قال القاضي رضي الله تعالى عنه: قال عبد العزيز بن يحيى لما قدم أمير المؤمنين المدينة ومعه أبو يوسف والبرمكي وكان قاضيًا، لمالك (كذا) يحب خطه ووقعه.
فقال يحيى: يا أمير المؤمنين إن مالكًا حمل الناس على رأيه ورأى الاستخفاف برأي أهل العراق، فلو جمعت بينه وبين أبي يوسف فإن كان الحق بيده، عرفت ذلك وإن كان الحق بيد غيره عرفت ذلك.
فوجه أمير المؤمنين إليه يقرؤه السلام ويأمره بالمشي إليه.
فكتب إليه مالك إن كان أمير المؤمنين أراد أن يسألني عما أشكل عليه فأرى أن يكتب إلي بذلك ليأتيه فيه الجواب فإني ضعيف البدن لا تحملني رجلاي.
فقال له يحيى يسمع الناس أنك وجهت إلى مالك فلم يأتك فاكتب إليه بعزيمة.
ففعل.
فجاء مالك فدخل عليه متوكئًا على ثلاثة نفر من أصحابه، المغيرة المخزومي وعبد الرحمان بن عبد الله العمري وسعيد بن سليمان المساحقي العامري.
فلما جلسوا وكان هؤلاء الثلاثة يومئذ أشراف المدينة والمنظور إليهم فجاء أبو يوسف حتى جلس مستقبل مالك.
فقال يا أمير المؤمنين أتأذن لي في مناظرة أبي عبد الله؟ فقال: ناظره.
فقال أبو يوسف: إن أبا عبد الله يقول لو أن رجلًا أخذ لوزة فحلف بالطلاق أن فيها توأمًا ثم كسرها كسرًا عنيفًا فلم يعرف ما فيها لكان حانثًا.
فقال المساحقي أتأذن لي يا أمير
[ ١ / ٢٢٠ ]
المؤمنين في الكلام فلصقت بمالك فقلت له إن هذا يعنتك فلا تجبه وأمير المؤمنين لا يكره ذلك، فلما انصرفنا عاد ابو يوسف فلم يجبه مالك وقال إنما حسبته مسترشدًا وأظنه إنما يسأل معنتًا فلا أجيبه.
قال بعضهم سأل أبو يوسف الرشيد أن يأمر مالكًا يناظره فقال ناظره يا أبا الله.
فقال مالك إن العلم ليس كالتحرش بين البهائم والديكة.
فلم يعف هارون عنه وجعل يقول ناظره.
ومالك ساكت.
فقال عبد الملك بن الماجشون إن شيخنا يا أمير المؤمنين قد جل عن المناظرة والكلام ونحن تلاميذه نقوم مقامه فنحن نناظره ونتكلم عنه فإن رأى خطأ لم يسكت عليه.
فقال هارون: ذاك.
فلما تناظرا ذكر أبو يوسف صداق المرأة وقال لها إن تصنع به ما شاءت (إن شاءت) رمت به وجاءته في قميص وإن شاءت جعلته في خيط الدوامة.
فقال مالك لو أن أمير المؤمنين خطب إمرأة من أهله وأصدقها مائة ألف درهم فجاءته في قميص لم يحكم لها بذلك.
ولكن يأمرها أن تتجهز وتتهيأ له بما يشبهه مما يتجهز به النساء فقال هارون أصبت قال وأخذ الحديث إلى أن قال أبو يوسف أجرى النبي ﷺ الخيل في الغابة؟ فقال لا يا أمير المؤمنين إنما هي الغابة.
وهي وراءك.
قال أبو محمد الزهري وقال أبو يوسف لمالك ما تقول في رجل بعث مع رجل دينارًا وبعث معه آخر بدينارين فخلطهما، ثم سقط له منها دينار.
فقل مالك: أما واحد فلصاحب الاثنين لا شك فيه وواحد فيه شك فيتشاطرانه.
قال عبد الملك ابن الماجشون سأل رجل من أهل العراق مالكًا عن صدقة الحبس.
فقال إذا حيزت مضت.
فقال العراقي: إن شريحًا قال: لا حبس عن كتاب
[ ١ / ٢٢١ ]
الله.
فضحك مالك وكان قليل الضحك ثم قال: رحم الله شريحًا، لم يدر ما صنع أصحاب رسول الله ﷺ هنا.
وقال سعيد بن داود بن أبي زنبر: دخل هارون المدينة ومعه أبو يوسف فأتى إليه مالك، فسلم عليه وأبو يوسف عن يسار الرشيد وأبناؤه الأمين والمأمون تجاهه، فلما دخل مالك غمز ابنيه فقال قوما بين يدي عمكما، حتى يخرج.
يعني مالكًا.
قال أبو يوسف: فدخل وكان على مالك ثياب عتيقة سود، فو الله ما رأيت قط أحسن منه فيها.
فتزحزح هارون له حتى أجلسه معه على المنصة فكأن أبا يوسف حسده فقال له ما تقول يا أبا عبد الله في محرم كسر ثنيه ظبي؟ فقال مالك عليه الفدية.
فضحك أبو يوسف وقال: وهل للظبي ثنايا؟ فرفع مالك رأسه إلى هارون وقال له يا سبحان الله ما علمت أن أحدًا يذكر العلم فيضحك.
فلا وقر العلم ولا مجلس أمير المؤمنين وإنما أجبته إن كان الظبي في حالة يكون له سن في موضع الثنايا، ففعله محرم فعليه الفدية وإلا فقد علمته ما علم، وليس هذا ينبغي لناس أن يعلموه ولا هو واجب عليهم.
ولكن ما تقول في إمام عرفة إذا وافق يوم عرفة يوم الجمعة.
هل عليه أن يجهر بالقراءة فإن هذا واجب على المسلمين أن يعملوه.
فقال أبو يوسف يجهر بها.
فقال مالك أخطأت والله ما يذهب هذا على صبيان مكة وسودانهم دون غيرهم،
الجمعة إذا وافقت عرفة لا يجهر فيها يتوارثها الأبناء عن الآباء من لدن رسول الله ﷺ إلى زماننا هذا.
ثم التفت إلى هارون وقال يا أمير المؤمنين سفيه سأل عن مسائل لسفهاء، توليه على أمور المسلمين، وقام فلما كان وقت الرواح عاد إليه وهو متكئ على المغيرة والمساحقي فسلم عليه فالتفت أبو يوسف إلى هارون فقال يا أمير المؤمنين أبو عبد الله لا يحدث عن
[ ١ / ٢٢٢ ]
إباء أمير المؤمنين العباس وعبد الله وعلي، وإنما يحدث عن معاوية ومروان وابنه، قد جعل أحاديثهم سننًا.
قال، ومالك ساكت.
فقال المغيرة يأذن لي أمير المؤمنين في الكلام؟ قال تكلم.
قال تكلم.
قال إن عبد الله يحدث عن غباء أمير المؤمنين العباس وابنه وعن بني أعمامه علي وأولاده وعن أعطاف أمير المؤمنين معاوية ومروان وابنه ولا يحدث عن فلان الفلاني ولا يحدث عن فلان القتات ولا فلان صاحب الشعر وهؤلاء معروفون لا شك فيهم.
يعني الذي روى مالك عنهم.
فنكس أبو يوسف رأسه وسكت.
فقام مالك، فقال يا أمير المؤمنين قد حضرتني العلة التي ذكرتها لتسعفني.
وأما أبو يوسف فرجل بطال ومن علم أن الزمان يفنى والموت يأتي يكون عمله بخلاف عمل يعقوب.
قال سعيد بن أبي مريم ومصعب بن عيد الله: قدم هارون المدينة ومعه أبو يوسف فدخل عليه مالك فرفعه فوق أبي يوسف.
وقال مصعب: فقال مالك أين يجلس الشيخ فقال هارون حيث شاء فجلس فوق
أبي يوسف.
فقال له: يا يعقوب ناظر أبا عبد الله.
فقال أبو يوسف ما تقول في رجل قال لإمرأته أنت طالق ملء سكرجة فأطرق مالك ساعة ثم رفع رأسه، فقال له هارون: أجبه يا أبا عبد الله.
فقال مالك: نظرت مسألة في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ، وقول الصحابة والتابعين فلم أجد أصل مسألته فيها، ولا خير في علم لا يكون فيما ذكرته.
فالتفت هارون إلى أبي يوسف وقال له يا يعقوب إن أبا عبد الله اجتث مسائلك من اصلها.
قال مصعب، فقال: يا أمير المؤمنين ليس عنده في ذلك شيء.
ولو كان لأجاب، وضحك.
فالتفت إليه مالك وقال: ساء ما أدبك أهلك أتضحك
[ ١ / ٢٢٣ ]
في مجلس أمير المؤمنين؟ فخجل أبو يوسف ثم سأل أمير المؤمنين مالكًا عن مسائل فأجابه فيها فسر بذلك.
وكان في المجلس رجل يقال له سندل فقال إن أبا عبد الله مرة يخطئ ومرة لا يصيب.
فقال مالك كذا الناس.
فلما فكر في قوله غضب غضبًا شديدًا ثم قال يا أمير المؤمنين.
قال الله: ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله. . . .
الآية.
وما ظننت أن أحدًا من المسلمين يذكر الله ورسوله فلا يمرض قلبه خوفًا لهما.
قال الله وما كان لمؤمن ولا مؤمنة. . . .
الآية.
فلا عرفتم حق عظمة الله ولا عرفتم قدر رسوله ولا عرفتم حق مجلس أمير المؤمنين ثم قام مغضبًا.
يقول: بليتم وبلي بكم أهل الإسلام وخرج.
فصعب ذلك على هارون وقال لأبي يوسف قم والحق الشيخ وارضه وخرج فوجد مالكًا قد جلس في حانوت صديق له سراج يستريح فيه ابو يوسف على فرس فحل بين يديه، وقال كيف تراني يا أبا عبد الله فنظر إليه وقال مثل قيصر في قومه.
فخجل ومضى.
قال أبو مصعب قال أبو يوسف تؤذنون بالترجيع وليس عندكم عن النبي ﷺ فيه حديث.
فالتفت مالك إليه وقال يا سبحان الله ما رأيت أمرًا أعجب من هذا ينادى على رؤوس الإشهاد في كل يوم خمس مرات يتوارثه الأبناء عن الآباء من لدن رسول الله ﷺ إلى زماننا هذا، أيحتاج فيه إلى فلان عن فلان.
هذا أصح عندنا من الحديث.
وسأله عن الصاع فقال خمسة أرطال وثلث فقال ومن أين قلتم ذلك؟ فقال مالك لبعض أصحابه: أحضروا ما عندكم من الصاع فأتى أهل المدينة أو عامتهم، من المهاجرين والأنصار وتحت كل واحد منهم صاع.
فقال: هذا صاع ورثته عن أبي جدي صاحب رسول الله ﷺ.
فقال مالك هذا الخبر الشائع عندنا أثبت من الحديث.
[ ١ / ٢٢٤ ]
فرجع أبو يوسف إلى قوله.
قال معن: دخل مالك على هارون وعنده أبو يوسف فلم يزل هارون يدنيه حتى أخذ بيده وأجلسه إلى جنبه، وجعل يسأله يا أبا عبد الله يا أبا عبد الله.
فقال له أبو يوسف كيف أنت يا أبا عبد الله؟ فأعرض عنه فقال هارون هذا قاضينا.
فأعرض عنه.
وسأله أبو يوسف عن مسألة فلم يجبه.
فقال له هارون أجبه.
فقال مالك وهو معرض عنه إذا رأيتنا جلسنا إلى أهل الباطل فتعالى أجيبك.
قال ابن حنبل: سأل أبو يوسف مالكًا عن مسألة عند هارون، فقال أبو يوسف لهارون قل له يجبني.
فقال ساء ما أدبك أهلك.
ودخل محمد بن عجلان على مالك وكانت فيه حدة.
فقال له وهو قائم: أرأيت الذي يفتي الناس فيه أن محرم رسول الله ﷺ من ذي الحليفة؟ فقال له مالك: إن جلست فاستمعت كلمتك.
فجلس.
فقال له مالك: أرأيت إن كان ماقلت أن محرم رسول الله ﷺ من البيداء، أليس يأتي على ذلك ويدخل فيه ما أقول؟ قال بلى.
فقلت أفرأيت ما أقول إن محرمه ﷺ من المسجد أليس يخرج من ذلك من عمل بما تقول، وقد اختلف في ذلك؟ فالحيطة في مسجد ذي الحليفة والحديث فيه أقوى، وقد قال ابن عمر بيداؤكم هذه التي تكذبون فيها على رسول الله ﷺ وأكثر الرواية عنه وكان معه في صحبته يدون أفعاله ليفعلها ويستقريها حتى إن كان ليخرج إلأى الحج والعمرة فيتحرى في بعض المواضع التي عرف مواطئ أخفاف راحلة النبي ﷺ، وعاش بعده ثلاثًا وستين سنة، ويرى ما فعل أصحاب رسول الله ﷺ.
فلم يزل يكلمه حتى تبين لابن عجلان قوله.
فقام إلى رأس مالك فقبله.
قال حامد بن يحيى
[ ١ / ٢٢٥ ]
وغيره وبعضهم يزيد على بعض: فأتيناه بالخبر كاملًا بزيادته.
اجتمع عند أمير مكة مالك بن أنس وعمر بن قيس المعروف بسندل أخو حميد بن قيس فقيل لعمر: هذا رجل من ذي أصبح.
قال وأنا رجل من ذي أمسى.
وأقبل على مالك، فقال له: ما تقول فيمن كسر ثنية ظبي؟ فقال عليه ما نقصته.
فقال عمر: الأحيان يخطئ والأحيان لا يصيب.
فقال مالك هكذا الناس.
ثم فطن فقال عمر: لا لكن هذا أنت فقام مالك على الأمير وقال ما ظننت أن ألأمير يحضر مجلسه اللعابين.
ثم قال من هذا قيل عمر بن قيس أخو حميد.
فقال لو علمت أن لحميد أخًا مثل هذا ما رويت عنه.
قال أبو داود السجستاني: أسقطه عمر بن قيس بهذا المجلس.
وقال غيره: حج مالك فجلس عند الميزاب في ظل الكعبة وكثر الناس عليه يستفتونه، فإذا جاء يسأله عن الحج فقال أفرد أفرد هي سنة النبي ﷺ فأتاه عمر بن قيس فوقف عليه وقال: يا مالك أنت هالك.
جلست في حرم الله تضل حجاج بيت الله تقول أفردوا أفردوا أفردك الله.
فقام إليه الناس فقال مالك دعوا المسكين فهو في شر من هذا إنه يشرب الخندريس وفي رواية يستحل شرب الخندريس يعني المسكر من النبيذ.
زاد بعضهم إنه باع مصحفًا فاشترى كلبًا، فولى عمر وقد اسود وجهه، فوضعه
الله إلى يوم القيامة.
وقال أبو مصعب أرسل الوالي إلى مالك بغلام شاب شهد عليه بالسرقة وقد كان أفتى المغيرة بحبسه قال وابن أبي حازم بقطعه، ومدت يده للقطع ثم قال الوالي: اذهبوا إلى مالك فأدخل عليه وقرأت عليه قصة طويلة وشهادات قوية، ثم مر به شاهد شهد أنه نظر إليه يوم سرق فوجده قد أنبت فقال انظروا مع الشاهد غيره.
فلم يوجد فقال أرى شاهدًا واحدًا على الانبات ولم ينظر فيه حتى شك لا قطع عليه.
فقال له الرسول بكم ترى يضرب قال خمسة وسبعين شوطًا ولو احتمل لزدت.
وقدم أبو عبد الرحمان
[ ١ / ٢٢٦ ]
السروجي فأتى مالكًا فجلس بين يديه وعلى مالك رداء عدني اشتراه بخمسمائة درهم فسأله عن رجل مات ولم يحج حجة الإسلام ولا أوصى بها أيحج عنه؟ فقال مالك لا.
فقال له أبو عبد الرحمان ما هكذا يقول علماؤنا.
قال وما يقول علماؤكم؟ فقال حدثنا هشام وذكر الحديث أن النبي ﷺ سمع رجلًا يلبي عن شبرمة فقال له النبي ﷺ عن نفسك لا عن شبرمة.
فقال مالك علماؤنا أعلم من علمائكم تحدثني عن البقالين قال الله تعالى (وأن ليس للإنسان إلا ما سعى) ثم قال أقيموه فأقاموني فبودي لو سكت حتى اسمع منه.
قال الحارث بن مسكين كان ابن هرمز قد أوصى مالكًا وعبد العزيز فقال إذا أدخلتما على السلطان فكونا من آخر من يتكلم عنده.
قال أبو عمر فلعمري لقد لزم مالك ذلك، ولقد بلغني أن بعض الأمراء حضره في جماعة فيهم ابن أبي ذئب فأخرج عليهم قصة قرئت عليهم في رجل أقر على نفسه بالقتل عمدًا فقالوا بأجمعهم نرى عليه القتل ويدفع إلى ولاة المقتول فإن
شاؤوا قتلوا أو عفوا.
ومالك ساكت.
فقال له الأمير ما تقول يا أبا عبد الله فقال منذ كم حبس فقال منذ كذا فإذا إقراره كان قبل أن يحتلم.
قال بعضهم اجتمع مالك والأوزاعي فتناظرا فجعل الأوزاعي يجر مالكًا إلى المغازي والسير فقوي عليه فلما رأى مالك ذلك جره إلى (غيرها من الفقه) فقوي مالك عليه.
[ ١ / ٢٢٧ ]