كما كانت المالكية بالمغرب والاندلس السد المانع ضد النحل والزيغ، مع الاعتزال والخوارج والباطنية، والظاهرية والموحدين، ففي المشرق لم يكن نصيبها من الكفاح أقل: ففي حياة الامام ﵁، كان الليث بن سعد ﵀ زميلًا وصديقًا للامام مالك، جمع بين آراء أهل المدينة والعراق أو الكوفة على الاصح. وكانت مصر في عهده منطقة تغلب عليها آراء اهل المدينة. فما أن رجع الليث إلى مصر حتى أخذ يعلم ويفتي بما يخالف عمل أهل المدينة مجتهدًا ومقتنعًا في ذلك بصحة رأيه، وما أن بلغ الخبر إلى مالك حتى أرسل يلومه على ذلك مبينًا له فضل المدينة وأنها بلد الوحي، بها أحل الحلال وحرم الحرام وأكثر اصحاب رسول الله ﷺ إنما عاشوا وماتوا بها، وأن عمل المدينة هو عمل الرسول وأصحابه، ولا يجوز لأحد مخالفتهم فهم السابقون الاولون من مهاجرين وأنصار، وقول من خالفهم لا يعتد به ولو كان معتمدًا على صحابي او عشرة من الصحابة، فأكثر هؤلاء الوارثين للسنة العاملين بها إنما عاشوا بالمدينة وعلموها لاهلها حتى صارت جزءًا لا يتجزأ من حياتهم، ولا قول لمن خالفهم في هذا. وكان رد الليث ردًا رصينًا يدافع عن رأيه دفاع العلماء، مع مروءة وفضل ومجاملة. إلا أن مخالفته لعمل اهل المدينة قد فتحت بابًا جديدًا في الجدل حول هذا الموضوع (^١) فما ان انتقل مالك الى جوار ربه، حتى سلت السيوف على آرائه، فكان السابق الى هذه المعارك محمد بن الحسن الشيباني صاحب أبي حنيفة، الذي أخذ الموطأ عن مالك بعدما تعلم على أبي حنيفة، وكان في أول رجوعه من المدينة معجبًا بمالك (^٢) ولكن بعد توليته القضاء للرشيد.
_________________
(١) انظر رسالة مالك الى الليث من هذا الجزء ورد الليث في اعلام الموقعين ج ٣ ص ٧٢٧.
(٢) انظر ابن حجر تعجيل المنفعة ج ٢ ص ٣٦١ ابن أبي الوفاء ج ٢ ص ٤٢ وما بعدها وكذلك الانتقاء لابن عبد البر ص ٢٦ في الرد على مالك.
[ ١ / ٢٦ ]
أخذ معوله ضد المالكية: وقد فتح الباب على مصراعيه للقول في مذهب مالك، ثم جاء دور الشافعي الذي كان تلميذًا لمالك وجاب الآفاق باحثًا عن تربة صالحة لمذهب جديد فسافر إلى اليمن والعراق ومصر حيث استقر أخيرًا … وكان يعتبر في أول أمره في عداد المالكية ولكنه سرعان ما وجد بعض أنصار الليث متعصبين على مالك، فكتب هنالك رسالته التي طرق فيها نفس الموضوع الذي طرقه الليث، أي إجماع أهل المدينة، الذي هو أحد الأسس المتينة لمذهب مالك (^١)، أخذ الشافعي هذا الموضوع وأنكر صحته، كما حاول تفنيده بنفس الطرق المستعملة عند محمد بن الحسن، والليث بن سعد، ورد ردودًا على المالكية يستبعد أن تصدر من خصم فضلًا عن تلميذ لمالك.
استقبل أتباع مالك الشافعي لما نزل مصر وعدوه واحدًا منهم حتى إنه كان في ضيافة بني عبد الحكم. ولما رأوه قد تغير عليهم وجاءهم بالرأي كما يقولون. تغيروا عليه … وكانت المعركة في الأول تتجاوز حد الكلام اللاذع أحيانًا، من ذلك ما رواه الكندي في قضاة مصر (^٢) أن ابن وهب أحد كبار المالكية في مصر قال: سمعت ابن المنكدر يقول للشافعي: كان أمرنا واحدًا ورأينا واحدًا عندما جئنا إلى هنا، ففرقت بيننا، فرق الله بين روحك وجسدك.
وتحرك أصحاب مالك للرد على الشافعي، فكان أول من كتب في الرد عليه، أحمد بن مروان بن محمد المعروف بأبي بكر المالكي المصري المتوفي سنة ٢٩٠ كتب كتابًا سماه فضائل مالك والرد على الشافعي (^٣) كذلك إسماعيل بن إسحاق قاضي قضاة بغداد. كتب: الرد على الشافعي (^٤) وتلميذه.
_________________
(١) الرسالة ص ١٤٢.
(٢) ط جوتهيل ص ١١٦.
(٣) الديباج ٣٢.
(٤) الديباج ٩٤، ٣٥٢.
[ ١ / ٢٧ ]
الأندلسي يحي بن عمر الكناني دفين سوسه، كتب: الرد على الشافعي (^١) ومحمد بن سحنون أيضًا كتب كتابًا بنفس العنوان، ومعه أبو عثمان سعيد الحداد، الرد على الشافعي. وكتب ابن المواز الإسكندري كتاب: الرد على الشافعي وعلى أهل العراق. وتقدم كل هؤلاء محمد بن عبد الله ابن عبد الحكم بكتابه: الرد على الشافعي فيما خالف فيه الكتاب والسنة (^٢) واشتدت الازمة بين أتباع الإمامين شرقًا وغربًا، وكان العامل الأول بعد الشافعي في إيقاد النار هو أحد تلامذة الشافعي نفسه، وهو الربيع بن سليمان المرادي، كاتب الأم وواضع الردود القارصة على المالكية (^٣) ويصعب جدًا أن تكون تلك الأقوال صادرة من الشافعي ﵁. وجاء في آخر هذا العصر ابن حزم الأندلسي، الذي وان كان ظاهريًا إلا أن مذهبه ما هو إلا إغراق في الشافعية، وجرد قلمه ولسانه على مالك كما جرده على أبي حنيفة، وأخذ في ثلب المذهب وأتباعه لاسيما قاعدتهم الكبرى: العمل بعمل أهل المدينة، فأخذ يعد مثالبها وأنها بلد أكابر المنافقين والكفرة الفجرة وأن لا فضل لها على اية مدينة اخرى من مدن الدنيا. ناسيًا أو متناسيًا الأحاديث الصحيحة الواردة في فضلها والآيات القرانية الكريمة (^٤) وتأزمت الحالة على المالكية بالمشرق، وحتى نفي أحد أعلامها وهو القاضي عبد الوهاب بن نصر البغدادي، نفاه أبو حامد الإسفراييني الشافعي، الذي قاومه كما قاوم بعنف كبير، أبا بكر الباقلاني. وكان الفاطميون بمصر يشدون عليهم الخناق والموحدون ينظرون اليهم شزرًا. فقام عياض بن موسى اليحصبي كرد فعل لكل هذا متحديًا بكتابه المدارك خصوم المالكية شرقًا وغربًا … ويعتبر كتابه كما يقول أستاذنا (Brunshvig) بناية ضخمة
_________________
(١) الديباج ١٢٨
(٢) الديباج ٢٣٦
(٣) انظر الأم [جـ] ٧ صفحات ١٧٧، ١٨٣، ١٨٦، ٢١٤، ١٥ وهنا وهناك.
(٤) الاحكام لابن حزم [جـ] ٣ ص ٢٠٣، ٢٠٠، ٢١٧. [وجـ] ٧ ص ١٧٠، ٧١.
[ ١ / ٢٨ ]
أقيمت على شرف والمجد المالكية (^١) في عصورها المختلفة. يبتدئ المؤلف كتابه الضخم بعد المقدمة بإظهار فضل علم أهل المدينة وترجيحه على غيرهم، بمنطق وحجج مع اطلاع واسع على الفقه والحديث واختلاف الناس، مدافعًا عن نظرية المالكية في العمل بعمل أهل المدينة هذا الموضوع الذي أثار نقمة الخصم والجميع فيه إلب عليهم: «اعلموا اكرمكم الله، أن جميع أرباب المذاهب من الفقهاء والمتكلمين وأصحاب الأثر والنظر إلب واحد على أصحابنا، على هذه المسألة مخطئون لنا فيها بزعمهم محتجون علينا بما سنح لهم، حتى تجاوز بعضهم حد التعصيب والتشنيع إلى الطعن في المدينة وعد مثالبها (^٢)، وهم يتكلمون في غير موضع خلاف. فمنهم من لم يتصور المسألة ولا تحقق مذهبنا فتكلموا فيها على تخمين وحدس، ومنهم من أخذ الكلام فيها ممن لم يتحققه عنا، ومنهم من أحالها وأضاف إلينا ما لا نقوله فيها، كما فعل الصيرفي والمحاملي والغزالي، فأوردوا عنا في المسألة ما لا نقوله، واحتجوا علينا بما يحتج به على الطاعنين على الإجماع». ويأخذ عياض في الرد عليهم بمنطق أرسطاطاليس، ضاربًا في ذلك الأمثلة، موضحًا رأي المالكية ومستنداتهم الشرعية، وأن عمل أهل المدينة لم يعمل به مالك وحده، بل عمل به الصحابة والتابعون وتابعوهم، ومالك أحدهم. فهو في عمله هذا متبع لسنة مضت لا مبتدع في دين الله. ثم يأتي بما دار بين المالكية وبين خصومهم في هذا الموضوع لاسيما الشافعية ويرد على أقوالهم قولًا قولًا. ثم يأتي بباب في ترجيح مذهب مالك على المذاهب الأخرى مستعملا الحجج المنطقية المسكتة كأن يقول: «أبو حنيفة ترك نصوص الأصول وتمسك بالمعقول، وآثر الرأي والقياس
_________________
(١) وما بعدها. Polemiques، autour du rite de Malik، in Revue al Andaluss pp. ٣٧٧.
(٢) يعني بذلك ابن حزم.
[ ١ / ٢٩ ]
والإستحسان ثم قدم الإستحسان على القياس بأبعد ما شاء. وحدّ بعضهم استحسانه: إنه الميل إلى القول بغير حجة، وهذا هو الهوى المذموم والشهوة والحدث في الدين والبدعة.
وأما أحمد وداود فإنهما سلكا اتباع الآثار ونكبا عن طريق الإعتبار، ولكن داود غلا في ذلك فترك القياس جملة، فأحدث هو وأصحابه من القول بالظاهر ما خالف فيه أئمة الأمة فخانه التمسك برفع أدلة الشريعة، وأعرض ما حضت عليه من الإجتهاد والإعتبار. وسمى ما لم يجد فيه نصًا ظاهرًا، عفوًا. وأطلق على بعضه الإباحة، واضطربت أقوال أصحابه في ذلك لضيق المسلك فيه فتهافت مذهبه، واختل نظره، وجاء من اتباع الظاهر بمقالات يمج الكثير منها السمع وينكره.
وقال أحمد: الخبر الضعيف عندي، خير من القياس. وبديهة العقل تنكر هذا. فلا خير في بناء على غير أساس».
ثم شرع في سرد نقط الضعف في الفروع عند المذاهب الثلاثة، جامعًا من كل مذهب أكثر مما جمع أحدهم على المالكية. وهو يقيم الحجة بهذا على وجوب تقليد مذهب مالك وتقديمه على غيره، ولا يعتبر الشافعي من أئمة الفقه، بل مالكيًا مخالفًا لبعض أصول مذهب مالك لا عن دراية بل عنادًا. ثم يشرع عياض في ترجمة الإمام مالك، في نسبه وصباه وتعلمه وجلوسه للتدريس والفتوى ومأكله وملبسه ومجلسه، والرواة عنه. ثم أتباعه مترجمًا لهم واحدًا واحدًا، وانتشار المذهب شرقًا وغربًا حتى في بعض أصقاع نائية انقرض اليوم منها، ثم تأليف كل واحد وتلاميذه مع ما يمس من الحوادث بحياته. وبالجملة فكتاب المدارك، لا يعتبر معجمًا لأتباع مالك فقط، بل كتاب من أهم كتب تاريخ الحضارة الإسلامية.
[ ١ / ٣٠ ]