أقول لمن يروي الحديث ويكتب … ويسلك سبيل الفقه فيه ويطلب
إذا أحببت أن تدعى لدى الخلق علمًا … فلا تعد ما تحوي من العلم يثرب
أتترك دارًا كان بين بيوتها … يروح ويغدو جبرئيل المغرب
ومات رسول الله فيها وبعده … بسنته أصحابه قد تأدبوا
وفرق شمل العلم في تأليفهم … وكل امرئ منهم له فيه مذهب
فخلصه بالسبك للناس مالك … ومنه صحيح في المجس وأجدب
فأبرى بتصحيح الرواية داءه … وتصحيها فيه دواء مجرب
ولو لم يلح نور الموطأ لمن يرى … بليل عماه ما درى أين يذهب
[ ١ / ١٩٦ ]
فبادر موطأ مالك قبل فوته … فما بعده إن مات للخلق مطلب
ودع للموطأ كل علم تريده … فأن الموطأ الشمس والغير كوكب
هو الأصل طاب الفرع منه لطيبه … ولم لا يطيب الفرع فالأصل طيب
هو العلم عند الله بعد كتابه … وفيه لسان الصدق بالحق معرب
لقد أعربت آثاره ببيانها … فليس لها في العالمين مكذب
ومما به أهل الحجاز تفاخروا … بأن الموطأ في العراق محبب
ومن لم تكن كتب الموطأ ببيته … فذاك من التوفيق بيت مخيب
فيعجب منه إذ علا في حياته … تعاليه من بعد المنية أعجب
جزا الله عنا في الموطأ مالكًا … بأفضل ما يجزى اللبيب المهذب
لقد أحسن التحصيل في كل ما روى … كذا فعل من يخشى الأحد ويرهب
لقد فاق أهل العلم حيًا وميتًا … فأضحت به الأمثال في الناس تضرب
وما فاقهم إلا بتقوى وخشية … وإذ كان يرضى في الإله ويغضب
فلا زال يسقي قبره كل عارض … بمندفق ظلت غزاليه تسكب
وتسقي قبورًا حوله دون سقيه … فيصبح فيها بينها وهو معشب
وما بي بخل أن تسقى كسقيه … ولكن حق العلم أولى وأوجب
وقال أبو الطاهر أحمد بن محمد الأصفهاني في ذلك:
وأعم الكتب نفعًا للفقيه … موطأ مالك لا شك فيه
فلا تبدأ بشيء من سماع … سواه عن إمام ترتضيه
وصاحب من يعظمه وجانب … كتاب جميع من قد يزدريه
[ ١ / ١٩٧ ]
وقال القاضي المؤلف رضي الله تعالى عنه في ذلك:
إذا ذكرت كتب العلم فخيرها … كتاب الموطأ من تصانيف مالك
أصح أحاديثًا وأثبت سنة … وأوضحها في الفقه نهجًا لسالك
أسانيد أمثال الرواسي صحيحة … ورأي كأنوار النجوم الشوابك
هو الحجة الغراء والعصمة التي … ينجي هداها من جميع المهالك
به يهتدى في كل أمر ويقتدى … وفيه جلاء المشكلات الحوالك
عليه مضى الإجماع في كل أمة … على رغم خشيوم الحسود المهالك
وأول تصنيف تهذب فاغتدى … يعلم كلًا نهج تلك المسالك
بتأليف أشكال وحسن عبارة … وإتقان ترتيت لتلك المدارك
فجاءكما جاء الوشام منظمًا … وخلص محض التبر تخليص سابك
فعنه فخذ علم الديانة خالصًا … ومنه استفد علم النبي المبارك
وشد به كف الضنانة تحتوي … فمن حاد عنه هالك في المهالك