قال القاضي ﵁: قال زياد بن يونس: ما رأيت قط عالما ولا عابدا ولا شاطرا ولا واليا أهيب من مالك مالك رحمه الله تعالى.
قال ابن الماجشون: دخلت على أمير المؤمنين المهدى، فما كان بيني وبينه إلا خادمه، فما هبته هيبتي مالكا.
وقال مثله الدراوردي:
قال سعيد بن أبي مريم: ما رأيت أشد هيبة من مالك، لقد كانت هيبته أشد من هيبة السلطان.
قال مصعب الزبيري: ما رأيت قط أهيب من مالك إلا الخليفة.
وقال سعيد بن أبى هند: ما هبت أحدا هيبتى عبد الرحمن بن معاوية * يريد ملك الأندلس، حتى حججت فدخلت على مالك فهبته هيبة شديدة صغرت هيبة ابن معاوية.
قال ابن أبي أويس وأبو مصعب: ما كان يتهيأ لأحد بالمدينة أن يقول: قال رسول الله ﷺ، إلا حبسه مالك، فإذا سئل فيه قال: يصحح ما قال ثم يخرج.
قال إسماعيل: ولقد كان ابن كنانة وابن أبي حازم والدراوردي وغيرهم سمعوا مع مالك من مشايخ، وتركوا الحديث عنهم هيبة له حتى مات، ففشا ذلك فيهم.
[ ٢ / ٣٣ ]
قال الأصمعي: ما هبت عالما قط ما هبت مالكا، حتى لحن فذهبت هيبته من قلبى، فقلت له في ذلك، فقال: كيف لو رأيت ربيعة (^٥٦)؟ كنا نقول له: كيف أصبحت؟ فيقول: بخيرا بخيرا.
قال ابن وهب: قدمت المدينة فسألني الناس أن أسأل لهم، مالكا عن الخنثى، وقد اجتمعوا إليه، وكنت أنا الذي أسأل لهم، فهبت أن أسأله، وهابه كل من في المجلس أن يسأله.
قال هشام بن عمار: دخلت المدينة فأتيت مالك بن أنس، فلما وقع بصرى عليه هبته حتى ضربت على خاصرتي.
قال الشافعي: ما هبت أحدا قط هيبتى مالك بن أنس حين نظرت إليه.
وقيل كان الثورى في مجلسه، فلما رأى إجلال الناس له، وإجلاله للعلم أنشد:
يأبى الجواب فلا يراجع هيبة … فالسائلون نواكس الأذقان
أدب الوقار وعز سلطان التقى … فهو المهيب وليس ذا سلطان
قال ابن حنبل: كان مالك مهيبا في مجلسه، لا يرد عليه إعظاما له.
- * -
قال الشافعي: كان محمد بن الحسن إذا حدث بالعراق عن مالك امتلأ منزله حتى يضيق بهم الموضع، وإذا حدثهم عن غيره من شيوخ الكوفة لم يمتلئ (^٥٧) إلا اليسير، فكان يقول: ما أعلم أحدا أسوأ ثناء منكم على أصحابكم.
_________________
(١) ك، م: ربيعة، وهو ربيعة بن أبي عبد الرحمن فروخ، أو ربيعة الراي، فقيه أهل المدينة، وعنه أخذ مالك بن أنس ﵁، ترجم له ابن خلكان في وفيات الأعيان، الترجمة ٢١٨ ج ٢ ص ٥٠ - أ: كيف لو رأيت ابن سعيد؟
(٢) ط: لم يمتلئ - أ: لم يجه - ك: لم يجبه.
[ ٢ / ٣٤ ]
قال بكر بن الشرود (^٥٨) وغيره، والمعنى متقارب: أتينا مالك بن أنس فجعل يحدثنا عن ربيعة، ونحن نستزيده من حديثه، فقال لنا ذات يوم: ما تصنعون بربيعة وهو نائم في ذلك الطاق، فأتينا ربيعة فأنبهناه، وقلنا له: أنت ربيعة الذي يحدث عنك مالك؟ قال: نعم. قلنا له: كيف حظى بك مالك، ولم تحظ أنت بنفسك؟ فقال: أما علمتم أن مثقالا من دولة خير من حمل علم؟
قال ابن حارث: كان مالك يجل العلم الذي عنده إجلالا عظيما، ويصون نفسه عن جميع الوجوه التي تنقص وإن قلت، وكان مهيبا شديدا.
قال يحيى بن حسان: كتبت عن مالك يوما ثمانية أحاديث، فسررت بها سرورا كثيرا.
وقال بشر الحافي: حدثنا مالك، وأستغفر الله، أن من زينة الدنيا أن يقول الرجل: حدثنا مالك.
قال حبيب: رأيت مالكا منصرفا من عند المهدى، ما يمر بأحد إلا قام إليه وذكر الله، قال: فذكرت الحديث الذي جاء: إذا رؤوا ذكر الله.
قال غيره: كان مالك يسأل عن المغازي الضحاك بن عثمان، وابن كنانة، ثم يحدث عنهما في مجلسه، فيبتدئ الناس يكتبونها عنه، ويكتبها معهم الضحاك وابن كنانة، وأكثر ذلك إنما سمعه منهما.
قال القعنبي: ما أحسب بلغ مالك ما بلغ إلا بسريرة كانت بينه وبين الله تعالى، رأيته يقام بين يديه الرجل، كما يقام بين يدى الأمير.
قال إسماعيل بن يعقوب السهمى: كنت مع مالك بن أنس يوما جالسا عند بروز أهل الموسم، فجلس إليه رجل عراقي
_________________
(١) أ، ط: بكر بن الشرود، وهو بكر بن الشرود الصنعاني، انظر الجرح والتعديل، القسم الأول من المجلد الأول ص ٣٨٨ - ك: بكير …
[ ٢ / ٣٥ ]
فسأله عن مسألة، فأجاب، ثم سأله مرة أخرى فأجاب، ثم سأله فأبى أن يجيب، فقال له: قد أنفقت، وجئت هذا الوجه وأنا مسترشد، فأرشدني فقال: بلغني أن رسول * الله ﷺ قال: لا إيمان لمن لا حياء له. فقال العراقي: وأنا بلغني أن النبي ﷺ قال: إذا كثف وجه الرجل رق دينه، فوثب إليه جماعة من جلساء مالك فنزعوا عمامته وطرحوها في رقبته وخنقوه بها.
قال أشهب: عاد مالك محمد بن علي من علة، فصارت له بعيادة مالك وجهة في الناس.
قال عبد الله بن نافع الزبيرى: كنت أقرأ على نافع بن أبي نعيم بعد الصبح، فرفعت صوتي فزجرني وقال: أما ترى مالكا؟ وهو أول ما عرفت به مالكا.
وروى هذا أيضا عن ابن وهب.
قال يونس بن تميم: قدمت المدينة سنة ستين ومائة، فأتيت مالكا، فلما نظرت إليه هبته، فلم أتقدم إليه، ورأيت الناس يهابونه، فأقمت أتردد عشرة أيام، فشكوت ذلك لبعض أهل المدينة فقال لي: أعط كاتبه يسأل لك عما أحببت، وأما أنت فلا أحسب تتهيأ لك مساءلته، لأنه أهيب من ذلك في صدور الناس.
قال عبد الله العباسي: كان أهل المدينة إذا مات لهم ميت يقولون: امضوا بنا إلى مالك يعزينا.
قال مصعب: رأيت مالكا على ضجاع لا يقعد معه أحد، وقريش قعود فإذا جاءه رجل من بنى هاشم، ثنى رجله وأجلسه على ضجاعه، فيقبل عليه ولا يلتفت إلى أحد حتى يفرغ.
قال التسترى: وهذا في غير مجلس العلم.
وقد قيل إن المخزومي كان ممن يجلس معه على فراشه.
[ ٢ / ٣٦ ]
- * -
قال بعضهم: سعى ابن أبي الزناد (^٥٩) بمالك إلى بعض أمراء المدينة، فأتاه مالك ليلا يسأله أن يكف عنه، فأدخله حجلته (^٦٠)، فعجب الناس منه كيف ائتمنه على حرمه لما بينهما، ومضى إلى الوالي ورجع فقال: قد كفيته، ثم لم يعد مالك إلى كلامه حتى مات.
قال بعض الحسينيين (^٦١): كنت مقيما عند أهلى أيام ابتنائى بها، فأتاني مالك وأنا مع أهلى في الحجلة، فاستأذن، فكرهت أن أحبسه (^٦٢) بالباب إلى أن أباعد أهلى، فخرجت من الحجلة وأرخيت الستر على وجه زوجتى، وقعدت بين يدى الحجلة، وأذنت له فدخل وجلس ثم قال:
- إن هذا - يعنى الأمير - قد حبس غلامى، أخذه العسس فامض إليه حتى يطلقه. فهبت أن أخبره بموضع زوجتى، أو أراجعه، فتركته جالسا وخرجت إلى الأمير، فأطلق غلامه وجئت به، فلما رآني آخذا بيد الغلام، تلقاني وانتزع الغلام وخرج متوكئا عليه، والله ما قال لي: أحسن الله جزاءك.
_________________
(١) عبد الرحمن بن أبي الزناد الإمام، توفي سنة ١٧٤ ترجم له الذهبي في تذكرة الحفاظ ج ١ ص ٢٨٤ الترجمة رقم ٢٣٤.
(٢) الحجلة: بفتح الحاء والجيم، ستر يضرب للعروس في جوف البيت.
(٣) ك، ط: الحسينيين - أ: الحسيبين.
(٤) أ، ط: أحبسه - ك: أجلسه.
[ ٢ / ٣٧ ]