قال الليث قدمنا فإذا عبد العزيز بن أبي سلمة ومالك قد اكتنفا ربيعة وعلاه عبد العزيز، ثم قدمت مرة أخرى فإذا مالك علا عبد العزيز.
قال محمد بن فليح: كنت عند ربيعة ومالك يجلس إليه ثم نبل مالك واحتيج إليه.
فانتقل من مجلس ربيعة وطلب منه العلم فكنت فيمن انتقل إليه من مجلس ربيعة وكنا جماعة أمرني بذلك أبي.
قال سفيان بن عينية: دارت مسألة في مجلس ربيعة، فتكلم فيها ربيعة فقال مالك: ما تقول فيها يا أبا عثمان؟ قال ربيعة: أقول فلا تقول، وأقول إذ لا تقول وأقول فلا تفقه ما أقول.
ومالك ساكت فلم يجب بشيء وانصرفت فلما راح إلى الظهر جلس وحده وجلس إليه القوم، فلما صلى المغرب اجتمع إلى مالك خمسون أو أكثر.
فلما كان من الغد اجتمع إليه خلق كثير.
قال: جلس للناس وهو ابن سبع عشرة سنة وعرفت له الإمامة وبالناس حياة إذ ذاك.
قال ابن المنذر: أفتى مالك في حياة نافع وزيد بن أسلم.
قال ابن عبد الحكم: أفتى مالك مع يحيى بن سعيد.
قال أيوب السختياني: قدمت المدينة في حياة نافع ولمالك حلقة.
قال مصعب: كان لمالك حلقة في حياة
[ ١ / ١٢٥ ]
نافع أكبر من حلقة نافع. وفي رواية زمعة: مكان نافع. قال شعبة: قدمت المدينة بعد موت نافع بسنة ويومين ولمالك حلقة وكان موت نافع سنة سبع عشرة.
قال الإمام أبو الفضل ﵁: هذا كله صحيح، وقد تقدم أن مالكًا جلس للناس ابن سبع عشرة سنة، ومولده سنة ثلاث وتسعين على خلاف فيما قبلها، فيأتي موت نافع وسنه نيف وعشرون سنة، بعد أن جلس للناس بسنتين.
قال ابن وهب: قال لنا مالك يومًا: دعاني الأمير في الحداثة أن أحضر المجلس، فتأخرت حتى راح ربيعة فأعلمته وقلت لم أحضر حتى جئت أستشيرك.
فقال ربيعة: نعم.
قال ابن وهب فقلت: لو لم يقل لك احضر لم تحضر.
ثم قال: يا أبا محمد لا خير فيمن يرى نفسه في حالة لا يراه لها أهلًا.
وفي رواية أخرى لما حضرت مع ربيعة عند السلطان رأيت الكراهية في وجهه.
فقلت له لما خرجنا: إن كنت تكره لم أحضر إنما تعلمنا منك.
فقال: فلا أكره أن يحضر معنا من أنت أفقه منه.
قال مالك: ليس كل من أحب أن يجلس في المسجد للحديث والفتيا جلس.
حتى يشاور فيه أهل الصلاح والفضل وأهل الجهة من المسجد.
فإن رأوه لذلك أهلًا جلس.
وما جلست حتى شهد لي سبعون شيخًا من أهل العلم إني لموضع لذلك.
قال ابن وهب: جاء رجل يسأل مالكًا عن مسألة.
فبادر ابن القاسم فأفتاه فأقفل عليه مالك كالمغضب وقال له: جسرت على أن تفتي يا عبد الرحمن؟ يكررها عليه، ما افتيت حتى سألت هل أنا للفتيا موضع.
فلما سكن غضبه قيل له من سألت؟ قال: الزهري وربيعة الرأي.
قال مالك وربيعة إذا سأل الرجل فلم يفهم عنه يقول له سل هذا.
فأقول للسائل إنما ينهاك عن كذا.
قال ابن بكير وغيره: أول ما بان من فقه مالك أن رجلًا أوصى عند وفاته قد زوج ابنتيه من ابني أخيه
[ ١ / ١٢٦ ]
وقد أخذ مهورهما ومات الرجل فأحضر الوالي، وكان الحسن بن يزيد، الناس، وفيهم ابن أبي ذئب وابن عمران وابن أبي سبرة ومالك وهو حدث وذكر المسألة.
فقال جميعهم ذلك جائز ومالك ساكت.
فقال: ما ترى يا مالك؟ قال: ذلك لا يجوز.
فغضب الجميع وقال ابن أبي ذئب: لا يشاء أن يرد علينا إلا رد.
فقال الوالي: أصاب وأخطأتم.
ثم قال: من أين قلت يا أبا عبد الله هذا؟ قال: أرأيتم إن هديتنا جميعًا إلى زوجيهما فتعلق كلا واحد منهما بهودج واحدة كل واحد يقول هي زوجتي دون الأخرى.
لمن تقضون بها؟ فسكت القوم.
قالوا: أصاب.
قال: فما ترى يا أبا عبد الله.
قال: النكاح مفسوخ حتى تسمى كل امرأة لرجل معين.
وقال ابن الماجشون: مما علم به مالك أن، سارقًا أخذ ومعه قمح وقد سرقه من تلاليس لهذا وهذا، حتى اجتمع قمح كثير فاعترف بذلك فأحضر الوالي من بالمدينة وفيهم ربيعة ويحيى بن سعيد ومعهم مالك على حداثة سنه لمعرفتهم بعلمه، فلما أخذوا مجالسهم سألهم الوالي عن المسألة.
وأخرج القمح فإذا شبيه فكلهم رأى أن عليه القطع ومالك ساكت.
فقال له: تكلم.
قال: لا قطع عليه.
فاستعظم ذلك من هناك.
وسألوه من أين قاله؟ فقال لهم: هل يجب القطع إلا في ربع دينار فصاعدًا فأما أن يسرق من هذا التليس ما يساوي درهمًا ومن هذا ما يساوي درهمًا هكذا فهذا لا قطع عليه.
فانصرف الناس وقد بان فضل علمه.
قال أبو الحسن المطالبي: سأل مالكًا صفوان بن سليم وهو أحد شيوخ مالك الجلة الفضلاء النقاد عن رؤيا رآها في النوم ومالك إذ ذاك غلام صغير السن فقال له: ومثلك يسأل مثلي؟ فقال له: وما عليك يا ابن أخي، رأيت كأني انظر في مرآة.
فقال له مالك: أنت تنظر في أمر آخرتك وما يقربك إلى ربك.
فقال له صفوان: أنت اليوم مويلك ولئن بقيت لتكونن مالكًا اتق الله يا مالك
[ ١ / ١٢٧ ]
إذا كنت مالك، وإلا فأنت هالك.
قال مالك: وكان قبل يدعوني مويلك.
فلما سألني قال يا أبا عبد الله وهو أول يوم كناني فيه.
قال المطالبي: وفي قوله وما عليك إشارة إلى أنه كان عنده متسأهلًا لجواب ما
سأل عنه، ولو لم يكن عنده كذلك لما سأله ولا استحل لنفسه ولا له الغوص في علم الغيب والتلاعب بالنبوءة.
قال الحرث: أوصى ابن هرمز مالكًا وعبد العزيز بن أبي سلمة إذا دخلتما على السلطان فكونا آخر من يتكلم.
فلزم مالك وصيته فبلغني أنه حضر عند الأمير مع ابن أبي ذئب ونظرائه فاستفتاهم في رجل أقر على نفسه بالقتل عمدًا فأفتى كلهم بالقتل إلا أن يعفو الأولياء، ومالك ساكت.
فسأله فقال: انظر وهو مطرق.
ثم سأله فقال: هو القتل حتى أنظر.
فقالوا: ما تنظر رجل أقر أنه قتل عمدًا أي شيء هذا؟ فقال: اين القاتل المقر؟ فإذا فتى حدث السن فقال: منذ كم حبس، قيل: منذ كذا.
فإذا حبسه وإقراره قبل أن يحتلم، فسرح.
وهذا والله أعلم أنه أنكر إقراره ورجع عنه.
قال أحمد بن صالح: كان مالك في ثلاث طبقات، طبقة دونه وأخرى فوقه.
ولم يكن في الثلاث طبقات من يجيد الطلب مثله فاق الثلاث طبقات.
فالتي فوقه من ولد في الثمانين، ابن عجلان وابن أبي ذئب ونمطهم، والتي معه عبد العزيز ابن الماجشون وأبي الزناد وسليمان بن بلال وغيرهم.
والذين دونهم ابن الدراوردي وابن أبي حازم أنس بن عياض.
قال ابن القاسم: قال لي مالك: كنا نجلس إلى ربيعة أربعين معتمًا سوى من لا يعتم ما ندري منهم إلا أربعة، أما أحدهم فغلبت عليه الملوك يعني ابن الماجشون.
وفي رواية شغل بالأغاليط أو نحو هذا.
وأما الآخر فمات يعني كثير بن فرقد.
وأما الثالث فغرب نفسه يعني عبد الرحمن بن عطاء.
وسكت عن الرابع فعلمنا أنه يعني نفسه.
وقيل لأبي حنيفة: كيف رأيت غلمان المدينة؟
[ ١ / ١٢٨ ]
قال: إن نجب منهم فالأشقر الأزرق.
يعني مالكًا.
وفي رواية رأيت بها علمًا مبثوثًا فإن يجمعه أحد فالغلام الأبيض والأحمر.
قال ابن غانم: فذكرت ذلك لمالك، فقال: صدق.
لقيته فرأيت رجلًا له علم وفهم لو بني على أصل، يعني أثر أهل المدينة.
قال ابن أبي أويس: قال مالك: أقبل علي ذات يوم ربيعة فقال لي: من السفلة يا مالك؟ قلت: الذي يأكل بدينه.
قال لي: فمن سفلة السفلة؟ قلت الذي يأكل غيره بدينه.
فقال زه وصدرني.