قال الفقيه القاضي ﵁: كان مالك كثيرا ما يتمثل:
وخير أمور الدين ما كان سنة … وشر الأمور المحدثات البدائع
قال ابن حنبل: مالك أتبع من سفيان.
وقال ابن حنبل: إذا رأيت الرجل يبغض مالكا فاعلم أنه مبتدع.
قال أبو داود: أخشى عليه البدعة.
وقال ابن مهدي: إذا رأيت الحجازى يحب مالك بن أنس فاعلم أنه صاحب سنة، وإذا رأيت أحدا يتناوله، فاعلم أنه على خلاف.
قال إبراهيم بن يحيى بن بسام: ما سمعت أبا داود (^٦٣) لعن أحدا قط إلا رجلين، أحدهما رجل ذكر له أنه لعن مالكا، والآخر بشر المريسي.
قال معن: انصرف مالك يوما إلى المسجد وهو متكئ على يدى، فلحقه رجل يقال له أبو طريدة (^٦٤) يتهم بالإرجاء، فقال: يا أبا عبد الله! اسمع منى شيئا * أكلمك به وأحاجك وأخبرك برأيي.
فقال له: احذر أن أشهد عليك.
قال: والله ما أريد إلا الحق، اسمع فإن كان صوابا فقل: ايه (^٦٥)، أو فتكلم.
قال: فإن غلبتنى؟ قال: اتبعني.
قال: فإن غلبتك؟ قال: أتبعك.
_________________
(١) أبو داود سليمان بن الأشعث السجستاني الأزدى، أحد حفاظ الحديث وعلمه وعلله. ترجم له ابن خلكان في وفيات الأعيان ج ٢ ص ١٣٨ الترجمة ٢٥٨.
(٢) أ: أبو طريدة - ك: أبو الجويرة - ط: أبو الحريرة.
(٣) أ، ط: ايه - ك: أنه.
[ ٢ / ٣٨ ]
قال: فإن جاء رجل فكلمناه فغلبنا؟ قال اتبعناه.
فقال له مالك: يا أبا عبد الله! بعث الله محمدا بدين واحد، وأراك تنتقل، وقال عمر بن عبد العزيز: من جعل دينه غرضا للخصومات أكثر التنقل.
وقال مالك: ليس الجدال في الدين بشيء.
وقال مالك: المراء والجدال في العلم يذهب بنور العلم من قلب العبد.
وقال: إنه يقسى القلب ويورث الضغن.
قال الزهرى: رأيت مالكا، وقوم يتجادلون عنده، فقام ونفض رداءه وقال: إنما أنتم حرب.
قال الهيثم بن جميل: قيل لمالك: الرجل له علم بالسنة يجادل عنها؟ قال: لا، ولكن ليخبر بالسنة فإن قبل منه وإلا سكت.
قال أبو طالب المكى: كان مالك أبعد الناس من مذاهب المتكلمين، وأشدهم بغضا للعراقيين، وألزمهم لسنة السالفين من الصحابة والتابعين.
- * -
قال سفيان بن عيينة: سأل رجل مالكا فقال: "الرحمن على العرش استوى" (^٦٦)، كيف استوى يا أبا عبد الله؟ فسكت مالك مليا حتى علاه الرحضاء (^٦٧)، وما رأينا مالكا وجد من شيء وجده من مقالته، وجعل الناس ينظرون ما يأمر به، ثم سرى عنه فقال:
- الاستواء منه معلوم، والكيف منه غير معقول، والسؤال عن هذا بدعة، والإيمان به واجب، وإنى لأظنك ضالا، أخرجوه!
فناداه الرجل: يا أبا عبد الله، والله الذي لا إله إلا هو، لقد سألت عن هذه المسألة أهل البصرة والكوفة والعراق فلم أجد أحدا وفق لما وفقت له.
_________________
(١) الآية ٤ من سورة طه.
(٢) بضم الراء وفتح الحاء، العرق الشديد.
[ ٢ / ٣٩ ]
قال أبو مصعب: قدم علينا ابن مهدى (^٦٨)، فصلى ووضع رداءه بين يدى الصف، فلما سلم الإمام رمقه الناس بأبصارهم، ورمقوا مالكا، وكان قد صلى خلف الإمام، فلما سلم قال: من ها هنا من الحرس؟ فجاء نفسان، فقال: خذا صاحب هذا الثوب فاحبساه، فحبس، فقيل: أنه ابن مهدى. فوجه إليه وقال له:
- أما خفت الله واتقيته أن وضعت ثوبك بين يديك في الصف وشغلت المصلين بالنظر إليه، وأحدثت في مسجدنا شيئا ما كنا نعرفه، وقد قال النبي ﷺ: "من أحدث في مسجدنا حدثا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين"؟
فبكى ابن مهدى، وآلى على نفسه ألا يفعل ذلك أبدا في مسجد النبي ﷺ ولا في غيره.
وفى رواية ابن مهدى قال: فقلت للحرس: اذهبا بي إلى أبي عبد الله. قالا: إن شئت، فذهبا بي إليه، فقال: يا أبا عبد الرحمان، تصلى مستلبا (^٦٩)؟
فقلت: يا أبا عبد الله إنه كان يوما حارا كما رأيت، فثقل ردائى على، فقال، الله ما أردت بذاك الطعن علي من مضى والخلاف عليهم؟
قلت: الله. فقال: خلياه.
قال سفيان بن عيينة: سألت مالكا عمن أحرم من المدينة وراء الميقات؟
فقال: هذا مخالف لله ولرسوله، أخشى عليه الفتنة في الدنيا والعذاب الأليم في الآخرة، أما سمعت قوله تعالى: "فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم" (^٧٠) وقد أمر النبي ﷺ أن يهل من المواقيت.
_________________
(١) ابن مهدي: عبد الرحمن بن مهدي بن حسان الأزدي أبو سعيد البصري اللؤلؤي المتوفى سنة ١٩٨ انظر الخلاصة للخزرجي ص ٢٣٥.
(٢) مستلبا: متجردا من ردائك. في نسخة أ: متلبسا - ك، ط: متسلبا، ولعل الصواب ما أثبتناه.
(٣) الآية ٦١ من سورة النور.
[ ٢ / ٤٠ ]
وسأل رجل مالكا عن شيء من علم الباطن، فغضب وقال:
- أن علم الباطن لا يعرفه إلا من عرف علم الظاهر، فمتى عرف علم الظاهر وعمل به فتح الله عليه علم الباطن، ولا يكون ذلك إلا مع فتح قلبه وتنويره.
ثم قال * للرجل: عليك بالبين المحض، وإياك وبنيات الطرق (^٧١)، وعليك بما تعرف واترك ما لا تعرف.
قال ابن وهب: سمعت مالكا يقول إذا جاءه بعض أهل الأهواء:
أما أنا فعلى بينة من ربى، وأما أنت فشاك، فاذهب إلى شاك مثلك فخاصمه.
ثم قرأ: "قل هذه سبيلى أدعو إلى الله على بصيرة" (^٧٢) الآية.
قال مطرف: سمعت مالكا إذا ذكر عنده فلان من أهل الزيغ والأهواء يقول:
قال عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى: سن رسول الله ﷺ وولاة الأمر من بعده سننا، الأخذ بها اتباع لكتاب الله، واستكمال لطاعة الله، وقوة على دين الله، ليس لأحد بعد هؤلاء تبديلها ولا النظر في شيء يخالفها، من اهتدى بها فهو مهتد، ومن استنصر بها فهو منصور، ومن تركها اتبع غير سبيل المؤمنين، وولاه الله ما تولى، وأصلاه جهنم وساءت مصيرا.
وكان مالك إذا حدث بهذا ارتج سرورا.
وسأل رجل مالكا فقال: من أهل السنة يا أبا عبد الله؟
قال: الذين ليس لهم لقب يعرفون به، لا جهمى ولا رافضي ولا قدرى.
_________________
(١) أ: عليك بالبين المحض وإياك وبنيات الطرق - ك: عليك بالدين المحض وإياك وبنيات الطريق.
(٢) الآية ١٠٨ من سورة يوسف.
[ ٢ / ٤١ ]
قال ابن نافع وأشهب - وأحدهما يزيد على الآخر -: قلت: يا أبا عبد الله! "وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة" (^٧٣) ينظرون إلى الله؟
قال: نعم، بأعينهم هاتين.
فقلت له: فإن قوما يقولون: لا ينظر إلى الله، أن "ناظرة" بمعنى منتظرة إلى الثواب.
قال: كذبوا، بل ينظر إلى الله، أما سمعت قول موسى ﵇: "رب أرنى أنظر إليك" (^٧٤)؟ أفترى موسى سأل ربه محالا؟ فقال الله: "لن ترانى" في الدنيا، لأنها دار فناء، ولا ينظر ما يبقى بما يفنى، فإذا صاروا إلى دار البقاء نظروا بما يبقى إلى ما يبقى. وقال الله: "كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون" (^٧٥).
* * *
قال زهير بن عباد: قلت لمالك: ما قولك في صنفين عندنا، بالشام اختلفوا في الإيمان، فقالوا يزيد وينقص؟
قال: بئس ما قالوا.
قلت: قالوا إنا نخاف على أنفسنا النفاق.
قال: بئس ما قالوا.
قلت: فإن قالوا نحن مؤمنون إن شاء الله، قالت الأخرى الإيمان واحد، وإيمان أهل الأرض كإيمان أهل السماء؟
قال: لا تقولوا.
قلت: فإن قالوا: نحن مؤمنون حقا؟
قال: لا تقولوا.
قلت: فما ينبغى للطائفتين أن يقولوا؟
قال: يقولون: نحن مؤمنون ثم يكفون عما سوى ذلك من الكلام، فإن النبي ﷺ قال: "أمرت أن أقاتل الناس
_________________
(١) الآيتان ٢١، ٢٢ من سورة القيامة.
(٢) الآية ١١٣ من سورة الأعراف.
(٣) الآية ١٥ من سورة المطففين.
[ ٢ / ٤٢ ]
حتى يقولوا لا إله إلا الله" الحديث. قال: "ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلم لست مؤمنا" (^٧٦).
قال زهير: فقلت له: فإن الطائفتين عادت بعضها بعضا.
فاسترجع وتعجب، قال لي: وقد أقام الناس يصلون إلى بيت المقدس ستة عشر شهرا، ثم أمروا بالصلاة إلى البيت الحرام، فقال الله: "وما كان الله ليضيع إيمانكم" (^٧٧) يعنى صلاتكم إلى بيت المقدس، وإنى لأذكر بهذه الآية قول المرجئة: إن الصلاة ليست من الإيمان.
قال زهير: وقد كان دخل على مالك من سأله عن نحو هذا، فأمر به فأخرج، وكأنه يسخر بي.
* * *
قال غير واحد: سمعت مالكا يقول: الإيمان قول وعمل يزيد وينقص، وبعضه أفضل من بعض. قال: والله في السماء وعلمه في كل مكان.
قال ابن القاسم: كان مالك يقول: الإيمان يزيد، وتوقف عن النقصان، وقال: ذكر الله زيادته في غير موضع، فدع الكلام في نقصانه وكف عنه.
وقال مالك: أنا مؤمن والحمد لله.
وقان ابن أبي أويس: قال مالك: القرآن كلام الله، وكلام الله من الله، وليس في الله شيء مخلوق.
زاد غيره عنه: ومن قال: القرآن مخلوق، فهو كافر، والذي يقف أشد منه يستتاب، وإلا ضربت عنقه.
وفي رواية ابن نافع عنه: يجلد ويحبس من قال ذلك.
_________________
(١) الآية ٩٣ من سورة النساء.
(٢) الآية ١٤٢ من سورة البقرة.
[ ٢ / ٤٣ ]
وفي رواية بشر بن بكر التنيسى (^٧٨): يقتل * ولا تقبل توبته.
قال البركاني والتسترى من شيوخنا العراقيين: معنى الجوابين مختلف، يقتل المستبصر الداعية، ويضرب غيره.
* * *
وسئل عن حديث التنزل (^٧٩)، فقال: ينزل أمره كل سحر، وأما هو فدائم لا يزول.
قال الوليد بن مسلم: سألت مالكا عن هذه الأحاديث، فقال: اقرأوها (^٨٠) كما جاءت. فقيل له: أن ابن عجلان يحدث بها فقال: لم يكن من الفقهاء.
قال في رواية ابن القاسم وابن وهب: أنه كان لا يعرف هذه الأشياء، وكره مالك أن يحدث بها عوام الناس الذين لا يعرفون وجهه، ولا تبلغه عقولهم، فينكروه أو يضعوه في غير موضعه.
وجاء إلى مالك رجل قال له: ما تقول فيمن يقول: القرآن مخلوق؟ قال: زنديق فاقتلوه. فقال: يا أبا عبد الله! ليس هو كلامي إنما هو كلام سمعته. قال: لم أسمعه أنا إلا منك.
* * *
قال أشهب: كنا عند مالك إذ وقف عليه رجل من العلويين، وكانوا يغلبون على مجلسه، فناداه:
يا أبا عبد الله!
فأشرف له مالك، ولم يكن إذا ناداه أحد يجيبه أكثر من أن يشرف برأسه.
_________________
(١) في الخلاصة: بشر بن بكر البجلي الدمشقي أبو عبد الله التنيسي، توفي بدمياط سنة ٢٠٥ - انظر الخلاصة ص ٤٨ - ك، م: بشر بن بكير التنسي - ط: بشر بن بكير - أ: بشر بن بكير القيسي.
(٢) أ، ط: التنزل - ك: التنزيل.
(٣) ط: اقرأوها - ك: اقروها - أ: امروها.
[ ٢ / ٤٤ ]
فقال له الطالبي: أنى أريد أن أجعلك حجة فيما بيني وبين الله، إذا قدمت عليه فسألني، قلت له: مالك قال لي.
فقال له: قل.
فقال: من خير الناس بعد رسول الله ﷺ؟
قال: أبو بكر.
قال العلوى: ثم من؟
قال مالك: ثم عمر.
قال العلوى: ثم من؟
قال: الخليفة المقتول ظلما، عثمان.
قال العلوى: والله لا أجالسك أبدا.
قال له مالك: فالخيار إليك.
قال عبد الرحمن بن قاسم عنه: ما أدركت أحدا إلا وهو يرى الكف بين عثمان وعلى، ولا شك في أبي بكر وعمر أنهما أفضل من غيرهما.
زاد ابن وهب عنه: وعلى هذا مضى الناس.
وفى رواية أبي مصعب: سئل مالك من أفضل الناس بعد رسول الله ﷺ؟
فقال مالك: أبو بكر.
قال: ثم من؟
قال: ثم عمر.
قيل: ثم من؟
قال: عثمان.
قيل: ثم من؟
[ ٢ / ٤٥ ]
قال: هنا وقف الناس، هؤلاء خيرة أصحاب رسول الله ﷺ، أمر أبا بكر على الصلاة، واختار أبو بكر عمر، وجعلها عمر إلى ستة، فاختاروا عثمان، فوقف الناس هنا.
زاد في رواية: وليس من طلب الأمر كمن لم يطلبه.
وفى رواية ابن وهب: أفضل الناس أبو بكر وعمر، قلت: ثم من؟ فأمسك. قلت إنى امرؤ أقتدى بك في ديني. فقال: وعثمان.
زاد في رواية أبي مصعب: ثم استوى الناس.
وقال البزار: سألت أبا عاصم النبيل عن التقدمة في السلف، فقال: حمزة وجعفر. قلت: إنما نحن في العشرة. فسكت، ثم قال: كان مالك يقدم حمزة.
* * *
قال مصعب الزبيرى وابن نافع: دخل هارون المسجد فركع، ثم أتى قبر النبي ﷺ، فسلم عليه، ثم أتى مجلس مالك فقال:
- السلام عليك ورحمة الله وبركاته.
قال له مالك: وعليك السلام يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته.
ثم قال لمالك: هل لمن سب أصحاب رسول الله ﷺ في الفيء حق؟
قال: لا، ولا كرامة ولا مسرة.
قال: من أين قلت ذلك؟
قال: قال الله: "ليغيظ بهم الكفار" (^٨١) فمن عابهم فهو كافر، ولا حق لكافر في الفيء.
_________________
(١) الآية ٢٩ من سورة الفتح.
[ ٢ / ٤٦ ]
واحتج مرة أخرى في ذلك بقوله تعالى: "للفقراء المهاجرين" الثلاث آيات (^٨٢). قال: فهم أصحاب رسول الله ﷺ الذين هاجروا معه، وأنصاره، والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان، الآية. فمن عادى هؤلاء فلا حق له فيه.
* * *
قال إسحاق بن عيسى: رأيت رجلًا من أهل المغرب جاء مالك بن أنس فقال: أن الأهواء كثرت قبلنا، فجعلت على نفسي * إن أنا رأيتك أن آخذ بما تأمرنى به، فوصف له مالك شرائع الإسلام: الصلاة والزكاة والصوم والحج، ثم قال: خذ بها ولا تخاصم أحدا.
قال ابن وهب وغير واحد: سئل مالك عن أهل القدر: أنكف عن كلامهم؟
قال: نعم، إذا كان عارفا بما هو عليه. قال: ونأمره بالمعروف وننهاه عن المنكر وتخبرهم بخلافهم ولا نواصل القول (^٨٣)، ولا يصلى عليهم ولا نشهد جنائزهم، ولا أرى أن يناكحوا.
زاد في رواية غيره: قال الله: "ولعبد مؤمن خير من مشرك" (^٨٤).
قال في رواية أشهب: ولا يصلى خلفهم ولا يحمل عنهم الحديث، وإن وافيتموهم في ثغر فأخرجوهم منه.
قال ابن القاسم عنه: ولا يسلم عليهم ولا يعاد مرضاهم.
قال الواقدى عنه: ولا تجوز شهادة القدرى الذي يدعو، ولا الخارجى والرافضي. وقد روى عن مالك منع شهادته مجملا، وروى عنه: إذا كان داعية.
_________________
(١) الآيات ٨ و٩ و١٠ من سورة الحشر.
(٢) أ: ولا نواصفوا القول - ك، م: ولا يواضع القول - ط: ولا نواصلوا القول، ولعل الصواب ما أثبتناه.
(٣) الآية ٢٠٩ من سورة البقرة.
[ ٢ / ٤٧ ]
قال مصعب: سأل رجل مالكا فقال: الفواحش كتبه الله علينا؟
قال: نعم، قبل أن يخلقنا، ولابد لمن كتب الله عليه ذلك أن يعملها، ويصير إلى ما قدر عليه وكتب.
قال الكرابيسى (^٨٥)، سمعت مالكا، وسئل عن القدرية من هم؟ قال: من قال: ما خلق المعاصى (^٨٦).
وقال القاسم بن محمد: سألت مالكا عن القدرية من هم؟ فقال: سألت أبا سهيل كما سألتني فقال: هم الذين يقولون أن الاستطاعة إليهم، أن شاءوا أطاعوا وإن شاءوا عصوا.
* * *
قال الفروى: سمعت ابن أبي حنيفة يقول لمالك: أن لنا رأيا نعرضه عليك، فإن رأيته حسنا مضينا عليه وإن رأيته سيئا نكبنا عنه، قال: لا نكفر أحدا بذنب، المذنبون كلهم مسلمون.
قال: ما أرى بهذا بأسا.
فقال له داود بن أبي زنبر وإبراهيم بن حبيب وابن نافع الصائغ: يا أبا عبد الله، أن هذا ليسوق الكلام إلى أن يقول: دينى دين الملائكة وجبريل وميكائيل.
فقال: لا والله: الدين يزيد، قال الله "ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم" وقال إبراهيم: "رب أرنى كيف تحيي الموتى" الآية.
قد أثبت زيادة في دينه.
قال ابن وهب: سمعت مالكا يقول: أن المرجئة أخطأوا وقالوا قولا عظيما، قالوا: أن من أحرق الكعبة أو صنع كل شيء فهو مسلم.
فقيل لمالك: ما ترى فيهم؟
_________________
(١) عبيد الله بن المنتاب، انظر الجزء الأول من هذا الكتاب من ٩ هامش رقم ٧، وقد ورد في نسخة أ، الكرابسي، وفى ك: الكرايسي، أما في ط، م: فإنها غير واضحة.
(٢) ك: ما خلق المعاصي - ط: خلق للمعاصي - أ: خلى المعاصي.
[ ٢ / ٤٨ ]
قال: قال الله تعالى: "فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فإخوانكم في الدين" (^٨٧).
قال ابن وهب: سمعت مالكا، وقيل له أن أهل الأهواء يحتجون علينا بحديث: "كل مولود يولد على الفطرة" الحديث، فقال: احتجوا عليهم بآخره: "الله أعلم بما كانوا عاملين".
قال ابن نافع: سمعت مالكا يقول: لو أن العبد ارتكب الكبائر كلها بعد أن لا يشرك بالله شيئا ثم نجا من هذه الأهواء، لرجوت أن يكون في أعلى جنات الفردوس، لأن كل كبيرة بين العبد وبين ربه هو منها على رجاء، وكل هوى ليس هو منه على رجاء إنما يهوى بصاحبه في نار جهنم.
قال مالك: أهل الأهواء كلهم كفار، وأسوأهم الروافض.
قيل: فالنواصب؟
قال: هم الروافض، رفضوا الحق ونصبوا له العداوة والبغضاء.
معناه أن الأربعة أهل الحق (^٨٨)، فمن رفض واحدا منهم فقد ناصب الحق.
قال مطرف: رأيت مالكا يحتجم (^٨٩) يوم الأربعاء ويوم السبت مذكرا لما روى في ذلك.
_________________
(١) الآية ١١ من سورة التوبة.
(٢) ك، م: أهل الحق - أ، ط: عين الحق.
(٣) ك، م: يحتجم - ط: يحجم - أ: يحجب.
[ ٢ / ٤٩ ]