﷽
مقدمة
يعتقد بعض المؤرخين أن أصل سكان افريقيا كنعانيون أجلاهم نبي الله موسى عن فلسطين. ويقول آخرون: إنهم من عنصرين سامي وحامي، امتزجا ونشأت منهما أمة وشعوب، لا حامية ولا سامية، بل وسط بينهما أو مزيج. وقد تتصل وتتفاعل هذه الشعوب بشعوب أخرى قريبة لها في أصولها. إذ يروي السلاوي أن حمير أبو القبائل اليمنية قد ملك المغرب مائة سنة، وكذلك القرطاجنيون عاشوا ثمانية قرون كاملة على السواحل الإفريقية، وهم ساميون من الشام قريبون في ساميتهم من العرب، هذه المجموعة من الأجناس تكون منها شعب شمال افريقيا، وما جاء الفتح الإسلامي حتى وجد أمما تمت إليه بنسب، وليست غريبة عنه غرابة الرومان أو الاغريق، وإن كانوا قد صمدوا في أول أمرهم للفتح العربي، إلا أنهم ما انفكوا أن اعتنقوا الدين الإسلامي وتكلموا العربية وصهروا في الجنس العربي، وكانوا أول الأمر موالي وجنودًا، وأخرى عربًا يستنكفون أن ينتسبوا لغير العرب إلى يومنا هذا.
في خلافة معاوية كان الفتح النهائي لإفريقيا على يد عقبة بن نافع الفهري في عشرة آلاف فارس عربي، وتأسست القيروان، وخرج عقبة منها، ثم
[ ١ / ٧ ]
رجع إليها في عشرة آلاف أخرى أكثرهم من الأنصار، وتوالى المدد على إفريقيا من المشرق، وكثر عدد العرب النازحين إليها من اليمانيين والشاميين والأنصار، لاسيما في العهد الأموي من الناقمين على الدولة، أو من يحمل مبدأ يخالف مبادئ بني أمية، فكانت الصفرية والإباضية والأزارقة وبعض الأشراف من آل البيت، لاسيما بعد واقعة فخ، ينزحون إليها ويرون فيها مأمنا حصينا يختفون فيه بعيدين عن خصومهم، ويحاول كل منهم نشر مبادئه.
ومن عهد عبد الملك إلى عمر بن عبد العزيز ﵁، صارت إفريقيا إقليما عربيا خالصا، على اتصال متين بدمشق أكثر من أقاليم كثيرة أخرى كخراسان أو شرق الجزيرة العربية مثلا، لاسيما بعد إحداث الطريق البحري الذي أنشأه عبد الملك بين تونس والإسكندرية وطرطوس، وهو نفس الخط الذي كان مستعملا عند القرطاجنيين … هذه الروابط التاريخية والدينية والسياسية، صارت القيروان ولاية عربية صرفة ومركز انطلاق الفتوحات العربية للمغرب والأندلس، وجاء العصر العباسي واستقرت الدولة العربية، وانصرف الناس إلى النشاط العقلي، وكان هذا الوسط الإسلامي العربي بالقيروان وإفريقيا؛ إما عربي أو متعرب، وبما أن جلهم من اليمانيين أو الأنصار أو من الساميين، فلا غرابة أن يفتحوا صدورهم لمبادئ ناشئة من وسط عربي صميم تربطهم وإياه أواصر عدة. فكانوا في أول أمرهم أوزاعيين مع أهل الشام النازحين في العهد الأموي، وحنفيين مع الأغالبة. ولكن سرعان ما سمعوا أن إماما من أصل يمني من ذي أصبح، نزل أجداده المدينة قديما وأخذ عن التابعين، واشتهر بعلمه وتقواه وذكائه وورعه يعمل على إحياء السنة ويجلس الخلفاء والأمراء في حلقته ولا يمشي إليهم إلا مكرها، يرى أن أموال المسلمين ليست بحل للأمراء، ويجلس المهدي في حلقته ليقرأ عليه الموطأ وكذلك ابنه الرشيد وحفيداه الأمين والمأمون يهرعون إليه ليأخذوا عنه علم رسول الله ﷺ تبركا وفخرا. هذا الإمام هو: مالك بن أنس، إمام دار الهجرة، فيسرع الناس إليه من إفريقية.
[ ١ / ٨ ]
والأندلس للأخذ عنه ويعودون معجبين بعلم مالك ونقده للرجال وتحريه في الفتوى وذكائه في استنباط الأحكام من الأحاديث الشريفة وتقواه وخوفه من الله، مع ابتعاده عن ذوي السلطان، فيأخذ عنه علي بن زياد والبهلول ابن راشد والحارث بن أسد القفصي، وعبد الله بن فروخ، وعبد الله بن غانم وغيرهم من أندلسيين وإفريقيين آخرين، ثم يعودون ناشرين ما أخذوه عنه من فقه وحديث، وينتشر مذهبه ويكثر معجبوه وتشد له الرحال من الأندلس وإفريقيا للأخذ عنه، فينتشر مذهب مالك بالمغرب كله بما فيه الأندلس، ويتعصب تلاميذه لرأيه، ويقلدونه لا في آرائه فقط، بل في ملبسه وما كله ومشربه. وصار الذي يسعفه الحظ بعد أن يأخذ عن تلاميذ مالك يلتحق به ليأخذ عنه مباشرة، فيعلو نجمه ويصير في عداد من رأى الإمام وأخذ عنه مباشرة. ومن كان على غير رأي الإمام فهو صاحب رأي أو هوى، ضعيف العلم رقيق الدين، ربما لمز بانتسابه لمذهب آخر كان يقال عنه العراقي مثلًا، أي من أصحاب الرأي والحيل، العاملين في ركاب الملوك، المقربين لذوي السلطان، ولم يكن مالك ولا أصحابه في هذا من شيء. فيزداد إعجاب المنتسبين إلى آرائه ويصير في نظرهم أن المسلم لا يكون مسلمًا حقًا إلا إذا كان مذهبه مذهب أهل المدينة، معدن الاسلام ومرقد الرسول صلوات الله وسلامه عليه.
وقد أدرك بعض الأذكياء من فقهاء القيروان وهو أسد بن الفرات هذا الميل الكلي الى مذهب مالك عند الناس، فأراد ان يوفق بين الرأيين ويجمع بين المذهبين، فسافر الى مالك وأخذ عنه، ثم الى بغداد وأخذ عن كبار أصحاب أبي حنيفة، وعاد وفي كتابه الأسدية شيء من المذهبين، لكن فقهاء القيروان رأوا أن الفقه المالكي الأصيل أعلق بنفوسهم، فلم يأخذوا عن أسد إلا القليل الموافق لمذهب مالك وتركوا ما سواه. ولما جاءهم سحنون بمدونته نبذوا الأسدية وتعلقوا بالمدونة واعتبروها القانون الشامل لمدرسة مالك بن أنس الأصيلة. وعندها كثرت الرحلات الى المشرق
[ ١ / ٩ ]
بحثًا عن آثار مالك في مصر والمدينة والعراق والشام. وكان الولاة من عرب المشرق يعتمدون على فقهاء الحنفية في إدارتهم وأحكامهم، والمالكية يرون في أصحاب أبي حنيفة أنهم صنائع سلطان أكثر منهم فقهاء دين. فتصدوا لهم بالنقد اللاذع والاستنقاص في العلم والمروءة والدين. إلا أن رد الفعل عند الحنفية والولاة كان كبيرًا فكثيرًا ما تعرض أصحاب مالك في إفريقية إلى اضطهادات الأمراء، ولا شك أن ذلك كان برضا إن لم يكن بايعاز فقهائهم، وأدرك الرشيد أن المالكية تمكنت من نفوس الناس، وأنه لا قرار لإدارتهم ما لم يحظوا برضاهم، فأوصى الرشيد (وأظنه بإشارة من أبي يوسف القاضي) إبراهيم بن الأغلب عامله، أن يتخذ قاضيه من الفقهاء أصحاب مالك، بل عينه له تسمية، وكان عبد الله بن غانم القاضي تلميذ مالك وأحد كبار فقهاء القيروان. وكان من هذا أن اشترط في قبوله لمنصب القضاء أن لا يراعي في أحكامه اعتبارات القضاة السالفين، وأن الرعية عنده سواء أمام الشرع لا فرق في ذلك بين أميرها وخادمه وبين راعيها، فقبل الوالي شروطه على مضض وكان يحتمل منه هذه المثالية مكرهًا، نظرًا إلى أن القاضي كانت تسميته من بغداد. ويوم مات ابن غانم وكان خال الوالي يبكيه، التفت ابن الأغلب إلى خاله الذي كان صديقًا للقاضي وقال له ما معناه: إنه لم يكن لنا معه دولة وما صارت لنا إلا اليوم. وكذلك كان سحنون فإن من شرائط توليه القضاء أن الأمير محمد بن الأغلب أعطاه كل ما طلب وأطلق يده في كل ما رغب حتى أهل بيته وقرابته وأعوانهم، الذين كانت للناس قبلهم ظلامات وأموال منذ زمان طويل، ولم يجرؤ عليهم من كان قبله. ولم يكن أتباع مالك من فقهاء القيروان يتمسحون بأعتاب الأمراء أو يقبلون هداياهم ولا ليلبوا رغباتهم إن أبدوها في رخصة أو فتوى ولا ليحضروا مجالسهم ولا أسمارهم أو أعيادهم. هذا السلوك المثالي من هؤلاء العلماء جعلهم في أعين الناس أقوامًا صالحين وعلماء زهادًا ومعارضين باسم الدين لكل متجبر وجائر. وقد استمرت هذه
[ ١ / ١٠ ]
المثالية في النفوس زمنًا طويلًا، وصارت عند بعض الصوفية من مالكية المغرب، فان الصوفي عندهم هو ذاك الذي امتاز عن غيره في تعلقه بالله جسمًا وروحًا مع معرفة بالسنة واعتزاز بها، غير ناس لنصيبه من الدنيا أو داع لطريقة من الطرق أو مدرسة من المدارس. وحتى من تفلسف من علماء المالكية فانه لا يشذ عن قاعدة السنية فضلًا عمن تصوف، كما نجده في سير البهلول بن راشد والحارث بن أسد القفصي وأبي عثمان سعيد بن سلام المغربي، وأبي يوسف يعقوب بن ثابت الدهماني فيما بعد، وابن رشد في الفلاسفة. فكلهم سني مالكي لم يشذ بآرائه الصوفية شذوذ الحلاج وابن سبعين وابن عربي وابن الفارض وأضرابهم. ولما جاءت محنة القول بخلق القرآن لم يجاور المالكية بني الأغلب في قالتهم المملاة عليهم من خلفاء بغداد، فقال بقولهم أكثر الحنفية هنا ورفض المالكية رأيهم هذا، فنال بعضهم ما نال إخوانهم في المشرق من الضرب والتعذيب والسجن، وتجاهر المالكية بالعداء لبني الأغلب من جهة، وللحنفية من جهة أخرى، حتى صار من تحضره الوفاة من المالكية يوصي بأن يكتب على قبره: هذا قبر فلان بن فلان كان يشهد أن لا إله الا الله وأن محمدًا رسول الله، وأن القرآن كلام الله غير مخلوق، معتبرًا بوصيته هذه متحديًا للاعتزال جهارًا في حياته وبعد موته. وموقف بني الأغلب من المالكية، هو الذي جعلهم يتقاعسون عن نصرتهم عندما أخذت دعوة بني عبيد تظهر بالمغرب، وقد أخطأ أتباع مالك هنا، إذ بعملهم هذا ساعدوا على إنشاء دولة من عقيدتها اعتبارهم كفارًا، وقتل أهل السنة مما يتعبد به عندها. فعندما جاء العبيديون ونصبوا أنفسهم خلفاء وأخذوا يدرسون أصول مذهبهم الباطني بالقيروان، كان علماء المالكية ينظرون اليهم شزرًا أول الأمر، ثم تطورت البغضاء بين الطائفتين، فكانت طائفة الشيعة يساندها السلطان والسيف، والمالكية ومعها الشعب بأسره. ولما استقر الأمر لعبيد الله منع المالكية من الإفتاء والتدريس وحمل الناس على العمل ليلا والنوم نهارًا في شهر رمضان، كما فعل الحاكم من بعده في
[ ١ / ١١ ]
مصر، وأمر بسب أبي بكر وعمر وعثمان وأم المؤمنين عائشة وأبي هريرة وكثير من أصحاب الرسول ﷺ، وعمد إلى حماقات لا تليق بعامل فضلا عمن يدعي الخلافة. وذلك بأن أمر جنوده بتعليق رؤوس حيوانات من خرفان وماعز وبقر الخ … على دكاكين القيروانيين ليلا وكتب تحت كل رأس، اسم صحابي. بهذا التصرف الأهوج أنشأ عبيد الله خصومًا ألداء كانوا سبب فوضى دولته وعدم استقرارها وطردها الى المشرق ثم القضاء عليها فيما بعد، ففي أول صلاة جمعة بجامع عقبة حسب المذهب الباطني قام أحد الشيوخ وترك الجامع عندما سمع الإمام يلعن بعض الصحابة، وبخروجه من الجامع حدثت فوضى وسط المصلين فغادر كثيرون معه المسجد، وصار من يشهد الجمعة وراء إمام الباطنية يعتبر كافرًا … وقد اعتمد الباطنية أول أمرهم على فقهاء حنفية ولكنهم لم يركنوا البتة إلى أصحاب مالك، كما أن هؤلاء رفضوا حتى السلام عليهم ومقابلتهم، وبهذا قام عبيد الله بجملات اضطهادية واسعة في صفوف علماء المالكية من قتل وتعذيب واستصفاء أملاك. وحدثت حادثة أخرى، هي أن عبيد الله طلب من مؤذن مالكي أن يؤذن حسب مذهبه الذي هو مذهب الدولة الرسمي، وذلك بأن يزيد بعد الشهادتين شهادة ثالثة بولاية علي ﵁، فرفض المؤذن طلبه، فقطع لسانه وطيف به في القيروان ثم قتله. إزاء هذا التصرف من العبيديين كان المالكية علماء وشعبًا يصبون لعناتهم صبًا على عبيد الله، ولفقوا له شجرة توصله لا إلى فاطمة ﵍ كما يدعي هو، بل إلى أمة أعجمية وأب يهودي من بغداد. وطال الصراع بين الباطنية والمالكية، وكانت السلطة كلما عثرت على من يقول بما لا يرضي الحاكمين صلبته وأنزلت به أنواع العذاب والتنكيل، فكان الشعب يروي كرامات عن هؤلاء الشهداء أثناء موتهم وبعده، ويقال أن صليبًا لأحد الشهداء أشع نورًا كامل ليلته.
إزاء هذا الظلم النازل بأهل القيروان وهذه الإهانة النازلة بالدولة، كانت الشقة تتسع يومًا بعد يوم، فكر العبيدي إذاك في مغادرة القيروان وبناء.
[ ١ / ١٢ ]
مدينة خاصة له ولأتباعه. وكانت المهدية، ففر إليها تاركًا القيروان الخصومه المالكية. وإن كان أتباع مالك معارضين في العهد الأغلبي إلا أنهم في هذا العهد أصبحوا مجاهدين صامدين لدخلاء العقيدة هؤلاء.
يقول علماء التربية: كل حركة تقاوم تزداد عنفًا، وكانت المالكية، في أعنف مظاهرها وأشد صمودها مع بني عبيد بافريقيا رغم ما نال أتباعها من قتل وتعذيب، وإذا كان أهل القيروان ينظرون الى من يدين بالاعتزال على أنه كافر، ويقولون: فلان تمعزل، فما بالك بمن يقسم بحق عالم الغيب والشهادة مولانا الذي برقادة. فهو في نظرهم ولا شك «ألعن من أن يذكر».
ولما جاءت ثورة أبي يزيد الخارجي، انضم إليها فقهاء القيروان أول الأمر، على قاعدة الخوارج أنفسهم: (لا حبًا في علي، بل بغضًا في معاوية). وكانوا يفتون بوجوب الجهاد تحت رايته، ولم يكونوا واثقين تمام الوثوق من (صاحب الحمار) في مباديه ولكن البغض لبني عبيد الله هو الذي حملهم على اختياره عليهم …
وما أظن أن مساندة عبد الرحمن الناصر خليفة قرطبة وهو مالكي لأبي يزيد مخلد بن كيداد الخارجي، إلا مجاراة منه للمالكية بافريقيا. وكاد الثائر ان يظفر ببغيته لولا الفوضى التي سادت في جيشه اللانظامي النهاب، ولقد حاصر المهدية وأطال حصارها، ولكن النجاح كان حليف بني عبيد، ورأى المالكية ان لا خير ينتظر من هذا الثائر الفوضوي، فانصرفوا عنه وفر بعدها هائمًا على وجهه هو ومن معه من بقية أنصاره الى ان مات من جراء جروح أصابته في بعض معاركه العديدة.
ولما انتقل بنو عبيد الى مصر والمشرق وتركوا على افريقيا عمالهم من أبناء زيرى بن مناد الصنهاجي، الذين أقاموا ولايتهم بالمهدية، عمل فقهاء المالكية بافريقيا على استقلال بلادهم عن مركز الخلافة العبيدية، وما ان جاء المعز الصنهاجي حتى اقنعوه باعلان استقلاله عن هذا الخليفة الوهمي،
[ ١ / ١٣ ]
وأصبحت الدولة مالكية صرفة، وانتقم أصحابها من بقية من كان يتهم بالتشيع للباطنية وقتل بكل سني باطني. حاول العبيديون أول أمرهم بالمشرق أن يغضوا طرفهم عن أتباع مالك، وتركوهم وشأنهم أول الأمر إلى أن جاء الحاكم بأمره فتتبع المالكية وقتل منهم قاضيين ودخلوا في أزمة جديدة مع بني عبيد، حتى جاء الطرطوشي الذي لاقى منهم مضايقات أول أمره، ثم فرج عنه، فعمل بجد على إحياء المذهب ثانية، وبمجيء السلاجقة كان انتصار المذاهب السنية بالمشرق عامًا على الباطنية، ولم يسجل التاريخ مقاومة للبدع مثل ما سجل للمذهب المالكي مع الخوارج والشيعة الباطنية والمعتزلة، اللهم إلا ما قام به بعض الحنابلة في محنة القول بخلق القرآن وما كابده شيخ الاسلام ابن تيمية في مقاومته لبدع الطرقية في عصره.
ولما استقرت الدولة الصنهاجية أو دولة بني زيرى، متحالفة مع المالكية ازدهرت الحياة الفكرية واتسع نفوذ المذهب وكثرت حلقات العلم والمعرفة في شتى الفنون، وجددت القيروان عصرها في ربط صلتها بالمشرق والمغرب، وخرج طلاب العلم منها الى المشرق والمغرب معلمين ومتعلمين كما كانوا قبل.
وكان ابن أبي زيد قد جدد وأحيا مدرسة سحنون وكثر طلابه والمعجبون به. واشتهر علماء كثيرون في هذا العهد منهم الفقهاء والمتكلمون، كابن أبي زيد وأبي الحسن القابسي وأبي عثمان سعيد بن محمد الحداد. ولم يكن الوسط الافريقي مقصورًا على الفقهاء بل كان الأدب في أوجه، وكانت حياة عملية مزدهرة بالأوساط الافريقية، من أدب ولغة وصناعة ومجالس لهو وطرب ووجوه الحياة البشرية بجانب الوعظ ودراسة الشريعة، أو قل بالجانب الروحي من الحياة اليومية، فهو عصر محمد بن عبد الله الأموي وعبد الرزاق بن علي النحويين وابن الزنجي الكاتب الشاعر، وعلي بن عبد الغني الحصري، وأبي إسحاق الحصري الشاعرين، وإسحاق بن سليمان الاسرائيلي الطبيب، وتلميذه احمد بن ابراهيم ابن الجزار، والمازري وعلي بن احمد بن الماعز في آخرين.
وفي هذا العصر جاءت الأشعرية الى المغرب عن طريق القيروان طبعًا.
[ ١ / ١٤ ]
وكثرت الرحلات العلمية إلى بغداد والشام ومكة والمدينة من المغرب والأندلس، كما نزح بعض أهل المشرق إلى القيروان والأندلس بعد ما قرفوا من ضعف الخلافة العباسية وتقسيمها إلى دويلات وكثرة الانتفاضات المذهبية. أقول، نزحوا باحثين عن الاستقرار في بلد إسلامي ليس فيه إلا دين واحد، ومذهب واحد، وعقيدة واحدة. فكان من كبار الأشاعرة النازحين إلى المغرب أبو عبد الله الحسين بن حاتم الأزدي، تلميذ القاضي الباقلاني، وعبد الوهاب بن نصر البغدادي الذي كان عازمًا على الالتحاق بالأندلس ومات في طريقه بالقاهرة. والتحق الكثيرون بصقلية من أدباء وأطباء ورياضيين.
وكانت المراسلات بين علماء طرفي العالم الإسلامي بغداد والقيروان توضح أن "كلا البلدين كان على علم بما يجد عند الآخر في ميدان الفكر"، من ذلك ما رواه ابن عساكر في تبيين كذب الفتوى، أن علي بن أحمد ابن إسماعيل المعتزلي البغدادي كتب إلى ابن أبي زيد القيرواني يدعوه إلى اتباع آرائه، ورد ابن أبي زيد على طلبه هذا، برد يعتبر خلاصة للعقيدة الأشعرية بالمغرب، والذي صار مقدمة لكتابه الرسالة، وانتشرت العقيدة الأشعرية بافريقيا بسرعة انتشار المذهب المالكي … بقي أن نتساءل لماذا انتشرت العقيدة الأشعرية بهذه السرعة وفي حياة صاحبها كما وقع ذلك بالنسبة لمذهب مالك وفي حياته؟
يبدو أن الأصل العربي اليمني قد لعب دورًا مهمًا في انتشار المذهب والعقيدة الأشعرية. إذ كلاهما من أصل عربي يمني، وأن الغالب على سكان إفريقيا الأول هم من ذلك الأصل، ثم ان مالكية الباقلاني، هي التي جعلت الأشعرية تجد هذا القبول في هذا الوسط المالكي، ولئن اختلف في مذهب الأشعري، وإن كان لا يبعد أن يكون مالكيًا في فروعه فإن الاتفاق مجمع على أن "الباقلاني مالكي" مع خلاف بسيط لا يعتد به عند المالكية. وكذلك كره المالكية للعبيديين جعلهم يتقبلون كل علم جديد يأتيهم من
[ ١ / ١٥ ]
المشرق، لاسيما اذا كان من وسط مالكي … ولما وصل الحسين بن حاتم الأزدي تلميذ الباقلاني الى القيروان، وجد أهل القيروان على اطلاع ومعرفة بعقيدة الأشعري، فقد سافر أبو الحسن القابسي الى المشرق وعاش به خمس سنوات بعد موت الأشعري بثلاثين سنة، ولما كان الحامل للعقيدة الأشعرية أحد كبار مالكية القيروان، أعني القابسي وكان كبير معلميها الباقلاني، انتشرت الأشعرية بكامل المغرب والاندلس وصقلية، على أيدي القابسي والبغدادي وأبي ميمونة دراس بن إسماعيل الفاسي، وبالاندلس على يد العالم المشهور الأصيلي، واشتهر بعض علماء المغرب بها في المشرق، من ذلك ما رواه السبكي في طبقاته (ج ٥ - ٢٤٥) أن أبا عبيد الله محمد بن أبي بكر عتيق السوسي الأصل القيرواني المولد سافر الى بغداد وكان علامة زمانه في فن الكلام، واسندت له وظيفة التدريس بنظامية بغداد، وهناك لمع نجمه ونال احترام علماء مدينة الرشيد حيث أدى رسالته كأشعري، ودفن بجانب أبي الحسن الأشعري. (ياقوت، بلدان. قيروان - وابن تغري بردي، نجوم، ط القاهرة ج ٥، ص ٢١٧) … هكذا كانت المالكية جزءًا لا يتجزأ من شخصية الفرد المغربي في كامل عصوره، وكان كذلك أشعريًا (إذ لا تجد مالكيًا غير أشعري) وكان خلاصة هذه التجربة الطويلة أن أنشئت دولة المرابطين العريقة في مالكيتها؛ إلا أن التطرق في مذهبيتها جعل حركتها ثقيلة بعض الشيء، الأمر الذي سبب رد فعل عند أحد مجددي العصر، إلى القيام بحركة تجديدية سرت الى أعماق نفوس كثيرة، وبنيت على أسسها دولة الموحدين التي لم تكن مالكية ولم تناصب العداء جهارًا لأتباع مذهب مالك، بل كانت حركة تجديدية عملت في تكوينها عناصر سنية متعددة، ففيها من التصوف وفيها من الأشعرية مع ميل الى الشافعية والظاهرية، وكان الموطأ عمدة فقهائها، وان كانوا لا يميلون الى اتباعه. في هذه التجربة التي عاشها المذهب المالكي في نفوس أتباعه نلاحظ أن من تصوف من المالكية أو من تفلسف فانه لا يشذ عن قاعدة السنية
[ ١ / ١٦ ]
كما قلنا، فلا نكاد نعثر على متصوف مالكي دان بوحدة الوجود مثلًا أو سجلت عليه شطحات يشم منها رائحة الزيغ أو الحلول، فكانت متانة الفقه المالكي والعقيدة الأشعرية تبعدان معتنقيهما عن الوقوع في الخطأ الذي وقع فيه كثير من المتصوفة أو الفلاسفة. ولا غرو إن وجد من يعتز بهذا المذهب من المغاربة ويكتب فيه المجلدات الضخمة باحثًا عن حياة الإمام في نشأته وتكوينه ومأكله وملبسه وجميع نواحي حياته، ثم عن أتباعه وانتشار مذهبه شرقًا وغربًا، وكان في الواقع خلاصة التاريخ المالكي في المغرب والمشرق، وهذه الشخصية المالكية الفذة، هي شخصية القاضي عياض.
[ ١ / ١٧ ]