اعلموا - وفقكم [¬٨] الله - أَنّ ترجيحَ مذهب مالكٍ على غيره وإنافة منزلتِهِ [¬٩] في العِلم، وسمُوّ قدرِه من طريق النّقل والاثَر، لا ينكره إلا معاند أَو وقاصِرٌ لَم يبلغه ذلك مع [¬١٠] اشتهاره في كتب المخالف والمساعد.
وهَا نحن نقرر [¬١١] الكلام في ذلك في محلّين [¬١٢]: أولهما [¬١٣] أَولاهما بالتقديم، وهو الأثر المشهور الصحيح [¬١٤] المروى في ذلك عن الرسول - عليه [¬١٥] السلام - من حديث الثقات، منهم سُفيان بن عيينة، عن ابن جُرَيج، عن أبي الزُّبير، عن [¬١٦] أبي صالح، عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "يُوشِكُ أَن يَضْرِبَ النَّاسُ أَكْبَادَ الإِبِلِ في طلَب العِلم"، وفي رواية: "يلتَمسُون العلم، فلا
_________________
(١) [¬١] أولهما: أب ت ك، أحدهما: خ [¬٢] معتمده: ب أ خ حاشية كما اعتمده. ت. [¬٣] مسلكه: أ ب ك، مسلك: ت ثلاثة: أ، ثلاث: ب ت ك خ. [¬٤] وعظيم: ب ت ك أ، عظيم خ. [¬٥] وعلو منصبه: أ ت ك، ومنصبه: ب خ. [¬٦] أتينا: أ ب ت ك، ابتنى: خ. [¬٧] مدرك القطع: أ ب ت ك، مدارك العقل: خ. [¬٨] اعلموا: وفقكم: ب، اعلموا وفقك: ك ت، اعلم وفقكم: أ، اعلم وفقك: خ [¬٩] منزلته: ب ت ك أ، منزله خ. [¬١٠] مع: أ ب ت ك، على: خ. [¬١١] وها نحن قرر: أ ب ت ك ت ك، وهما عن تقرر: خ [¬١٢] محلين: خ، حجتين: وأولاهما: ت ك [¬١٣] أولاهما ب ت ك خ، وأولاهما. [¬١٤] المشهور الصحيح: أ ب ت ك، الصحيح المشهور: خ [¬١٥] عن الرسول عليه: أ ب ت ك، عنه عليه: خ. [¬١٦] أبي الزبير عن: أ ب ت ك، - خ.
[ ١ / ٦٨ ]
يجدون عالما أعلّم"، وفي رواية: "أفقَه من عَالم المدينة"، (^١) و[في رواية: "من عالم بالمدينة"] [¬١]، وفى بعضها: "آباطَ الإبل" مكان "أكباد الإبل".
وقد رواه غير [¬٢] سفيان عن ابن [¬٣] جُريج بمثل حديث سفيان، منهم المحاربي [¬٤] موقوفًا على أبي هريرة، ومحمد بن عبد الله الأنصاري مسندا، وهو ثِقَة [¬٥] مأمون.
وهذا الطّريق أَشَهر طُرقه، ورجال هذا الطريق رجال مشاهير ثقات، خرّج عن جميعهم البُخاريّ ومُسلم وأهلُ الصّحيح.
ورواه أيضا المقبُرى عن أبي هُريرة بلفظ آخر، حَدّث به القاضي أبو البَخْترِيّ [¬٦]: وَهب بن وَهب، عن عبد الأعلى بن عبد الله، عن المقبري، عن أبي هريرة عن النبي ﷺ [¬٧] قال: "لا تنقَضى السّاعة حتى يضرب الناس أكباد الإبل من كل ناحية إلى عالم المدينة يطلبون علمه"، إلا أن أبا البخْتَري [¬٨] ضعيف عندهم، وقد رواه [¬٩] النسائي أيضا، وخرّجه في مصنَّفه عن علي بن محمد عن محمد [¬١٠] بن (*) كثير عن سُفيان عن أبي الزناد عن أبي صالح عن أبي هريرة قال: قال النبي ﷺ[¬١١]: "تضربون أكبادَ الإبل وتطلُبون العلمَ فلا تجدونَ عالمًا أعلمَ من عالم المدينة".
قال النسائي: هذا خطأ، والصواب: أبو [¬١٢] الزبير عن أبي [¬١٣] صالح.
_________________
(١) [¬١] وفي. بالمدينة: أ خ حاشية ك، ب ت أصل ك. [¬٢] غير: أ ب ت ك، عن: خ [¬٣] ابن: أ ب ت ك خ. [¬٤] المحاربي … على: أ ب ت ك، البخاري ك، البخاري .. عن: خ. [¬٥] ثقة أ ب ت ك، ثبت: خ. [¬٦] البختري: أ ب ت ك، البختر: خ. [¬٧] صلى الله … وسلم: ب ت ك خ، ﵇: أ. [¬٨] أن أبا البختري: أ ب ت ك، أن البختر: خ [¬٩] رواه: أ ب ت ك، رآة: خ. [¬١٠] عن محمد: أ ب ك، - ت خ [¬١١] صلى الله .. وسلم: ت ك خ، ﵇: أ ب. [¬١٢] أبو: أ ب ت ك، ابن: خ [¬١٣] أبي: أ ب ت ك على ابن: خ.
(٢) الحديث بهذا السند في صحيح الترمذى (مع العارضة) ١٠/ ١٥٢ - ١٥٣، وهو في مسند أحمد ٢/ ٢٩٩، وتاريخ بغداد ٥/ ٣٠٦، ٦/ ٣٧٧، ١٣/ ١٧، مع اختلاف في الرواية قليل.
[ ١ / ٦٩ ]
ورواه أيضا أبو موسى الأشعري عن النَّبي ﵇ بلفظ آخَرَ حدّث به مَعْن بن عيسى عن أبي المنذِر التَّميمي: زُهَير قال حدثنا عبدُ الله [¬١] بن عُمر عن سعيد بن أبي هِند [¬٢]، عن أبي مُوسى الأشعري قال: قال رسول الله ﷺ: "يخرُج ناسٌ من المشرق والمغرب في طَلبِ [¬٣] العِلم، فلا يجدون عالمًا أعلم من عالِم المدينة"، أو "عالِم أهل المدينة".
وذكر ابن حَبيب حديثا يُسنِدُه عن أبي صالح، عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ: "لا تنقطع الدنيا [¬٤] حتى يكون عالمٌ بالمدينة تُضرَب إليه أكبادُ الإِبل، ليسَ على ظهر الدّنيا أعلم منه".
قال سفيان بنُ عَيْنَة من غير طريق واحد: نُرَى أَنَّ المراد بهذا الحديث مالك بن أنس (^١) وفي رواية: هو مالك بن أنس.
و[¬٥] مثله عن ابن جَريْج (^٢)، وعبد الرزّاق (^٣) عن سفيان أنه قال: كنت أقول هو [¬٦] ابن المسيَّب، حتى قلت: كان في زمان ابن المسيَّب سليمان وسالمٌ وغيرهما، ثم أصبحتُ اليوم أقول: إنه مالك، وذلك أنه عاش حتّى لم يبق له نظير بالمدينة.
_________________
(١) [¬١] حدثنا عبد الله: أ ب خ حاشية ك، - ت. [¬٢] بن أبي هند: أ ب ت ك بن هند: خ. [¬٣] في طلب: أ ب ك ت، طالبين: خ. [¬٤] الدنيا: أ ب ت ك، الأرض: خ. [¬٥] روي: ب ت ك خ، - أ [¬٦] أنه قال كنت أقول هو: أب ت ك، أنه كان يقول هو: خ.
(٢) في صحيح الترمذي ١٠/ ١٥٣: "وروى عن سفيان بن عيينة، سئل من عالم المدينة؟ فقال: إنه مالك بن أنس، وقال إسحاق بن موسى: وقال إسحاق بن موسى: سمعت ابن عيينة يقول: هو الممري عبد العزيز بن عبد الله من ولد عمر بن الخطاب، الزاهد".
(٣) في تاريخ بغداد ٦/ ٣٧٧: " … فقلت لسفيان: أكان ابن جريج يقول: نرى أنه مالك بن أنس؟ فقال: "إنما العالم من يخشى الله، ولا نعلم أحدًا كان أخشى الله من العمرى يعني عبد الله بن عبد العزيز العمري". هكذا سماء الخطيب، ومر عن الترمذى أنه "عبد العزيز بن عبد الله العمري".
(٤) حكاه الترمذي في صحيحه (مع العارضة) ١٠/ ١٥٣.
[ ١ / ٧٠ ]
وهذا هو الصحيح عن سفيان، رواه عنه الثقات والأئمة: ابن مهدي، ويحيى بن معين، وعليّ بن المديني، والزُّبير بن بَكّار، وإسحاق بن أبي إسرائيل [¬١]، وذُؤَيب بن عمامة [¬٢] السهمى (^١) وغيرُهم، كلُّهم سمع سفيان يقول في تفسير الحديث إذا حدّثهم به: "هو مالك، أو أظنه، أو أحسبه، أو أُراه [¬٣]، أو كانوا يُرَوْنَه".
قال ابن مهدي: يعني سفيان بقوله: "كانوا يُرَوْنَه" التَّابعين.
قال القاضي أبو عبد الله التُّسْتَرِي [¬٤]: هو إخبار عن غيره من نُظرائه، أو ممن هو فوقه، وإن منزلته [¬٥] كانت في نفوسهم هذه المنزلة، لما شاهدوه من حالته التي تشبه ما أُخبِر به في الحديث [¬٦]، قال: وقد جاءت هذه الأحاديث بلفظين [¬٧]، أحدهما: "لا يجدون عالمًا أعلم من عالم المدينة"، والآخر [¬٨]: "من عالم بالمدينة"، ولكل واحد منهما معنى صحيح.
فأما قوله من عالم [¬٩] بالمدينة، فإشارة إلى رجل بعينه يكون بها لا بغيرها، ولا يعلم أحدًا انتهى إليه علم أهل المدينة [¬١٠] وأقام بها، ولم يخرج عنها ولا استوطن سواها في زمان مالك مُجْمَعًا [¬١١] عليه إلا مالكا، ولا أفتي [¬١٢] بالمدينة وحدّث [¬١٣]
_________________
(١) [¬١] أبى إسرائيل: أ ب ت ك بني إسرائيل: خ. [¬٢] بن عمامة: ب، غمامة: أ ت ك، غامة: خ. [¬٣] أو أراه: أ ت خ ك. - ب. [¬٤] التستري: ب ت ك، الشنتري: أ، البسكري: خ. [¬٥] منزلته: أ ب ك خ، منزلتهم: ت. [¬٦] به في الحديث: أ ت ك خ، به الحديث: ب. [¬٧] بلفظين: أ ب ت ك، بلفظ: خ [¬٨] والآخر: أ ب، والأخري: ت خ ك. [¬٩] قوله من عالم: أ ت ك، قوله عالم: خ. [¬١٠] انتهى إليه علم أهل المدينة: أ ت ك انتهى إليه أعلم من المدينة: خ، انتهى إليه عالم أحسن: ب. [¬١١] مجمعا: ك ت ب، مجتمعا: أ [¬١٢] ولا أفتي: أ ب ت ك، وإلا أفتا: خ [¬١٣] وحدث: أ ب ك وحده: ت خ.
(٢) ذؤيب بن عمامة بن عمرو بن عبد الله السهمي المتوفي سنة ٢٢٥ هـ. لهم فيه كلام تجده في ميزان الاعتدال ١/ ٣٣٠، ولسان الميزان ٢/ ٤٣٠.
[ ١ / ٧١ ]
نيّفًا وستين سنة أحد من علمائها، يأخذ عنه أهل المشرق والمغرب ويضربون إليه أكباد الإبل غيره.
وأما رواية: "عالم المدينة" أو "أهل [¬١] المدينة" فقد ذكر محمد بن إسحاق المخزومي أبو المغيرة أن تأويل ذلك: ما دام المسلمون يطلبون العلم فلا يجدون أعلم من عالم المدينة [¬٢]، كان بها أو بغيرها؛ فيكون على هذا سعيد بن المسيّب، لأنه النهاية في وقته، ثم بعده غيره ممن هو مثلُه من شيوخ مالك، ثم بعدهم مالك، ثم بعده مَن قام بعامه وصار أعلم أصحابه بمذهبه، ثم هكذا، ما دام للعلم طالِبٌ، ولمذهب أهل المدينة إمام.
ويجوز على هذا أن يقال: هو ابن شهاب في وقته وفنه، والعُمَريّ في وقته وفنّهِ، ومالك في وقته وفنه،، ثم إذا اجتمعت اللفظتان اختصَّ مالك بقوله: "من عالم بالمدينة"، ودخل [¬٣] في جملة علماء المدينة باللفظة الأخرى [¬٤].
وقال بعض المالكية: إذا اعتبرت كثرة من رَوَي عن مالك من العلماء ممن تقدمه أو عاصره أو تأخر عنه، على (*) اختلاف طبقاتهم وأقطارهم وكثرة الرّحلة إليه، والاعتماد في وقته عليه، دَلّ بغير مرية أنه المراد بالحديث؛ إذ لم نجد [¬٥] لغيره من علماء المدينة، ممن تقدمه [¬٦] أو جاء بعده، من الرُّواة والآخذين [¬٧] إلا [¬٨] بعض من [¬٩] وجدنا له.
وقد جمع الرواة عنه غير واحد، وبلغ بهم [¬١٠] بعضهم في تسمية من
_________________
(١) [¬١] أو أهل: أ ت خ ك، وأهل: ب. [¬٢] من عالم المدينة: ب ت ك، من عالم بالمدينة: أ، من المدينة: خ. [¬٣] ودخل: ب ت ك خ، وداخل: أ [¬٤] باللفظة الأخرى: أ ك ت ب، باللفظ الآخر: خ. [¬٥] إذ لم نجد: ب ت ك أ، إذا لم يجد: خ لغيره: ب ت ك خ، غيره: أ [¬٦] تقدمه: ب ت ك خ، تقدم قبله. [¬٧] والآخذين: ت ك، الآخذين: ب من الآخذين: خ الآخذين: خ، والآخرين: أ [¬٨] إلا: أ ك ت، - خ ب [¬٩] من: أ ت ك خ، ما: ب. [¬١٠] بهم أ ب ت ك، به: خ.
[ ١ / ٧٢ ]
علم بالرواية عنه سوى من لم يُعلم ألفَ راو، واجتمع لي [¬١] من مجموعهم زائدٌ [¬٢] على ألف وثلاثمائة [¬٣] راو [¬٤]، وتدل [¬٥] كثرة قصدهم له على [¬٦] كونه أعلم أهل وقته؛ الحال [¬٧] والصفة التي أنذر بها ﵇؛ وكذلك لم يسترب السلف أنه هو المراد بالحديث [¬٨]. وعد هذا الحديث من معجزاته وآياته ﵇، مما أخبر به من الكائنات فوقعت [¬٩] كما أخبر به - عليه الصلاة و[¬١٠] السلام.
وقال القاضي أبو محمد عبد الوهاب ما معناه: أنه لا ينازعنا في هذا الحديث أحَدٌ من أرباب المذاهب؛ إذ ليس منهم من له إمامٌ من أهل المدينة فيقول: المراد به إمامي [¬١١]، ونحن ندَّعي أنه صاحبنا بشهادة السلف له، وبأنه إذا أطلق بين أهل العلم: "قال عالم المدينة، وإمام دار الهجرة" فالمراد به مالك عندهم، دون غيره من علمائها، كما إذا قيل: الكوفي، فالمراد به أبو حنيفة دون سائر فقهاء الكوفة.
قال القاضي أبو الفضل، ﵁: فوجه احتجاجنا بهذا الحديث بأنه [¬١٢] مالك من ثلاثة أوجه:
أحدها [¬١٣]: تقليد السلف بأن [¬١٤] المراد بالحديث [¬١٥] هو، حسبما نقلناه عنهم، وما كانوا ليقولوا ذلك إلّا عن تحقيق، ولا لِيُذيعوه [¬١٦] بهوىَ وهُم المُبَرَّءُون [¬١٧] من
_________________
(١) [¬١] إلى: ب ت، أ خ ك [¬٢] زائد: خ، زائدا: أ ب ت ك. [¬٣] ألف وثلاثمائة: أ ب خ، الألف وثلاثمائة: ك، ألف والثلاثمائة: ت [¬٤] راو: ب خ ك، - أ ت [¬٥] وتدل: أ ت ك خ، فدل: ب [¬٦] على: حاشية ك، - ب ت خ أصل ك. [¬٧] وهو الحال: أ ب ت ك، وهذا مجال: خ. [¬٨] الحديث: ب ت ك خ، الخبر: أ. [¬٩] فوقعت: أ ب ت ك، فوضعت: خ [¬١٠] الصلاة و: أ ك، - ب خ ت. [¬١١] أمامى: أ ك، إمامه: ب ت خ. [¬١٢] بأنه: ب ت، من أنه: أ ك خ. [¬١٣] أحدها: أ ب ك ت، الأول. خ [¬١٤] بأن: أ ب ت ط ك، أن: خ [¬١٥] بالحديث: أ ب خ ط ك، بالسلف: ت. [¬١٦] ليذيعوه: أ ب ت خ ك، ليذيعونه: ط [¬١٧] المبرءون أ ب ت ط ك، المبرزو: خ.
[ ١ / ٧٣ ]
ذلك، مع تنافس الأقران وما جُبِلَت [¬١] القلوب من قلَّة [¬٢] الإنصاف للأَمثال، فكيف بضِدّ [¬٣] هذا.
الوجه الثاني:
أُنك إذا اعتبرتَ ما أوردناه ونورده [¬٤] من شهادة السّلف الصّالح بأنه أعلَم مَن على ظهر الأرض، وأعلَم من بَقى [¬٥]، وأعلَم الناس، وإمام الناس، وعالِم [¬٦] المدينة، وإمام دار الهجرة، وأمير المؤمنين في الحديث، وأعلَم علماء المدينة؛ وتعويلهم عليه، واقتدائهم [¬٧] به، وإجماعِهم على تقديمه [¬٨]، وطالعتَ مثلَ ذلك فيما نُورده من أخباره، ظهَر وبان أنه المرادُ بالحديث؛ إذ لَم تحصُل [¬٩] هذه الأوصاف لغيره، ولا اطبقوا [¬١٠] علَى هذه الشهادة لِسوَاهُ.
الوجه الثالث:
هو [¬١١] ما نبَّه عليه بعضُ الشيوخ من أَن طلبة العِلم لم يَضْربوا أَكباد الإبل من شرق الأرض وغربها إلى عالِم، ولا رَحلوا إليه من الآفاق رحلتَهم إلى مالك، لما اعتَقدوا [¬١٢] فيه من تقديمه على سائر علماء وقته، ولو اعتقدوا ذلك في غيره لمالوا إليه [¬١٣].
فالناس أكَيسُ مِن أن يمَدحوا [¬١٤] رَجُلًا … من غير أن يَجِدُوا آثار إحسانِ [¬١٥]
الترجيح الثاني في هذا الفصل، من طريق النَّقل.
_________________
(١) [¬١] جبلت ا ب ت ط ك، حملت: خ [¬٢] قلة: ا ب ت ط ك، تقلة: خ. [¬٣] بضد: اب ت ط: ك؛ بعد: خ. [¬٤] ونورده اب ط خ - ك ت [¬٥] بقى: ب ت خ ط ك، يفتى: ا [¬٦] الناس وإمام الناس وعالم ا ت خ ط، الناس وعالم: ب، الناس وإمام الناس يفتى وعالم: ك. [¬٧] واقتدائهم: ت، واقتداؤهم: ا ب ط ح ك [¬٨] تقديمه ا ب ت ط ك، تقليده: ح. [¬٩] إذ لم تحصل: ا ت ك خ ط، إذ لا تحل: ب. [¬١٠] ولا أطبقوا .. لسواه: إن ط خ ك، ولا أطلقوا … على سواء: ب. [¬١١] هو: ا ب ت ك خ، - ط. [¬١٢] لما اعتقدوا: ا ب ت ط ك، لا اعتقدوا: ح. [¬١٣] لمالوا إليه: ب ك ت خ، لما أتوا إليه: ا ط. [¬١٤] يمدحوا: ا ب ك، يحمدوا: ت ط. [¬١٥] فالناس … إحسان: ا ب ت ط ك، - خ
[ ١ / ٧٤ ]
والمعتَمد فيه [¬١] مجَرّد [¬٢] تقليد السَّلَف وأَئمة المسْلمين وعُلمائهم في المسألة، بالاعتراف [¬٣] لمالك رحمه بأنه أَعلَم [¬٤] وقته وإمامه، وأعلَم الناس [¬٥]، وأعلَم علماء المدينة، وأشباه هذا من شهادتهم [¬٦] له بذلك، واعترافهم به، وتقليدهم إياه، واقتدائهم به، على رسوخ كثير [¬٧] منهم في العلم، وترجيحهم مذهبه على مذهب غيره، مما [¬٨] سنورده في بابي [¬٩] ثنائهم عليه، واقتدائهم [¬١٠] به بعد هذا عند ذكرنا * شمائله ومناقبه، وهما بابان مُتَّسِعَان.
وسنورد هنا لمعًا من ذلك توميء إلى ما وراءها [¬١١] إن شاء الله تعالى.
من ذلك:
قال ابن [¬١٢] هرْمُز. (^١) شيخُه [¬١٣] فيه: إنه عالم الناس.
وقال سفيان بن عُيَيْنَة (^٢) لما بلغه [¬١٤] وفاته: ما ترك على الأرض مثله، وقال: مالكٌ إمامٌ، ومالِكٌ عَالِمُ أَهلِ الحجاز، ومالِكٌ حجّةٌ في زمانه ومالِكٌ سراج الأمة، وما نحن ومالك؟ إنما كنا [¬١٥] نتبع آثار مالك.
وقال الشافعي: مالك أستاذي، وعنه [¬١٦] أخذت [¬١٧] العلم، وما أَحَدٌ أَمَنَّ [¬١٨] عليَّ
_________________
(١) [¬١] والمعتمد فيه: ب ت ط ك، والمعتمد في: خ [¬٢] مجرد: ت ط ك، - ا خ ب. [¬٣] بالاعتراف: ت خ، وبالاعتراف: ك، والاعتراف: ا ط [¬٤] بأنه أعلم ا ب ت ط ك، بأنه أعرف: خ [¬٥] وأعلم الناس: ا ت ط خ ك. - ب. [¬٦] من شهادتهم: ا ب ت ط ك، في شهادتهم: خ. [¬٧] على رسوخ كثير: ا ب ت ط ك، على من شيوخ كثيرة: خ. [¬٨] مما: ا ت ط ك، فيما: خ [¬٩] بابي ت خ ك ب، باب: ا ط. [¬١٠] عليه واقتدائهم … هنا: ا ب ت ط ك، - خ. [¬١١] تومئ إلى ما وراءها: ب ت ط ك، نومى بذلك من ورائها: خ. [¬١٢] قال ابن: ا ب ت ط ك خ، قول ابن: حاشية ط [¬١٣] شيخه: ا ت ط ك خ، نظن (؟) ب. [¬١٤] لما بلغه: ا ب ت ط ك، لما بلغ: خ. [¬١٥] إنما كنا ا ب ت ط ك، إنا كنا: خ. [¬١٦] وعنه: ا ب ت ط ك، وعليه: خ [¬١٧] أخذت: ت، أخذنا: ا ط ب ك [¬١٨] أمن: ا ب ت ك ط، من: خ.
(٢) عبد الرحمان بن هرمز الهاشمي مولاهم، داود المدني الأعرج المتوفي سنة ١١٧ هـ.
(٣) سفيان بن عيينة بن أبي عمران الهلالي، أبو محمد الكوفي المتوفي سنة ١٩٨ هـ.
[ ١ / ٧٥ ]
من مالك، وجعلت مالكًا [¬١] حجة بيني وبين الله، وإذا ذكر العلماء فمالكٌ النجم الثاقب [¬٢]، ولم يبلغ أحد مبلغ مالك في العلم، لحفظه وإتقانه وصيانته؛ وقال: العلم يدور على ثلاثة: مالك، والليث، وسفيان بن عيينة.
وحكى عن الأوزاعي أنه كان إذا ذكره قال: عالم العلماء [¬٣]، وعالم أَهل المدينة، ومفتي الحرمين.
وقال بَقِية بن الوليد (^١): ما بقى على وجه الأرض أَعلَم بسنة ماضية ولا باقية منك [¬٤] يا مالك.
وقال أبو يوسف (^٢): ما رأيت أعلم من ثلاثة، فذكر مالكًا وأبا حنيفة [¬٥] وابن أبي لَيْلى [¬٦].
وقال ابن مَهدي، (^٣) وسئل عن مالك وأبي حنيفة: مالكٌ أَعلَم مِن أستاذ أبي [¬٧] حنيفة.
وقدَّمه ابن حنبل على الأَوزاعي، والثَّوْري، واللَّيث، وحمّاد، (^٤) والحكَم في العِلم، وقال: هو إمامٌ في الحديث والفِقه، وسئل عمن عمن يُريد أن يكتبَ الحديث وينظُرَ في الفِقه، حديث مَن يَكْتب؟ وفِي رأْي مَن ينظر؟ فقال: حديث مالك، ورأي [¬٨] مالك (^٥).
_________________
(١) [¬١] مالكا: ا ب ت ط ك، مالك: خ. [¬٢] الثاقب: اب ت ط ك، الناقب: خ. [¬٣] عالم العلماء: اب ت ط ك، عالم المدينة: خ. [¬٤] منك: اب ت طك، منه: خ. [¬٥] مالكًا وأبا حنيفة: ا ب ت ك، مالك وأبي حنيفة: خ ط. [¬٦] وابن أبي ليلى ا ت ط ك، وأبى ليلى: خ ب. [¬٧] أستاذ أبي: ا ت ك، أستاذي أبى خ ب ط. [¬٨] حديث مالك ورأى: ا ب خ ط ك، حديث ورأى. ت.
(٢) بقية بن الوليد بن صابر بن كعب، محمد الكلاعي أبو الحمصي المتوفي سنة ١٩٦ هـ.
(٣) يعقوب بن إبراهيم بن حبيب أبو يوسف صاحب الإمام أبي حنيفة. توفي سنة ١٨٣ هـ.
(٤) ذكره ابن أبي حاتم في تقدمة الجرح والتعديل صحيفة ١٦.
(٥) حماد بن زيد بن درهم الأزدى، أبو إسماعيل البصرى الحافظ المتوفي سنة ١٩٧، أو ١٧٩ هـ.
(٦) تقدمة الجرح والتعديل صحيفة ١٦.
[ ١ / ٧٦ ]
وقال يحيى بن سعيد القَطّان: (^١) مالكٌ إمام يُقتدَى به.
وقال ابن مَعين: (^٢) مالِكٌ مِن حُجَج [¬١] الله على خَلْقه، إمامٌ من أئمة المسلمين، مُجمَعٌ على فضله.
وقال أيوب بن سُويد: (^٣) مالكٌ إمام دارِ الهجرة.
وقال له [¬٢] أَبو جَعْفر المنصور (^٤): إنه أعلَم أهل الأرض [¬٣].
وقال سعيد بن الحدَّاد: كان مالكٌ من الرَّاسخين في الإسلام، أرسَخ [¬٤] في العلم من الجبال الرَّاسيات.
وقال حُميد بن الأَسود: (^٥) كان إمامُ النّاس عِندنا [¬٥] بعدَ عُمر، زيدَ [¬٦] بنَ ثابت، وبعدَه عبدُ الله بن عُمر.
قال عليُّ بن المدِيني [¬٧]: (^٦) وأخَذ عن زيدٍ ممَّن كان يتّبع رأيَه أَحَدٌ وعِشرون رجلا؛ ثم صار عِلم هاؤلاء إلى ثلاثة: ابن شِهاب (^٧) وبُكير بن عبد الله، (^٨) وأبي الزِّناد؛ (^٩) وصار علمُ هاؤلاء كلهم إلى مالك بن أنَس.
وقال أسّد بن الفُرات: (^١٠) إن أردتَ الله والدار الآخرة فعليك بمالك بن [¬٨]
_________________
(١) [¬١] مالك من حجج: ا ت ط ك ب، مالك حج: خ. [¬٢] وقال له: ا ك ب، وقاله: خ، - ت ط [¬٣] إنه أعلم … الأرض: ا ب ت ك، - خ. [¬٤] أرسخ: ب، راسخ: ا خ ت ك ط. [¬٥] عندنا: ا ت ط ك، عند: خ [¬٦] عمر زيد: ا ب ت ك ط، عمر بن زيد: خ. [¬٧] المدينى: ا ب ت ط ك، المدني: خ. [¬٨] فعليك بمالك بن: ا ب ط ك، فعليك عليك بابن: خ.
(٢) يحيى بن سعيد بن فروخ التميمي الأحول، أبو سعيد القطان البصري الحافظ المتوفي سنة ١٩٨ هـ.
(٣) يحيى بن معين بن عوف الغطفاني، أبو زكرياء البغدادي الحافظ المتوفي سنة ٢٣٣ هـ.
(٤) أيوب بن سويد السيباني الحميري أبو مسعود الرملى المتوفي سنة ١٨٢ هـ.
(٥) عبد الله بن محمد بن علي جعفر المنصور الخليفة العباسي المتوفي سنة ١٥٨ هـ.
(٦) حميد بن الأسود بن الأشقر الكرابيسى، أبو الأسود البصري.
(٧) علي بن عبد الله بن جعفر بن نجيح التميمي، أبو الحسن بن المدينى المتوفى سنة ٢٣٤ هـ.
(٨) محمد بن مسلم بن عبيد الله بن شهاب الزهرى أبو بكر المدني المتوفي سنة ١٢٤ هـ.
(٩) بكير بن عبد الله بن الأشج المخزومي مولاهم، أبو عبد الله المدني المتوفي سنة ١٢٧ هـ.
(١٠) عبد الله بن ذكوان الأموي، أبو عبد الرحمان المدني المتوفي سنة ١٢٧ هـ.
(١١) أسد بن الفرات بن سنان أبو عبد الله المتوفي سنة ٢١٣، أو ٢١٤ هـ.
[ ١ / ٧٧ ]
أَنَس.
وقال [¬١] حمَّاد بن زيد: دخلتُ المدينة ومُناديًا [¬٢] ينادي: لا يفتى الناسَ في مسجد رسول الله ﷺ، ولا يحدث [¬٣] إلا مالكُ بنُ أنسَ.
وقد استوعبنَا [¬٤] هذه الشهادات [¬٥] والاعتراف بعد هذا
وقد اعترف له بالعلم والإمامَة [¬٦] يحيى بن سعيد شيْخُه، والأوزاعي، واللّيث، وابن المبارَك، (^١) وجماعة من هذا النّمط [¬٧]، ومن بعدهم كالبُخاريّ، ومُحمد بن عبد الحَكَم [¬٨]، (^٢) وأبي زُرعة [¬٩] الرازي، (^٣) ومن لا يعَدّ [¬١٠] كَثرة.
وكذلك ذكرنَا في الباب الآخَر اقتداء السلف وأهل عصره [¬١١] من العلماء وسائر الناس به [¬١٢]، ونحنُ نذكر هنا شيئًا من ذلك.
قال سعيد بن منصور (^٤): رأيت مالكًا [¬١٣] يَطوف وخلفه سفيانُ الثَّوْري، كُلَّما فعَل مالك شيئًا [¬١٤] فعَلَه، يَقْتَدِي به [¬١٥].
_________________
(١) [¬١] وقال: ب، قال: ا ت ط ك خ [¬٢] ومناديا: ب ت ك، ومناد: ط ا، ومنادى أخ. [¬٣] ولا يحدث: ب، ويحدث: ا ب ت ط ك. [¬٤] استوعبنا: ا ب ت ك ط، استوعب: خ [¬٥] الشهادات: ا ب ط ك، الشهادة: ت، الكهات خ. [¬٦] والإمامة: ا ب ت ك، والأمانة: خ ط. [¬٧] النمط: ا ت ك ط، - خ. [¬٨] عبد الحكم: ا ت ط ح ك، عبد الملك ب [¬٩] وأبي زرعة: ب ط ك خ، وأبو زرعة: ا ت [¬١٠] يعد: ا ب ك ط، ينص: ت، يعد: خ. [¬١١] عصره: ا ب ط خ، العصر: ت ك. [¬١٢] به: ا ب ت ط ك خ. [¬١٣] مالكًا: ا ب ت ط ك، مالك: خ. [¬١٤] شيئا: ا ب ت ط ك، شيء: خ [¬١٥] يقتدي به. ا ب ط ك، ليقتدي به: خ.
(٢) عبد الله بن المبارك بن واضح الحنظلي مولاهم المروزي، أبو عبد الرحمان المتوفي سنة ١٨١ هـ.
(٣) محمد بن عبد الحكم الفقيه المصرى المتوفي سنة ٢٦٨ هـ.
(٤) عبد الله بن عبد الكريم بن يزيد بن فروخ المخزومي مولاهم المتوفي سنة ٢٦٤ هـ.
(٥) سعيد بن منصور بن شعبة الخراساني، أبو عثمان المتوفي سنة ٢٢٠ هـ.
[ ١ / ٧٨ ]
قال ابن أبي أويس [¬١]: (^١) كان الناسُ كُلُّهم يُصْدِرون عن رأي مالك، وكان للأمير عنده رَجل يسأله، وكذلك للقاضى [¬٢] والمحتَسِب.
وسأَل رجلٌ ابنَ عُيينَة عن الضَّحِية باللَّيل، فقَال له سفيان: لا بأس بذلك. فقال له ابنُ وهْب: فإن مالكًا [¬٣] قال: لا يُضَحَّى بَلَيْل [¬٤]، وقرأ [¬٥]: ﴿فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ﴾ (^٢)، فَنَادَى سُفيان بالرَّجل وقال: إنَّ هَذَا أَخبرني عن مالكٍ أنه قالَ [¬٦]: لَا يُضحِّي بلَيْل.
وقال حُميد [٧¬] [بن الأَسْوَد: ما تقلَّد] [¬٨] أهلُ المدينة بعد زيد بن ثابت كما تقلدوا * قول مالك.
وقال عتيق بن يعقوب: ما أَجمع [¬٩] أحد بالمدينة [¬١٠] بعدَ موت النَّبي، ﷺ [١١¬]، إلَّا علَى أبي بكر وعمر، ومات مالكٌ ومَا نعلَم أحدًا من أهل المدينة إلّا أَجمع علَيه؛ وسَتُطالع [١٢¬] بعدَ هذَا في [¬١٣] هذا الباب بقية مَا يشابه ما ذكرنا [¬١٤] إن شاء الله [¬١٥].
الفصل الثاني في ترجيحه من طريق الاعتبار والنظر، وفيه [¬١٦] ثلاثة [¬١٧] اعتبارات؛
_________________
(١) [¬١] ابن أبي أويس: ا خ ب ط ك. ابن اوس: ت. [¬٢] للقاضي: ا ب ط ك خ، القاضي: ت. [¬٣] فإن مالكا: ا ت ط ك، أن مالكا: ب خ [¬٤] بليل: اب ط خ، بالليل: ت ك [¬٥] وقرأ: ا ب ط ح ك، فقرأ: ت. [¬٦] أنه قال: ط ك، أنه لا: ب ت أخ. [¬٧] حميد: ا ب ت ك. أحمد: ط خ [¬٨] بن … تقلد: ا ب خ ك ط. - ت. [¬٩] أجمع: اب ط خ، اجتمع: ت ك (٩ - ١١) بعد موت [¬١٠] المدينة: ا ب ط خ ك، - ب. [¬١١] صلى … وسلم ا ب ط ح ت، ﵇ ك. [¬١٢] وستطالع: ط ك، وستطالع: ا خ، وتطالع: ب، ومطالع ت [¬١٣] هذا في: ب ط ا خ، - ك ت [¬١٤] ما يشابه ما: ا ط، ما شابه ما ت ك، بقية شأنه مما: خ. [¬١٥] إن شاء الله: ا ط ك ت، - ب خ. [¬١٦] وفيه: ا ب ط ت ك، فيه: خ [¬١٧]: ا ط ك، ثلاث: ب ت خ.
(٢) عبد الحميد بن عبد الله بن عبيد الله بن أبي أويس بن مالك الأصبحي، أبو بكر المدني، ابن أخت الإمام المتوفى سنة ٢٠٢ هـ.
(٣) الآية ٢٨ من سورة الحج.
[ ١ / ٧٩ ]