قال القاضي رضي الله تعالى عنه. سئل عيسى بن عمر المدني، أكان مالك يغشى الأمراء؟ قال لا.
إلا أن يبعثوا إليه فيأتيهم وقيل لمالك تدخل على السلاطين وهم يظلمون ويجورون؟ فقال: يرحمك الله وأين المتكلم بالحق؟ وقال مالك حق على كل مسلم أو رجل فعل الله في صدره شيئًا من العلم والفقه أن يدخل إلى ذي سلطان يأمره بالخير وينهاه عن الشر ويعظه حتى
[ ١ / ٢٠٧ ]
يتبين دخول العالم على غيره، لأن العالم إنما يدخل يأمره بالخير وينهاه عن الشر فإذا كان فهو الفضل الذي لا بعده فضل.
قال عتيق بن يعقوب: كان مالك إذا دخل على الوالي وعظه وحثه على مصالح المسلمين، ولقد دخل يومًا على هارون الرشيد فحثه على مصالح المسلمين قال له لقد بلغني أن عمر بن الخطاب كان في فضله وقدمه ينفخ لهم عام الرمادة النار تحت القدور يخرج الدخان من لحيته وقد رضي الناس منكم بدون هذا.
ودخل عليه مرة وبين شطرنج منصوب وهو ينظر فيه فوقف مالك ولم يجلس وقال أحق هذا يا أمير المؤمنين؟ قال لا.
قال: فما بعد الحق إلا الضلال فرفع هارون رجله وقال لا ينصب بين يدي بعد.
وقال لبعض الولاة يومًا أتفقد أمور الرعية فإنك مسؤول عنهم فإن عمر بن الخطاب قال والذي نفسي بيده لو هلك حمل بشاطئ الفرات ضياعًا لظننت أن
الله يسألني عنه يوم القيامة.
وقال الحنيني سمعت مالكًا يحلف بالله ما دخلت على أحد منهم يعني السلاطين إلا أذهب الله هيبته من قلبي، حتى أقول له الحق.
قال خلف بن عمر قلت لمالك الناس يكثرون أنك تأتي الأمراء.
فقال إن ذلك الحمل من نفسي وذلك أنه ربما استشير من لا ينبغي.
قال لي آخر لولا أني رأيتهم ما رأيت للنبي ﷺ في هذه المدينة سنة معمولًا بها. قال ابن وهب وابن عبد الحكم: قال مالك دخلت على أبي جعفر فرأيت غير واحد من بني هاشم يقبل يده المرتين والثلاث فرزقني الله العافية من ذلك فلم أفعل.
وروى أنه كان جالسًا مع أبي جعفر فعطس
[ ١ / ٢٠٨ ]
أبو جعفر فشمته مالك فلما خرج أنكر عليه الحاجب ذلك وتهدده إن عاد لتشميته فلما كان بعد ذلك جلس عنده فعطس أبو جعفر فنظر مالك للحاجب ثم قال للمنصور أي حكم تريد يا أمير المؤمنين أحكم الله أم حكم الشيطان؟ قال لا بل حكم الله.
قال يرحمك الله.
قال يعيش بن هشام الخابوري: كنت عند مالك إذ أتاه رسول المأمون ويقال الرشيد وهو الصحيح ينهاه أن يحدث بحديث معاوية في السفرجل.
قال: ثم تلا مالك قول الله تعالى إن الذين يكتمون ما أنزلنا. . . .
الآية.
ثم قال: والله لأخبرن بها في هذه الصرفة واندفع فقال: حدثنا نافع عن ابن عمر، قال كنت عند رسول الله ﷺ فأهدي إليه سفرجل فأعطى أصحابه واحدة واحدة وأعطى معاوية ثلاث سفرجلات وقال القن بهن في الجنة.
وقال رسول الله ﷺ السفرجل يذهب طحاء القلب.
قال المؤلف رحمه الله تعالى لم يدرك مالك أيام المأمون توفى قبلها وذكر المأمون هنا وهم.
قال الزبيري عن مالك لما دخلت على أبي جعفر وذكر قصته معه في حمل الناس على كتبه نحو القصة التي قدمها.
قال كلمته في الناس وحضضته عليهم وجعل يسألني عن بني وعن ابني وعن أهلي فأخبره، فقال لي أترى أني أعرف منزلك ولا أعرف أمر الناس؟ ثم قال لي إن رابك ريب في عامل المدينة أو سوء سيرة في الرعية فاكتب إلي بذلك أنزل بهم ما يستحقون، وقد كتبت إلى عمالي بهذا أن يسمعوا منك ويطيعوا في كل ما تعهد إليهم فانههم عن المنكر وأمرهم بالمعروف تؤجر على ذلك وأنت حقيق أن تطاع ويسمع منك ثم خرجت فتبعتني صلة ذكر أنها كانت خمسة آلاف وكسوة حسنة ولابنه محمد ألف.
قال فلما لحقه
[ ١ / ٢٠٩ ]
الخصي جعلها على منكبه وكذلك كانوا يفعلون يخرج بها على الناس فانحنى مالك عنها كراهية لذلك فناداه أبو جعفر بلغها إلى رجل أبي عبد الله.
ولما قدم المهدي إلى المدينة جاءه الناس مسلمين عليه فلما أخذوا مجالسهم استأذن مالك فقال الناس اليوم يجلس مالك آخر الناس فلما دنى ونظر إلى ازدحام الناس، قال يا أمير المؤمنين أين يجلس شيخك مالك؟ فناداه عندي يا أبا عبد الله.
فتخطى الناس حتى وصل إليه، فرفع المهدي ركبته اليمنى وأجلسه حتى أتى المهدي بالطست والإبريق فغسل يده ثم قال للغلام قدمه إلى أبي عبد الله فقال له مالك: يا أمير المؤمنين ليس من الأمر المعمول به ارفع يا غلام فأكل معه غير متوضئ فذكر قصته معه في الموطأ وروى أن مالكًا دخل على عبد الملك بن صالح أمير المدينة فجلس ساعة ثم دعا بالطعام والوضوء فقال ابتدئ أولًا بأبي
عبد الله.
فقال له مالك إن أبا عبد الله يعني نفسه لا يغسل يده.
فقال لم؟ قال ليس هذا هو الذي أدركت عليه أهل العلم ببلدنا إنما هو من زي الأعاجم وقد نهى عمر عن أمر الأعاجم وكان عمر إذا أكل مسح يده بباطن قدمه.
- -
فقال له عبد الملك أأترك يا أبا عبد الله؟ فقال أي والله.
فما عاد إلى ذلك عبد الملك بن صالح.
قال مالك ولا آمر الرجل أن لا يغسل يده ولكنه إذا جعل ذلك كأنه واجب عليه فلا.
أميتوا سنة الأعاجم وأحيوا سنن العرب.
أما سمعت قول عمر تمعددوا واخشوشنوا وامشوا حفاة وإياكم وذي العجم.
قال حسين بن عروة ولما قدم المهدي المدينة بعث إلى مالك بألفي دينار أو بثلاثة آلاف دينار مع الربيع فلما خرج من عنده قال يا جارية لا تمسي هذا المال فإني (قد) تفرست حين نظرت وجه الربيع ورأيت فيه أمرًا منكرًا، ولهذا المال سبب
[ ١ / ٢١٠ ]
فلما حج المهدي وقدم المدينة أتاه الربيع بعد ذلك فقال له أمير المؤمنين يقرؤك السلام ويجب أن تعادله إلى مدينة السلام.
فقال مالك اقرئ أمير المؤمنين السلام وقل له: قال رسول الله ﷺ والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون.
والمال عندي على حاله أخرجيه يا جارية.
أخرجيه.
فأبى الربيع أن يقبله فلم يزل به مالك حتى أخذه فأتى الربيع المهدي فغمه رد المال فلما كان وقت رحلته شيعه الناس فوصلهم ووجه إلى مالك فودعه ولم يأمر
له بشيء فلما أتى منزله وجه له ستة آلاف دينار.
فالتفت إلى من كان حاضرًا وقال من ترك شيئًا لله عوضه الله خيرًا مما ترك.
وقال لمالك بعض ولاة المدينة: لم لا تخضب كما يخضب أصحابك؟ فقال مالك لم يبق عليها من العدل إلا أن أخضب؟ وأثني على والي المدينة بحضرته عند مالك فغضب مالك.
ثم التفت إليه وقال إياك أن يغرك هؤلاء بثنائهم عليك، فإن من أثنى عليك وقال فيك من الخير ما ليس فيك أوشك أن يقول فيك من الشر ما ليس فيك فاتق الله في التزكية منك لنفسك وترضى بها من يقولها لك في وجهك فإنك أنت أعرف بنفسك منهم.
فإنه بلغني أن رجلًا امتدح رجلًا عند النبي ﷺ فقال له النبي ﷺ قطعتم ظهره أو عنقه لو سمعها ما أفلح.
وقال النبي ﷺ احثوا التراب في وجوه المداحين وناظر أبو جعفر المنصور مالكًا في مسجد النبي ﷺ فرفع أبو جعفر صوته، فقال له مالك يا أمير المؤمنين لا ترفع صوتك في هذا المسجد إن الله تعالى أدب قومًا فقال: لا ترفعوا أصواتكم في هذا المسجد إن الله تعالى أدب قومًا فقال: لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ﷺ. . . .
الآية ومدح قومًا فقال إن الذين يغضون أصواتهم. . . .
الآية.
وذم قومًا فقال: إن الذين يناودنك. . . .
الآية وإن حرمته ميتًا كحرمته حيًا.
فاستكان أبو جعفر وقال له أبو جعفر أدعو مستقبلًا القبلة أم مستقبلًا رسول الله ﷺ.
فقال ولم تصرف وجهك عنه وهو وسيلتك ووسيلة أبيك آدم إلى الله تعالى
[ ١ / ٢١١ ]
يوم القيامة بل استقبله واستشفع به إلى ربك يشفعك قال الله تعالى: ولو أنهم إذا ظلموا أنفسهم جاؤوك. . . .
الآية.
قال أسامة بن زيد: لما قد أبو جعفر دخلنا مسلمين عليه وأخذنا مجالسنا فبينما نحن كذلك إذ دخل مالك فقال له أبو جعفر إلى ها هنا يا أبا عبد الله.
ولو تركتم قول علي وابن عباس، وأخذتم بقول ابن عمر، قال لأنه آخر من مات من أصحاب رسول الله ﷺ.
فقال المنصور والله يا أبا عبد الله ما بقي على الأرض أعلم مني ومنك.
خذ بقول ابن عمر ودعني مما سواه.
قال مصعب لما قدم المهدي المدينة استقبله مالك وغيره من أشرافها على أميال، فلما أبصر بمالك انحرف المهدي إليه فعانقه وسلم عليه وسايره.
فالتفت مالك إلى المهدي فقال: يا أمير المؤمنين إنك تدخل الآن بالمدينة فتمر بقوم عن يمينك ويسارك وهم أولاد المهاجرين والأنصار فسلم عليهم فإن ما على وجه الأرض قوم خير من أهل المدينة ولا خير من المدينة.
فقال له ومن أين قلت ذلك يا أبا عبد الله؟ قال لأنه لا يعرف قبر نبي اليوم على وجه الأرض غير قبر محمد ﷺ، ومن قبر محمد عندهم فينبغي أن يعلم فضلهم على غيرهم.
ففعل المهدي ما أمره به مالك.
فلما دخل المدينة ونزل وجه بغلة إلى مالك ليركبها ويأتيه فرد البغلة وقال إني لأستحي من الله أن أركب في مدينة، فيها جثة رسول الله ﷺ وأتاه ماشيًا.
وكانت به علة فاتكأ على المغيرة المخزومي وعلى ابن حسن العلوي وعلى ابن أبي علي اللهلي وهؤلاء علماء المدينة وأشرافها.
فلا بصر به المهدي قال يا سبحان الله ترك ركوب البغلة إجلالًا لرسول الله ﷺ
[ ١ / ٢١٢ ]
فقيض الله تعالى له هؤلاء فاتكأ عليهم، والله لو دعوتهم أنا إلى هذا ما أجابوني.
فقال المغيرة يا أمير المؤمنين نحن قد افتخرنا على أهل المدينة لما اتكأ علينا.
واستسقى مالك عند المهدي فأتي بقدح زجاج في أذنه حلقة فضة فأبى أن يشرب فأتي بكوز فخار فشرب فأمر المهدي بالحلقة فقلعت.
قال معن دخل إبراهيم بن يحيى العباسي أمير المدينة يومًا على مالك ومالك حدث عهد بعلة فثبت مالك في مجلسه لم يقم له ولم يوسع، فجلس إبراهيم على أقل فراش مالك، ومالك لا يتزحزح فحادثة ساعة ثم قال له: ما تقول يا أبا عبد الله في محرم قتل قملة؟ قال لا يقتلها.
قال فإنه قتلها فما فديتها؟ قال مالك لا يفعل.
قال فعل.
قال لا يفعل.
قال أقول لك قد فعل فتقول لي لا يفعل.
قال نعم.
فقام إبراهيم مغضبًا وسكت مالك ساعة ثم قال: إما يريدون أن يعبثوا بالدين، إنما الفدية على من قتلها غير غير عامد لقتلها.
وهذا يريد أن لا يبقى في عسكره قملة على أحد من حشمه.
قال معن وسأله إبراهيم هذا مالكًا لأن يكتب له كتابًا فكتب له، ثم دخل عليه مالك يومًا فقال له إبراهيم أحب أن تكتب لي كتابًا مكان ذلك الكتاب فقد ضاع.
فقال مالك لم يضع أصلحك الله قال بلى، وحقك لقد ضاع، فعجل لي تابًا مثله.
قال ما أنا يفاعل.
قال له لم؟ قال لأنه لا يضيع كتاب مثلك.
مر به يطلب تجده إن شاء الله.
ثم عاد إليه بعد فقال علمت يا أبا عبد الله أنا طلبنا الكتاب فوجدناه.
فقال الحمد لله أصبت حين طلبته.
قال عتيق بن يعقوب خرجنا مع مالك إلى المصلى يوم عيد ومالك يمشي، وخرج عبد الملك بن صالح أمير المدينة في سلاح وتعبيه ورايات وأعلام فنظر إليهم مالك فقال إنا لله وإنا إليه راجعون
[ ١ / ٢١٣ ]
ما هكذا كان النبي ﷺ والخلفاء الراشدون.
فبلغ ذلك عبد الملك فأتاه في المصلى.
فقال يا أبا عبد الله ما الذي أنكرت؟ قال ما رأيت معك.
إنما أتى الناس الصلاة خاشعين يرجون المغفرة ولقد أخبرني يحيى بن سعيد أن النبي ﷺ دخل عام الفتح مكة في عشرة آلاف أو اثني عشر الآفًا وكان راكبًا وحط راحلته وتحته قطيفة قيمتها أربعة دراهم منكس الرأس وهو يقول الملك لله الواحد القهار.
وكان يأتي المصلى للعيدين والاستسقاء متوكئًا على عصا أو قوس منكسًا رأسه خاشعًا.
قال عتيق بن يعقوب دخل مالك يومًا على عبد الملك بن صالح وقد غضب على بعض أهل المدينة حتى بلغ ذلك منه.
فقال له مالك قال كعب لعمر في التوارة مكتوب ويل لسلطان الأرض من سلطان السماء.
فقال عمر: لا من حاسب نفسه.
فقال كعب ما بينهما حرف إلا من حاسب نفسه.
ووعظ المنصور في افتقاد أحوال الرعية فقال أليس إذا بكت ابنتك من الجوع جعلت الخادم تحت الرحى لئلا يسمعها الجيران؟ فقال مالك والله ما علم بهذا إلا الله.
فقال له فعلمت هذا ولا أعلم حال الرعية؟ قال بعضهم لما قدم الرشيد المدينة وقال آخر: بعض الخلفاء أراد أن ينقض النبي ﷺ فقال لمالك ما ترى؟ فقال ما أرى.
فغضب وقال: لقد زاد فيه معاوية.
فقال مالك إن المنبر إذ ذاك كان صلبًا فلست آمن إن نقضته أن تذهب البركة منه.
وفي رواية أن يتهافت فيتشاءم الناس منك، ويقولون زال على يده أثر من آثار رسول الله ﷺ.
فقال أحسن الله جزاءك.
فترك ما كان نواه.
قال وشاور المهدي مالكًا في ثلاثة أشياء في الكعبة أن ينقضها ويردها على ما كانت عليه فأشار عليه أن لا يفعل، وفي النبر أن ينفضه ويرده على ما كان عليه وذلك حين أراد أن يرد المنابر كلها صغارًا على منبر النبي ﷺ، فقال له مالك إنما هو من طرفاء وقد سمر إلى هذه العيدان يعني التي زادها معاوية،
[ ١ / ٢١٤ ]
وأخشى إن نقضته أن يخرب وينكسر ولولا ذلك لرأيت أن ترده إلى حالته الأولى، وشاوره في نافع بن أبي نعيم القارئ أن يقدمه للصلاة فأشار عليه أن لا يفعل.
وقال: هو إمام الآف أن يكون منه شيء من الغفلة فيحكى عنه.
قال ابن عبد الحكم: استأذن المهدي على مالك فحبسه ساعة ثم أذن له، فلما دخل قال يا أمير المؤمنين إن العيال سمعوا بمجيئك فأحبوا أن يصلحوا من منزلهم.
قال سعيد بن أبي زنبر: كتب مالك ﵀ إلى بعض الخلفاء كتابًا يعظه فيه: أما بعد فإني كتبت إليك كتابًا لم آل فيه رشدًا ولم أدخر فيه نصحًا.
تحميد الله وأدب رسول الله ﷺ فتدبر ذلك بعقلك ورد فيه بصرك وأوعه سمعك واعقله بعقلك واحضره فهمك ولا تغيبن عنه ذهنك، فإن فيه الفضل في الدنيا وحسن ثواب الله تعالى في الآخرة.
ذكر نفسك غمرات الموت وما هو نازل بك منه وما أنت موقوف عليه بعد الموت من العرض على الله تعالى ثم الحساب ثم الخلود بعد الحساب إما إلى الجنة وإما إلى النار وأعد له ما تسهل به عليك أهوال تلك المشاهد وكربها، فإنك لو رأيت أهل سخط الله وما صاروا إليه من أنواع العذاب وشدة نقمة الله وسمعت زفيرهم في النار وتنهيقهم مع كلوح وجوههم وطول غمتهم وتقلبهم في إدراكها على وجوههم لا يسمعون ولا يبصرون يدعون بالثبور وأعظم من ذلك حسرة إعراض الله تعالى بوجهه وانقطاع رجائهم من روحه وإجابته إياهم بعد طول الغم أن اخسئوا فيها ولا تكلموني لم يتعاظمك شيء من الدنيا أردت به النجاة من ذلك ولا آمنك من هوله ولو قدمت في طلب النجاة جميع ما لأهل الدنيا كان ذلك صغيرًا، ولو رأيت أهل طاعة الله وما صاروا إليه من كرامة الله ومنزلتهم مع قربهم من الله تعالى ونضرة وجوههم ونور ألوانهم وسرورهم بالنظر إليه والمكانة منه، والجاه عنده مع قربه منهم لتقلل في عينك عظيم ما طلبت به الدنيا فاحذر
[ ١ / ٢١٥ ]
على نفسك حذرًا غير تقرير وبادر إلى نفسك قبل أن تسبق إليها وما تخاف الحسرة فيه عند نزول الموت وخاصم نفسك لله تعالى على مهل وأنت تقدر بإذن الله تعالى على جر المنفعة، وصرف الحجة عنها قبل أن يوليك الله حسابها ثم لا تقدر على
صرف المكروه عنها ولا جر المنفعة، وصرف الحجة عنها قبل أن يوليك الله حسابها ثم لا تقدر على صرف المكروه عنها ولا جر المنفعة إليها.
اجعل الله من نفسك نصيبها بالليل والنهار، إن عمرك ينقص مع ساعات الليل.
وأنت قائم على الأرض وهو يساربك، فكلما مضت ساعة من أجلك، والحفظة لا يغفلون عن الدق والجل من عملك حتى تملأ صحيفتك التي كتب الله عليك فعليك بخلاص نفسك إن كنت لها محبًا، فاحذر وما قد حذرك الله منه تعالى فإنه يقول: ويحذركم الله نفسه، ولا تحقر الذنب الصغير مع ما علمت من قول الله تعالى: فمن يعمل مثقال ذرة خيرًا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرًا يره.
وقال: ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد.
وحافظ على فرائض الله واجتنب سخط الله واحذر دعوة المظلوم واتق يومًا ترجع فيه إلى الله والسلام.
وقال ابن نافع الصائغ كتب مالك إلى بعض الخلفاء كتابًا فيه: اعلم أن الله تعالى قد خصك من موعظتي إياك بما نصحتك به قديمًا وأتيت لك فيه ما أرجو أن يكون الله تعالى جعله لك سعادة وأمرًا جعل به سبيلك إلى الجنة فلتكن رحمنا الله وإياك فيما كتبت إليك مع القيام بأمر الله وما استدعاك الله في رعيته فإنك المسؤول عنهم صغيرهم وكبيرهم وقد قال النبي ﷺ كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته، وروي في بعض الحديث أنه يؤتى بالوالي ويده مغلولة إلى عنقه فلا يفك عنه إلا العدل، وكان عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه يقول والله إن هلكت سخلة بشط الفرات ضياعًا لكنت أرى الله تعالى سائلًا عنها عمر.
وحج
[ ١ / ٢١٦ ]
عشرة سنين وبلغني أنه كان ما ينفق في حجة إلا اثني عشر دينارًا.
وكان ينزل في ظل الشجرة ويحمل على عنقه الدرة ويدور في الأسواق يسأل عن
أحوال من حضره وغاب عنه.
وبلغني أنه وقت أصيب حضر أصحاب النبي ﷺ فأثنوا عليه، فقال المغرور من غررتموه، لو أن ما على وجه الأرض ذهبا لا افتديت به من أهوال المطلع.
فعمر رحمه الله تعالى كان مسددًا موفقًا مع ما قد شهد له النبي ﷺ بالجنة، ثم مع هذا خائف لما تقلد من أمور المسلمين فكيف من قد علمت.
فعليك بما يقربك إلى الله وينجيك منه غدًا، أو احذر يومًا لا ينجيك فيه إلا عملك.
ويكون لك أسوة بما قد مضى من سلفك وعليك بتقوى الله فقدمه حيث هممت وتطلع فيما كتبت به إليك في أوقاتك كلها وخذ بنفسك فتعاهدها والأخذ به والتأديب عليه وأسأل الله تعالى التوفيق والرشاد إن شاء الله تعالى.
قال عبد الله بن مسلم الخياط لما قدم الرشيد لبست ثيابًا وغدوت على مالك وقلت يتوكأ علي فأصيب بسببه من أمير المؤمنين مالًا.
فغدا مالك متوكئًا علي يرافقه يحيى.
فأجاز مالكًا بأربعة آلاف دينار وأجاز ابنه بخمسمائة دينار وجاءته من الرشيد صلة، وقال له رجل خراساني ما تقول يا أبا عبد الله في رجل يقوم عليه دينًا أعطى بعضًا وترك بعضًا أله أن يأخذ منه؟ فقال مالك إذا كان الرجل يغني عن المسلمين ما لا يغنيه المسلمون عن نفسه أخذ منه، ولقد كنت أنظر البارحة في قصة المحبين إلى أن طلع الفجر.
وقال الحارث عن ابن القاسم كان مالك يقول أما الخلفاء فلا شك يعني أنه لا بأس به، وأما من دونه فإن فيه شيئًا.
وقال ابن أبي زنبر أجازه هارون بثلاثة آلاف فقال له رجل من الزهاد يا أبا عبد الله ثلاثة آلاف تأخذها من أمير المؤمنين كأنه يستكثرها.
فقال مالك: إذا كان مقدار ما لو كان إمام عدل.
فأنصف أهل المروءة أصابه شبيه لذلك لم أر به بأسًا وإنما أكره الكثير
[ ١ / ٢١٧ ]
الذي لا شبيه أن يستحقه صاحبه.
وسأله غير واحد عن جائزة السلطان فقال لا تأخذها فقال أنت تقبلها فقال أتريد أن تبوء بإثمي وإثمك.
وقال لآخر أجئت تبكتني بذنوبي.
وقال محمد بن سلمة دخل مالك على المهدي فقال له أوصني.
فقال أوصيك بتقوى الله وحده والعطف على أهل بلد رسول الله ﷺ وجيرانه فإنه بلغنا أن رسول الله ﷺ قال المدينة مهاجري وبها قبري وبها بعثتي وأهلها وجيراني وحقيق على أمتي حفظي في جيراني فمن أحفظهم كنت له شهيدًا أو شفيعًا يوم القيامة ومن لم يحفظ وصيتي في جيراني سقاه الله من طينة الخبال.
فأخرج المهدي عطاءًا كثيرًا وطاف بنفسه على دور المدينة فلما أراد الخروج دخل عليه مالك فقال له يا مالك أما أني محتفظ بوصيتك التي حدثتني بها ولئن سلمت لا غفلت عنهم.
وقال أبو مصعب قال لي مالك دخلت على المهدي فذكر له أن النبي ﷺ قال أمرت بقرية تأكل القرى يقولون يثرب وهي المدينة تنقي الناس كما ينقي الكير خبث الحديد.
فأخذ المهدي زئيرة من فراشه وقال والله لا واسيتهم ولو بهذه.
قال مالك ثم دخلت على هارون فسألني عن أهل المدينة فحدثته بأحاديث المهدي فقال لي: ما قال المهدي؟ فأعلمته بما كان فقال أنا ابن أبي هارون الزهري سمعت مالكًا يقول: لما قدم هارون كنت ممن لقيته فقلت يا أمير المؤمنين إن لأهل
المدينة حقًا فاستوص بهم خيرًا.
فقال وما حقهم؟ فقلت هل تعلم أنه يعرف على وجه الأرض قبر نبي غير نبيك محمد ﷺ؟ قال لا.
قلت فلو أن أهل المدينة خرجوا عنها وجب عليك أن تجيء بمن يسكنها ويجاوز قبره، وتجري عليه الرزق؟ فقال لي لو لم أملك
[ ١ / ٢١٨ ]
من الدنيا إلا ردائي هذا لواسيتهم به.
قال مصعب وابن زنبر استفتى والي المدينة مالكًا في مسألة فأبى أن يجيبه وقال كيف أجيبك وقد وليت على المسلمين خيثم بن عراك؟ فعزله وأفتاه.
قال يحيى بن بكير جئت الرشيد في يمين فجمع العلماء فأجمعوا أن عليه عتق رقبة، وسأل مالكًا فقال صيام ثلاثة أيام.
فقال لم أنا معدم؟ وقال عبد الرزاق دخل مالك على لأبي جعفر، فقال من بالباب من أصحاب نافع؟ فقال مالك وعبيد الله بن عمر وابن أبي ذئب.
قال أو ليس يزن بذلك الرأي؟ يعني القدر.
قال يا أمير المؤمنين الحمد لله الذي أسمعناها منك إن كنا لنزنك بها.
قال المفضل بن محمد بن حرب دخل مالك والقاضي ابن عمران في أشراف المدينة على المنصور فكان كل من أراد الانصراف ألقى أبو جعفر كمه فقبله فقال بعضهم لأقتدين اليوم بهذا الشيخ يعني مالكًا فإن قبل الكم قبلت وإن لم يفعل لم أفعل.
فقام مالك وانصرف ولم يقل وأردت ذلك فلم تقلني ركبتاي حتى قبلت.
قال معن أفتى مالك عند والي المدينة بقتل رجل فأمر الوالي بضرب وسطه.
فتهيأ مالك للقيام وقال لا أقعد بمكان يمثل فيه بأحد.
قال الله تعالى (فضرب الرقاب) قال الوالي اقعد أبا عبد الله لا تضرب وسطه
أضربوا عنقه.
[ ١ / ٢١٩ ]