رحمه الله تعالى
قال القاضي رضي الله تعالى عنه قال معن جاء ابن سرجون الشاعر إلى مالك ﵁ فقال له قلت شعرًا أحب أن تسمعه فقال لا.
وظن أنه هجاء فقال لتسمعنه فأنشد:
سلوا مالك المفتي عن الهوى والغناء … وحب الحسان المعجبات العوارك
فيفتيكم أني مصيب وإنما … أسلي هموم النفس عني بذلك
فهل من محب يكتم الحب والهوى … أثام وهل في ضمة المتهالك
قال فسري عن مالك وضحك وكان قليل الضحك، وقال الزبير بن بكار سأل محمد بن عبد الله مالكًا عن إمرأة أراد تزويجها وذكر قصة.
فقال له مالك تربص فإنها لا تحل لك الآن فقال:
سأخطبها جهدي وإني مخالف … لما قال لي حبر المدينة مالك
يقول وقد حلت تربص فإنما … تربص مثلي لو علمت المهالك
أحرمت تزويج المحبين بينهم … وأنت امرؤ فيما يرى الناس ناسك
وقال محمد بن الفضل المكي مر مالك بقينة تغني وتقول:
أنت أختي وأنت حرمة جاري … وحقيق علي حفظ الجوار
أنا للجار ما تغيب عني … حافظ للمغيب في الأسرار
ما أبالي أكان بالباب ستر … مسبل أم بقي بغير ستار
[ ١ / ٢٣٣ ]
فقال مالك لو غني به حول الكعبة لجاز.
وفي رواية يا أهل الدار علموا فتيانكم مثل هذا.
وقال مالك: قال أبو حازم كان أهل الجاهلية أحسن جوارًا منكم وإلا فبيننا وبينكم قول الشاعر:
ناري ونار الجار واحدة … وإليه قبلي تنزل القدر
ما ضر جار لي أني أجاوره … أن لا يكون لبابه ستر
أعمى إذا ما جارتي برزت … حتى يواري جارتي الخدر
قال مالك لا بأس بالغناء بمثل هذا، قال ابن أبي أويس كنت أمشي مع مالك إذا مولاتي تحمل جرة ماء وتقول:
ليتني أرض لسلمى … فتطأني قدماها
ليتني درع لسملى … ترتديني من وراءها
ليتني خادم سلمى … قاعد حيث أراها
فقال لي: يا إسماعيل، رجل أو إمرأة.
قلت: هي غزال خادم بني عمارة.
قال إنها لفصيحة اللمحة حسنة التأدية.
قال: وسمعني مالك وأنا أنشد:
ودع هريرة إن الركب مرتحل.
فوقف ولا أعلم به، حتى بلغت قوله: علقتها عرضًا. . . . .
الأبيات.
فقال: هؤلاء خمسة مرجومون.
قال مطرف: جاء رجل من أهل الكوفة إلى مالك: فأقام نحو الستين أو السبعين يومًا، فسمع عندها أحاديث، فشكى ذلك إلى مالك وقال: نحن بالعراق نكتب من الحديث في ساعة أكثر من هذا.
فقال له: يا ابن أخي، بالعراق عندكم دار الضرب، يضرب بالليل ويخرج بالنهار.
ثم قال مالك: كانت العراق تجيش علينا بالدنانير والدراهم، فصارت الآن تجيش علينا بالحديث.
وقيل
[ ١ / ٢٣٤ ]
له: إن أهل الشام يقرأون ابراهام.
فقال عليهم بأكل البطيخ.
قال ابن أبي مريم، قال لي مالك: يا مصري، هل على مسجدكم بواب؟ فقلت نعم.
قال هذا سجن وليس بمسجد.
وقال ابن أبي أويس، قال مالك: قدم ابن شهاب الزهري المدينة فغلست إليه، فوجدته في طريق المسجد ومعه غلامه أنس وكان قد زوجه أمة له، فقال له: كيف وجدت أهلك؟ فقال: وجدتها يا مولاي جنة.
فقال ابن شهاب: الحمد لله.
ففطنت وضحكت، فسألني، فقلت: إنه يقول، إنها لم توافقه.
إن في الجنة سعة وبردًا.
فقال كذلك يا أنس؟ قال: إي والله، يا مولاي.
فما زال يضحك ويعيدها إلى أن فاتته الجماعة فصلى في منزله.
قال ابن أبي أويس: جاء رجل وإمرأته إلى مالك، وكل واحد منهما يشكو صاحبه.
فقال مالك للرجل: ما نقمت عليها؟ فقال: تضحك إذا خرجت مني ريح.
قال مالك: فتباعد عنها إذا كان منك ذلك.
فقالت المرأة: هو أصيح من ذلك.
وهو رعد كرعد الخريف.
فقال مالك: احشي أذنيك قطنًا.
فقالت والله لو جلعت في أذني سندان حداد، لنفذه.
فقال مالك اذهبي فاضحكي حيث شئت.
وقال للرجل عليك بالصعتر تداوم عليه.
فانقطع عنه.
وسأل رجل جهيني مالكًا عن يمين حلف بها، فأفتاه بطلاق زوجه البتة.
فقال:
أفض عبرات العين مخضلة تترى … بكا جازع لا يفقه اللوم والزجرا
بكا ذي تميمات بكى غير نازع … بكا نازع في شجوه قد بكى غمرا
فما بعد بت الحبل عن أم معمر … على خلة أبكي واستعتب الدهرا
ولكن سأبكيها واعصارها التي … لهون بها سقيًا لأعصارها عصرا
فلولا اتقاء الله والموت مدركي … وشيكا وبعد الموت أنتظر الحشرا
[ ١ / ٢٣٥ ]
لبتلت دعوى مسلم متبهل … فقد يعلم الله السريرة والجهرا
على مالك أيام يفتيك مالك … ولم يبل عهدًا من مشيء ولا أمرا
ليس التي لو كنت خيرت بينها … وبين يدي لاخترت تب يدي بترا
عشية يفتيني ويزعم أن بي … عزاءًا على هجران رامة أو صبرا
فقد جار في اليوم المدينة مالك … وأجرى لقتلي وهو يلتمس ألأجرا
فرحت وقد أجزت مشورة مالك … نوافذ تحتل الجوانح والصدرا
فما أن أبالي بعدما صرمت محرمًا … بعاقبة لو جاب لي رامس قبرا
وأفنيت عبرات الدموع عليكم … وغادرت دمع العين منحدرًا بترا
قال عمر بن سليم: رأى مالك فتى يمشي مشية منكرة، فقام مالك، فجعل يمشي على جنبه يحكيه، فوقف الفتى.
فقال له مالك: مشيتي حسنة؟ قال لا.
قال فلم تمشيها أنت؟ قال لا أعود.
قال أبو عوف عبد الرحمان ابن مرزوق، وذكر لعبيد الله بن محمد قاضي طرسوس عن بكر المزني، أنه قال: أحق الناس بلطمة من أكل طعامًا لم يدع إليه.
وأحق الناس بلطمتين من قال له صاحب المنزل: أقعد هاهنا.
وأحق الناس ثلاث لطمات من قال لصاحب المنزل: ادع ربة البيت تأكل معنا.
فقال لي: عندي أعجب من هذا، وأطرف من هذا.
كان مالك يومًا جالسًا فأستأذن عليه صديق له، فأذن له، وكان لمالك بطيخة في ناحية، فرمى بمنديل عليها.
فدخل الرجل، فقال له مالك: ها هنا.
فأبى أن يقعد إلا على المنديل، فتفتحت تحته البطيخة.
فقال له مالك: يرحمك الله كنا أبصر بعوار منزلنا منك.
وسأله رجل عمن قال لآخر: يا حمار.
قال يجلد.
قال فإن قال
[ ١ / ٢٣٦ ]
له يا فرس.
قال تجلد أنت.
ثم قال يا ضعيف وهل سمعت أحدًا يقول لآخر يا فرس؟ قال ابن مهدي: قلت لمالك: ارفق علي قد طال مقامي وما أدري ما حدث على أهلي بعدي.
فتبسم وقال: يا ابن أخي، أهلي بالقرب مني، وما أدري ما حدث عليهم.