قال القاضي ﵁:
قال ابن مهدى (^٢٨٣): اختلف فيمن ضرب مالكا، وفى السبب في ضربه، وفى خلافة من ضرب.
فقيل: أن أبا جعفر نهاه عن الحديث: "ليس على مستكره طلاق"، ثم دس إليه من يسأل عنه، فحدث بسه على رؤوس الناس، فضربه بالسوط.
وقاله مصعب، إلا أنه قال: أن الذي نهاه، جعفر بن سليمان (^٢٨٤).
- * -
وقال الواقدى: لما سود مالك، وسمع منه وقبل قوله، حسده الناس وبغوه، فلما ولى جعفر بن سليمان على المدينة، سعوا به إليه وكثروا عليه عنده. وقالوا:
لا يرى أيمان بيعتكم هذه بشيء، وهو يأخذ بحديث يرويه ثابت الأحنف، في طلاق المكره أنه لا يلزم (^٢٨٥).
فغضب جعفر، ودعا به، فاحتج عليه بما رفع إليه، ثم جرده (^٢٨٦) ومده فضربه بالسياط، ومدت يده حتى انخلعت كتفه.
وفى رواية عنه: ومدت يداه حتى انخلع كتفاه.
_________________
(١) أ: قال ابن المهدي - ك: قال الطبري.
(٢) جعفر بن سليمان العباسي، ابن عم الخليفة العباسي "المنصور" وقد ولي المدينة مرتين الأولى من سنة ١٤٦ إلى سنة ١٥٠ والثانية من سنة ١٦٢ إلى سنة ١٦٦ هـ.
(٣) أ: لا يلزم - ك: لا يجوز.
(٤) أ: جرده - ك: جره.
[ ٢ / ١٣٠ ]
وكذلك اختلف على مصعب الزبيرى فى هذا.
- * -
وقال الجيانى (^٢٨٧): بقى مالك بعد الضرب مطابق اليدين، لا يستطيع أن يرفعهما، وارتكب منه أمر عظيم، فوالله ما زال مالك بعد ذلك الضرب فى رفعة من الناس وعلو واعظام، حتى كأنما كانت تلك الأسواط حليا حلي به.
وقيل: ان هذا كان فى أيام الرشيد، وان فتيا مالك إنما رفعت للرشيد.
- * -
قال أبو الوليد الباجي: ولما حج المنصور، أقاد مالكا من جعفر بن سليمان، وأرسله إليه ليقتص منه، قال:
- أعوذ بالله، والله ما ارتفع منها سوط عن جسمى إلا وأنا أجعله فى حل، ذلك الوقت، لقرابته من رسول الله ﷺ.
- * -
قال غيره: لما دخلت على أبي جعفر، وقد عهد الى * أن آتيه بالموسم، قال لى:
والله الذى لا اله الا هو، ما أردت الذى كان ولا علمته (^٢٨٨)، وانه لا يزال أهل الحرمين بخير ما كنت بين أظهرهم، واني اخالك أمانا لهم من عذاب الله، ولقد رفع الله بك عنهم سطوة عظيمة (^٢٨٩)، فانهم أسرع الناس للفتن، وقد أمرت بعدو الله أن يؤتى به من المدينة الى العراق على قتب (^٢٩٠)، وأمرت "نصيرا" بحبسه (^٢٩١) والاستبلاغ في امتهانه، ولابد أن أنزل به من العقوبة أضعاف ما نالك منه.
_________________
(١) ط: الجياني، وكذلك فى الديباج - أ: الحياني - ك: الحنيني.
(٢) أ: ما أردت الذي كان - ك: ما أمرت بالذي كان.
(٣) ك، ط: سطوة عظيمة ا: سوطة عظيمة.
(٤) القتب: بفتح التاء والقاف، الرحل الصغير على قدر سنام البعير.
(٥) كذا في نسختي أ، ط - وفي نسخة ك: وأمرت بضيق محبسه.
[ ٢ / ١٣١ ]
فقلت: عافى الله أمير المؤمنين وأكرم مثواه.
ونزهته من أمرى، وقلت له (^٢٩٢): قد عفوت عنه لقرابته من رسول الله ﷺ وقرابته منك.
فقال لى: فأنت، فعفا الله عنك ووصلك.
- * -
قال الفروى (^٢٩٣) والعمرى - وأحدهما يزيد على الآخر -:
لما ضرب مالك ونيل منه، حمل مغشيا عليه، فدخل الناس عليه، فأفاق فقال: أشهدكم أني جعلت ضاربي في حل.
فعدناه فى اليوم الثاني فاذا به قد تماثل، فقلنا له ما سمعنا منه، وقلنا له:
- قد نال منك.
فقال: تخوفت أن أموت أمس فألقى النبي ﷺ، فأستحيى منه أن يدخل بعض أهله النار بسببى.
فما كان إلا مدة، حتى غضب المنصور على ضاربه، وضرب ونيل منه أمر شديد، فبشر مالك بذلك فقال:
- سبحان الله! أترون حظنا مما نزل بنا الشماتة به؟ انا لنرجو له من عقوبة الله أكثر من هذا، ونرجو لنا من عفو الله أكثر من هذا، ولقد ضرب فيما ضربت فيه محمد بن المنكدر، وربيعة، وابن المسيب، ولا خير فيمن لا يؤذى فى هذا الأمر.
- * -
وقيل: إن الذى تولى ذلك منه، عامل جعفر بن سليمان، وأن جعفرا هو الذي صنع بعامله من النكال ما تقدم. والأول أشهر.
_________________
(١) ونزهته من امري وقلت له ساقط من ك.
(٢) ك: الفروي - أ: القروي.
[ ٢ / ١٣٢ ]
قال مطرف: جلد جعفر بن سليمان مالكا ثمانين سوطا.
وقاله ابن القاسم.
قال مطرف ومصعب: بسبب محمد بن عبد العزيز الزهرى (^٢٩٤)، حمله عليه في محمله الاول، أنه يفتى الناس أن ليس على من أكره على البيعة شيء.
قال مطرف ومصعب: فرأيت آثار السياط فى ظهره، قد شرحته تشريحا، وكان حين مدوه فى الحبل بين يديه خلعوا كتفه (^٢٩٥)، حتى ما كان يستطيع أن يسوى رداءه، فلما ولى جعفر عمله الآخر، ودخل عليه مالك، سأله جعفر أن يجعله في حل. قال له:
- انى جهلت واستزلات، والله ما جلدك الا القرشيون (^٢٩٦).
فقال له مالك: انك ترى أن قد ظلمتني؟
قال: نعم.
قال: فأنت في حل، فوسع الله عليك.
- * -
قال ابراهيم بن حماد الزهرى: رأيت مالكا يحمل احدى يديه بالأخرى.
- * -
وقيل لمالك: هذا ابن عبد العزيز الزهرى قد وقف في المسجد - وكان قاضى المدينة، وهو الذي بنى بمالك - فقال مالك: ما شاء الله، لا حول ولا قوة الا بالله. ثم ذكر محنة محمد بن المنكدر، وربيعة، ثم قال:
_________________
(١) ك: الزهري - أ: الزبيري.
(٢) أ: كتفه - ك: كتفيه.
(٣) ك: والله ما جلدك الا القرشيون - أ: والله ما تلدك الا القريشيون.
[ ٢ / ١٣٣ ]
- قال عمر بن عبد العزيز: ما أغبط أحدا لم يصبه في هذا الأمر أذى.
- * -
قال الدراوردى: لما أحضر مالك لضربه فى البيعة التي أفتى بها - وكنت أقرب الخلق منه - سمعته يقول كلما ضرب سوطا: "اللهم اغفر لهم فانهم لا يعلمون" حتى فرغ من ضربه.
- * -
وذكر أنه أفتى عند قيام محمد بن عبد الله بن حسن العلوى المسمى بالمهدى، بأن بيعة أبي جعفر لا تلزم، لانها على الاكراه.
- * -
قال الليث: اني لارجو أن يرفع الله مالكا بكل سوط درجة في الجنة.
- * -
وخالف هذا كله ابن بكير فقال:
ما ضرب مالك الا في تقديمه عثمان على على، فسعى به الطالبيون حتى ضرب.
فقيل لابن بكير: خالفت أصحابك، هم يقولون: ضرب في البيعة.
قال: أنا أعلم من أصحابي.
- * -
وقال أحمد بن صالح: انما ضرب مالك فى الطلاق قبل النكاح، كان لا يراه، ثم رآه.
قال أبو داود: لم يصنع أحمد شيئا.
وقال ابن كنانة: ضرب فى ايمان السلطان أنها لا تلزم، وفى دفع الصدقات اليهم.
وقال مصعب: ضرب مالكا جعفر بن سليمان ثلاثين سوطا، وقيل: نيفا وثلاثين، ويقال: ستين. وقال مكي بن ابراهيم:
[ ٢ / ١٣٤ ]
سبعين سوطا، وقيل نيفا وسبعين سوطا، وقيل مائة سوط من رواية الحرث عن ابن القاسم.
قال مالك: ما كان على يوم ضربت أشد من شعر كان في صدري، وكان فى ازارى خرق ظهر منه فخذى، فجعلت لله على أن أستجد الازار ولا أترك على شعرى.
قال مصعب: وكان ضربه سنة ست وأربعين ومائة، وقيل سنة سبع وأربعين.
قال محمد بن خالد، ابن عثمة (^٢٩٧): كنا عند جعفر بن سليمان في مرضه الذي مات فيه، فدخل عليه حماد بن زيد، فقال له:
يا أبا اسماعيل، رأيت فى منامى مالك بن أنس، فسلمت عليه فلم يرد، فأعدت عليه فرد وقال: "ان لى ولك غدا مقاما عند الله" فأرقت لذلك وغمني.
فقال له حماد: ان مالكا من الاسلام بمكان جليل، وما هو الا الندم والاستغفار.
وفي رواية: وان تعتق فأعتق عن كل سوط رقبة.
- * -
قال الأصمعي: وأنا مشيت بين جعفر بن سليمان ومالك حتى حاله.
- * -
قال المنذر: الذي أغرى بمالك جعفر بن سليمان، رجل من بنى
_________________
(١) هو محمد بن خالد البصري، وعثمة أمه، وقد روى عن الامام مالك وعن غيره، انظر الخلاصة ص ٣٣٤ وتقريب التهذيب ص ١٨١ - وقد ورد اسمه هنا فى نسخة "أ" كما يلي: محمد بن خلد بن غنمة، وفى نسخة ك: محمد بن خالد -وفى نسخة ط: محمد بن خالد بن عنمة.
[ ٢ / ١٣٥ ]
مخزوم، صاحب أدب، وذكر خبر فتياه فى الايمان، فكتب بذلك جعفر إلى الخليفة، فكتب إليه أن يجلده، فجلده، ومد يديه بين العقابين (^٢٩٨) فلذلك كان لا يأتى المسجد، لا يزال ريح يخرج من موضع الكتف. ثم عزل، ثم ولى ثانية، فأكرم مالكا وقربه، وتباعد منه مالك حتى كف عنه.
فحج، فبينا مالك بالموقف، قال جعفر لأصحابه: "لا تحركوا" وسار، فلم يشعر مالك الا بانسان ضرب بسوطه محمله، فرفع مالك رأسه، فقال:
- يا مالك! هذا يوم عظيم، ينظر الله إلى عباده ويغفر لهم، فاجعلني في حل مما ارتكبت منك.
فقال: لا والله، حتى ألتقى أنا وأنت بين يدى الله.
فرجع.
_________________
(١) آلة توضع فيها اليدان عند الضرب، فتمسكهما وتمنعهما من الحركة.
[ ٢ / ١٣٦ ]