قال القاضي رضي الله تعالى عنه من مشهور ذلك قول ابن المبارك:
صموت إذا ما الصمت زين أهله … وفتاق أبكار الكلام المختم
وعى ما وعى القرآن من كل حكمة … ونيطت الآداب باللحم والدم
وقال ابن مناذر:
ومن يبغي الوصاة فإن عندي … وصاة للكهول وللشباب
خذوا عن مالك وعن ابن عون … ولا ترووا أحاديث ابن داب
وقال عبد الله بن سالم الخياط:
أدب الوقار وعز سلطان التقى … فهو المهيب وليس ذا سلطان
وأنشدوا لأبي المعافى في مالك وبعضهم يزيد فيها على بعض ويذكر بعضها لأبي المعافى:
ألا إن فقد العلم في فقد مالك … فلا زال فينا صالح الحال مالك
[ ١ / ٢٤٦ ]
فلولاه ما قامت حقوق كثيرة … ولولاه لانسدت علينا المسالك
يقيم سبيل الحق سرًا وجهرة … ويهدي كما تهدي النجوم الشوابك
عشونا إليه نبتغي ضوء ناره … وقد لزم العي اللجوج المماحك
فجاء برأي مثله يقتدى به … كنظم جمان زينته السبائك
وحكى التستري أن مالكًا كان جعل لأبي المعافى أن يجرح من شهد عليه، فشهد عليه المغيرة، فلما مات مالك قال: ألا قل لقوم. . . .
الأبيات:
ألا قل لقوم حير مرحبًا بكم … لمن سال عن فتوى فقد مات مالك
وأنشد الزبير لأبي المغامي أو ابن المغامي يرثي مالكًا:
ألا قل لقوم سرهم فقد مالك … ألا إن فقد العلم إذ مات مالك
وما لي لا أبكي على فقد مالك … إذا عد مفقود من الناس مالك
وأنشد أصبغ لامرأة ترثيه:
بكيت بدمع واكف فقد مالك … في فقده سدت علينا المسالك
ومالي لا أبكي عليه وقد بكت … عليه الثريا والنجوم الشوابك
حلقت بما أهدت قريش وجللت … صبيحة عشر حين تقضى المناسك
لنعم وعانا العلم والفقه مالك … إذا عد مفقود من الناس هالك
أنشد أبو محمد الضراب لبعضهم:
إذا ما عدت العلماء يومًا … فمالك في العلوم هو الضياء
تبوأ ذروة العلماء قوم … فهو كالأرض وهو لهم سماء
[ ١ / ٢٤٧ ]
وأنشدوا:
وفقيه الحرمين مالك … كان إذ يأمر بالأمر يطاع
وأنشد لطالب بن عصمة الأندلسي:
إمام الورى في الهدى والسمت مالك … وفي الفقه والآثار ما أن يدارك
فأراؤه في الفقه يسطع نورها … وتسهد من إيضاحهن المسالك
وآثاره يهدي العباد وميضها … كما تهديهم زهر النجوم الشوابك
له من ذرا العلم السنام وشلوه … وفي سائر الناس الشظا والسوابك
وأ، شد الزبير أيضًا لأبي المعافى:
فدا مالك قوم تمنوا بموته … وما فيهم لو مات عوض ولا خلف
تحمل علم الدين نورًا مثقفًا … بإسناد اقوام ثقات من السلف
فلما أقام الأود من ذي قسيمهم … وكان إليه غاية الرمي والهدف
فما ساعد منهم يقاوم ظفره … إذا قست منهم ساعدًا ببنان كف
وقيل إن مالكًا لما سمع هذا الشعر قال: الله المستعان.
وقال أبو محمد ابن أبي زيد لبعض من ناقض قول مالك رحمه الله تعالى:
تخطيت نجوم السماء … وهذا هو الأمل الكاذب
تروم إمام الهدى مالكًا … وذاك هو الجبل الراهب
فما أثر الدر في صحوة … ومجهوده قائم راتب
بدون منالك من مالك … فدونك هذا الرجاء الخائب
ودونك من دون ما رمته … بعيد كما بعد الثاقب
[ ١ / ٢٤٨ ]
وأنشد عبد السلام بن سليمان:
عادني مالك فلست أبالي … بعد ما عادني ومن لم يعدني
وأنشد أبو مصعب لبعضهم:
ومن لم يجالس مالكًا فهذا نشا … ولما يجالس غيره فهو جاهل
وأنشد التستري لمحمد بن عبد الرحمان البغدادي المعروف بأبي الحسن الصالحي
يرثي مالكًا بقصيدة أولها:
قضى وطرًا من غمه فهو جازع … ولج به طرف من الميل دامع
وأبصر بالأميان عودة دينه … فبات سهيرًا والعيون هواجع
رأى أن أيام الصبا ليس راجع … وإن الهوى في حلة الشيب ضائع
فلا اللهو محمود ولا العيش راجع … ولا الحلم مذموم ولا الجهل نافع
تذكر أن العلم ينهي عن الهوى … وراعته أعلام المشيب الروائع
وبعد هذا أبيات كثيرة، وذكر فيها المدينة فقال:
حرام رسول الله فيها وأمنه … وللزجر والدجال فيها موانع
ويأزر إيمان البلاد إليهم … إذا ظهرت فيها الهنات الفظائع
ومنها أتى البلاد بدينه … كذاك إيمان إلى الدين راجع
ثم قال بعد أبيات:
سقى الله ما ضم النبي محمدًا … من الأرض ما يسقي الغمام الهوامع
إلى روضة التقوى إلى القبلة التي … بها نحر التقوى مصل وراكع
[ ١ / ٢٤٩ ]
إلى خيرة الأصحاب والتابع الذي … به وصلته في الكتاب الذرائع
وجاء لقبر فيه أكفان مالك … أفاويقه والمسبلات المدامع
فنعم أمام العلم والكوكب الذي … أتى نوره في صفحة الدين ساطع
عقيد الهدى فينا ومصباح ديننا … ومن قوله بالحق والرشد واقع
ومن عروة الإسلام في بطن كفه … هي العروة الوثقى وبالحق ساطع
ومن هو خير الناس والعلم هديه … ومن عنده أركانه والشرائع
فإن لم تكن قضى الله صاحبًا … فإنك للأمي بالحق تابع
أقمت لنا دين النبي محمد … وجاريه والصهرين مذ أنت يافع
وعلمك أعلى العلم فرعًا ومخرجًا … كذا كل علم دونه متواضع
إذا قرع الآذان سويت قلبها … وأصغت إليه بالرقاب المسامع
وما علم من لم يستمع قول مالك … ولم يعتقده قلبه فهو صائغ
ولم يهد بالبرهان من علم مالك … وما طويت أخباره والجوامع
لعمري قد أورثتنا العلم خالصًا … وقد أوحشت منك الديار البلاقع
تعلت إلينا عن مصابيح ديننا … بتوفيق رب فضل جدواه واسع
فإن لم تكن فينا فعلمك بيننا … ندافع عنه من نشا ونصارع
بكل بيان من كتاب وحجة … لها في قلوب المؤمنين مواقع
ستبكيك أرض الناس والناس فوقها … وتبكيك في الجو النجوم الطوالع
وحكى التستري أن أبا المعافى سجنه والي المدينة العباس بن محمد في أمر رجع إليه فكتب إلأى مالك رحمه الله تعالى بشعر يقول فيه:
ألا أن عمر العلم في عمر مالك … فلا زال فينا صالح الحال مالك
[ ١ / ٢٥٠ ]
الأبيات:
فما فرغ منها حتى رئي الحياء في وجه مالك، ثم أطرق فرفع رأسه وقال: إن الله فرض الفرائض وجعل حد الزاني الرجم إذا أحصن وجلد مائة إذا لم يحصن وجلد ثمانين إذا قذف محصنة وإذا سرق ما فيه القطع قطع، ولم أسمع الله حكم بالسجن في شيء من حدوده.
فرجع ذلك إلى العباس فأرسل إلى مالك ليسأله، فقال اليوم بعد ثلاثة أشهر أرى أن يفتح عليه الباب وتستحله فيما مضى، فخلى سبيله.
فكان أبو المعافى ينشد ويعرض بالقريشيين الذين أفتوا بحبسه: فدا مالكًا قوم. . . .
الأبيات.
وأنشد لابن سليمان أخو بني خضرة في مالك:
كم فقه الله من جاب بمجلسه … وزاد فقهًا به من فقه عباس
ما ينتهي الناس في الفتوى إذا اجتهدوا … وقايسوك لذي النوكى بمقياس
أنت الفقيه إذا ودت بقيتنا … لا الضارب (فيه) أخماسًا بأسداس
وقال الفقيه محمد بن عمار الكلاعي الميورقي أيضًا من قصيدة منها:
وكن في ذي المذاهب مالكيًا … مدينيًا وسنيًا متينا
مدينة خير من ركب المطايا … ومهبط وحي رب العالمينا
بها كان النبي وخير صحب … وأكثرهم بها أضحى دفينا
ومالك الرضى لا شك فيه … وقد سلك الطريق المستبينا
نظرنا في المذاهب فما رأينا … كمذهب مالك للناظرينا
ومذهبه اتباع لا ابتداع … كما اتبع الكريم الأكرمينا
وعندي كل مجتهد مصيب … ولكن مالكًا في السابقينا
وقد دل الدليل على صواب … يقول به لدى المتحققينا
[ ١ / ٢٥١ ]
وقال الفقيه أبو حفص بن عبد النور الصقلي المعروف بابن الحكار في ذلك:
تأملت علم المرتضين أولي النهى … فأفضلهم من ليس في جده لعب
ومن فقه مستنبط من حديث … رواه بتصحيح الرواية وانتخب
وما مالك إلا الهدى ولذا اهتدت … به أمم من سائر العجم والعرب
وقال أيضًا:
ومالك هو نور قد أضاء لنا … بعلمه فجلونا ظلمة السدف
لا يبتدي سائلًا بالوعد يصرفه … ولا يحيل على الأوراق والصحف
ولا يجيب جوابًا ثم يتبعه … نقضًا ولكن برأي غير مختلف
وقال الفقيه أبو الفضل ابن النحوي في ذلك:
إن الإمام الأصبحي … من النجوم الباهرات
حفظ الله به الحديث … وعده في الحافظات
وتصرفت أراؤه … في المبدآت المبدعات
ومشى على الهدي الذي … يمشي عليه أخو الثبات
أهل المدينة يهتدى … بهم وهم أعلى الرواة
ويحيل بعد قياسه … في المحدثات المشكلات
طلب المعالي فاستوى … فوق المعالي المشرفات
وتشرفت أنواره … لحق البلاد القاصيات
فاطلب منها من يوفق … للصواب وللهداة
[ ١ / ٢٥٢ ]
وللقاضي المؤلف رحمه الله تعالى ورضي عنه:
يا سائلًا عن عميد الهدى والسنن … أطلب هديت علوم الفقه والسنن
وعند قلبك فاشدده على ثلج … لا تطوينه على شك ولا تخن
واسلك سبيل الألى حازوا تقى ونهى … كانوا فبانوا حسان السر والعلن
هم الأئمة والأقطاب ما انخدعوا … ولا شروا دينهم بالبخس والغبن
أصحاب خير الورى أخيار ملته … خير القرون نجوم الدهر والزمن
من اهتدى بهداهم مهتد وهم … نجاة من بعدهم من غمرة الفتن
وتابعوهم على الهدي القويم هم … أهل النهى والتقى والعلم والفطن
واختر لدينك ذا علم تقلده … مشهر الذكر في شام وفي يمن
حوى أصولهم ثم اقتفى أثرًا … نهجًا إلى كل معنى رائق حسن
ومالك المرتضى لا شك أفضلهم … إمام دار الهدى والوحي والسنن
وعنه خذ علمهم إن كنت متبعًا … ودع زخاريف كالأحلام في الوسن
فهو المقلد في الآثار يسندها … خلاف من هو فيها غير مؤتمن
وهو المقدم في فقه وفي نظر … والمقتدي بالهدى في ذلك الزمن
وعالم الأرض ضراب الذي حكمت … شهادة المصطفى بالفضل والمنن
ومن إليه بأقطار البلاد غدت … تقضي المطايا وتصبي يده البدن
من أشرف الخلق طرًا حبه فجرى … طي القلوب كجري الماء في الغصن
وقال كل لسان في فضائله … قولًا وإن نحروا في الوصف عن لسن
عليه من ربه أضفى عوائده … ومن رضاه كصوب العارض الهتن
وجاد ملحده وطفاء هاطلة … تسقي لرحماه مثوى ذلك الحنن
[ ١ / ٢٥٣ ]