺ وأنا قائم.
وقال أحمد بن صالح جاء مالك إلى عمر بن دينار فلم يفهم كلامه لأنه كان أهتم فيذهب إلى بيت الزبير يكتب عنه.
قال الزبير مر مالك بأبي الزناد وهو يحدث فلم يجلس إليه.
فلقيه بعد ذلك فقال له ما منعك أن تجلس
[ ١ / ١٢٢ ]
إلي.
قال كان الموضع ضيقًا فلم أرد أن آخذ حديث رسول الله ﷺ وأنا قائم.
وروى أن القصة جرت له مع أبي حازم، قال ابن وهب سئل مالك هل كنتم تتقايسون في مجلس ربيعة ويكسر بعضكم على بعض؟ فقال لا والله.
قال مالك كان أبو عبيدة بن محمد بن عمار بن يسار يقول لنا إذا أخذتم في الساذج تكلمنا معكم وإذا أخذتم في المنقوش قمنا عنكم.
قال ابن أبي أويس سمعت مالكًا يقول: إن هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذونه.
لقد أدركت سبعين ممن يقول قال رسول الله ﷺ عنده هذه الأساطين، وأشار إلى المسجد، فما أخذت عنهم شيئًا، وإن أحدهم لو ائتمن على بيت مال لكان أمينًا إلا أنهم لم يكونوا من أهل هذا الشأن.
وفي رواية ابن وهب وحبيب وابن عبد الحكم نحوه.
وعن مطرف عنه: أدركت جماعة من أهل المدينة ما أخذت عنهم شيئًا من العلم وأنهم ليؤخذ عنهم العلم وكانوا أصنافًا فمنهم من كان يكذب في حديث الناس ولا يكذب في علمه ومنهم من كان جاهلًا بما عنده، ومنهم من كان يزن برأي سوء.
فتركتهم لذلك، وفي رواية ابن وهب عنه: أدركت بهذه البلدة أقوامًا لو استسقى بهم القطر لسقوا، قد سمعوا العلم والحديث كثيرًا ما حدثت عن أحد منهم شيئًا لأنهم كانوا ألزموا أنفسهم خوف الله والزهد، وهذا الشأن يعني الحديث والفتيا يحتاج إلى رجل معه تقى وورع وصيانة وإتقان وعلم وفهم، فيعلم ما يخرج من رأسه وما يصل إليه غدًا.
فأما رجل بلا إتقان ولا معرفة فلا ينتفع به ولا هو حجة ولا يؤخذ عنهم.
وروى عنه ابن كنانة ربما جلس إلينا الشيخ جل نهاره ما نأخذ عنه ما بنا أن نتهمه ولكن لم يكن من أهل الحديث.
قال مالك وكنا نزدحم على درج ابن شهاب حتى يسقط
[ ١ / ١٢٣ ]
بعضنا على بعض، قال وكانت عندي صناديق من كتب ذهبت، لو بقيت لكان أحل إلي من أهلي ومالي
وروى بعضهم عنه أنه قال: كتبت بيدي مائة ألف حديث.
قال مالك أتيت زيد بن أسلم فسمعت حديث عمر أنه حمل على فرس في سبيل الله فاختلفت إليه أيامًا أسأله عنه فيحدثني لعله يدخله فيه شك أو معنى فأترك لأنه كان ممن شغله الزهد عن الحديث.
وقيل له لم لا تكتب عن عطاء قال أردت أن آخذ عنه وأردت أن أنظر إلى سمته وأمرن، فأتبعته.
أتى منبر النبي ﷺ فمسح الغاشية والدرجة السفلى، يعني من المنبر، فلم أكتب عنه إذ ذاك من فعل العامة.
والدرجة السفلى والغاشية شيء أصلحه بنو أمية فلما رأيته لا يفرق بين منبر النبي ولا غيره ويفعل فعل العامة تركته.
وقد روى مالك عن رجل عنه فلعله تركه لما رأى منه ولم يعرف حقيقة ما كان عليه من الفضل والعلم ولهذا ما أراد النظر إليه واختباره.
فلما استبان له بعد ذلك حاله وعلمه وقد فاته أخذ علمه عن غيره.
قال ابن عينية ما رأيت أحدًا أجود أخذًا للعلم من مالك.
وقال رحم الله مالكًا ما كان أشد انتقاده للرجل والعلماء.
وقال ابن المديني لا أعلم أحدًا يقوم مقام مالك في ذلك.
وقال أحمد بن صالح: ما أعلم أحدًا فيه شيء.
روى عن قوم ليس يترك منهم أحد.
وروى عنه ابن وهب أنه قال دخلت على عائشة بنت طلحة فاستضعفتها فلم آخذ عنها إلا كان لأبي مركز يتوضأ هو وجميع أهله منه.
وقال إن كنت لأرى الرجل من أهل المدينة وعنده الحديث أحب أن آخذ عنه فلا أراه موضعًا للأخذ فأتركه حتى يموت فيفوتني.
وقال رأيت أيوب السختياني بمكة حجتين فما كتبت عنه ورأيته في الثالثة قاعدًا في فناء زمزم.
فكان إذا ذكر النبي عنده يبكي حتى أرحمه.
فلما رأيت ذلك كتبت عنه.
قال ابن وهب نظر مالك إلى العطاف بن خالد
[ ١ / ١٢٤ ]
فقال بلغني أنكم تأخذون من هذا.
فقلت بلى.
فقال ما كنا نأخذ الحديث إلا من الفقهاء.