قال القاضي الإمام أبو الفضل: هو سعيد بن سليمان بن نوفل بن مساحق ابن عبد الله بن مخرمة. وقال ابن شعبان: ليس في رواة مالك سعيد بن عبد الرحمان المساحقي، وإنما هو ابن سليمان. كان من جلساء مالك وأصحابه، وعليه دخل مالك على الرشيد متوكئًا وعلى المخزومي والعامري. وإنما سعيد ابن عبد الرحمان جمحي أخذ عنه أيضًا، وذكره ابن شعبان أيضًا. قال الزبير: كان المساحقي من سراة قريش عقلًا وجلدًا وجمالًا وشعرًا وأدبًا، وعارضة. وكان مسددًا في قضائه. قال ابن شعبان وهو من وجوه أصحاب مالك المدنيين. قال القاضي أبو بكر بن محمد بن خلف المعروف بوكيع في طبقات القضاة: هو أول قاض استقضاه المهدي بالمدينة وأقره الرشيد صدرًا من ولايته. قال ابن الماجشون شهد سعيد بن سليمان عند ابن عمران الطلحي وهو قاض، فرد شهادته. فلما ولي سعيد شهد عنده ابن عمران فنظر في شهادته ففكر قليلًا ثم قال لكاتبه: أجز شهادته يا ابن دينار. فإن المؤمن لا يشفي غيظه. وكتب العباس بن محمد إلى سعيد بن سليمان، وكان ينقلب إلى الحجاز وإلى ماله بالجفر:
أليس إلى نجد وبرد مياهه … إلى الحول أن حم الإياب سبيل
[ ١ / ٢٩٥ ]
وقال له زد إليه. فقال سعيد:
وإن مقام المرء في طلب الغنا … بباب أمير المؤمنين قليل
وذكر المصعب بن عبد الله في كتابه هذه الحكاية فقال: فلما وفد على الرشيد وكان منقطعًا إلى العباس بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس فنزل عليه، وجعل يتقلب إلى المدينة والى ماله بالجفر بناحية ضرية واشتكى عند العباس فجعل العباس يمازحه ويدفعه عن الخروج إلى الحج. قال مصعب: فكتب العباس إلى أبي بيتًا مازح به سعيدًا وقال له زدنا عليه بيتًا، وذكر البيت الأول إلا أنه قال: الحج مكان الحول. قال: فزاد أبي وذكر البيت الثاني وقال الحول، فكان المرء وهو أصح في المعنى وأولى. وقال المساحقي:
وذي إحنة قد قلت ألًا ومرحبًا … له حين يلقاني بحيا ومرحبا
وأعطيته من ظاهري قسمة الرضى … وأدنيته حتى دنا وتقربا
فصلت به مستكمل الكف صولة … شفيت به أضغان من كان مغضبا
وله إلى عمرو بن عبد الرحمان العامري:
بلوت إخاء الناس يا عمرو كلهم … وجربت حتى أحكمتني تجاربي
فلم أر ود الناس إلا رضاهم … فمن يذر أن يعتب فليس بصاحبي
فخذ عفو من أحببت لا تحوجنه … فعند بلوغ الكد رتق المشارب
فهونك في حب وبغض فربما … بدا جانب من صاحب بعد جانب
وأنشد ابن الجراح في كتاب الورقة هاته البيتين لابنه عبد الجبار:
[ ١ / ٢٩٦ ]
إن لنا مجلسًا نسر به … عند احتضار الهموم والحزن
ما به من خلة يعاب بها … إلا حنين الفؤاد للوطن
وابنه عبد الجبار يأتي ذكره في طبقة بعد هذا إن شاء الله تعالى. قال مصعب:
ومات سعيد وهو عند العباس وأمه أمة الوهاب ابنة عمر بن مساحيق.