قال القاضي ﵁:
قد قدمنا تاريخ وفاته، وأن الصحيح من ذلك في ربيع الأول سنة تسع وسبعين ومائة، يوم الأحد، ولتمام اثنين وعشرين يوما من مرضه.
وغسله ابن كنانة وابن أبي الزبير (^٣١٠).
وابنه يحيى، وكاتبه حبيب، يصبان عليهما الماء.
ونزله في قبره جماعة، وأوصى أن يكفن في ثياب بيض، ويصلى عليه في موضع الجنائز، فصلى عليه عبد العزيز بن محمد بن إبراهيم بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس، وكان خليفة لأبيه على المدينة، ومشى في جنازته، وحمل نعشه.
وبلغ كفنه خمسة دنانير (^٣١١).
- * -
وقد ذكرنا من المرائى الدالة على علمه وإمامته جملة، ونقتصر هاهنا على الغرض مما لم نذكره قبل.
- * -
قال بكر بن سليمان الصواف: (^٣١٢) دخلنا على مالك بن أنس في العشية التي قبض فيها، فقلنا:
_________________
(١) في الديباج: ابن أبي الزبير. وفى نسخ المدارك التي بين أيدينا: ابن أبي زبير.
(٢) ك، ط: خمسة دنانير - أ: خمسمائة دينار.
(٣) ط: الصواف، وكذلك في الديباج - أ: الصراف - ك: الصواب.
[ ٢ / ١٤٦ ]
يا أبا عبد الله كيف تجدك؟
فقال: ما أدرى كيف أقول: إلا أنكم ستعاينون غدا من عفو الله (^٣١٣) ما لم يكن في حساب.
ثم ما برحنا حتى أغمضناه.
وقيل: أنه تشهد ثم قال: لله الأمر من قبل ومن بعد.
ورأى عمر بن يحيى بن سعيد الأنصارى في الليلة التي مات فيها مالك، قائلا يقول:
لقد أصبح الإسلام زعزع ركنه … غداة ثوى الهادى لدى ملحد القبر
إمام الهدى ما زال للعلم صائنا … عليه سلام الله في آخر الدهر
قال: وانتبهت وكتبت البيتين في السراج، وإذا الصارخة على مالك ﵀.
- * -
قال حبيب كاتب مالك: كنا عند مالك يوم مات في جماعة من إخواننا، إذ أتاه ابن أبي حازم، فقال:
يا أبا عبد الله، رأيت في هذه الليلة رؤيا أحببت أن أقصها عليك.
قال: قص.
قال: رأيت أن السماء انفرجت فهبط منها ملك بيده طومار (^٣١٤)، وهو يقول: يا معشر الناس، هذه براءة مالك من النار.
ثم أنا لجلوس ما برحنا، حتى دخل وإلى المدينة ابن أبي زينب ومعه مؤدبه * فقال:
_________________
(١) ما بين خطين مائلين ساقط من أ.
(٢) الطومار: الصحيفة.
[ ٢ / ١٤٧ ]
يا أبا عبد الله، إن مؤدبى رأى الليلة رؤيا - وذكر مثلها سواء - فقال له مالك: سبقك إليها أبو تمام.
ثم خرجنا من عنده، فلما بلغنا باب الدار أغلق، وسمعنا صوائح، فرجعنا، فما لبثنا أن خرج ابنه يقول: قد قبضه الله إليه.
- * -
قال الشافعي: قالت لي عمتى ونحن بمكة: رأيت في هذه الليلة عجبا.
قلت: وما هو؟
قالت: كأن قائلا يقول: مات الليلة أعلم أهل الأرض.
فحسبنا تلك الليلة، فإذا هي ليلة مات فيها مالك.
- * -
قال الحسن بن حمزة الجعفري: كنت أشتم مالكا، فأقمت عشيتى على ذلك، فنمت، فرأيت كأن الجنة فتحت، فقلت: ما هذا؟ قالوا: الجنة. فقلت: فما هذه الغرف؟ قالوا: الغرفة فوق الغرفة فوق الغرفة، لمالك بن أنس، بما ضبط على الناس دينهم.
فلم أنتقصه بعد، وصرت أكتب عنه.
- * -
ورأى آخر كأن قائلا يقول: ليقم من صدق الله، فقام مالك بن أنس.
- * -
قال بعضهم: رأيت مالك بن أنس في النوم، فقلت:
لقد نفع الله بك، ونفعت أهل بلدك.
فقال: أما والله ما أردت بذلك إلا الله.
قال أسد بن موسى: رأيت مالكا بعد موته وعليه قلنسوة طويلة، وثياب خضر، وهو على ناقة تطير بين السماء والأرض، فقلت: يا أبا عبد الله، أليس قد مت؟
[ ٢ / ١٤٨ ]
قال: بلى.
فقلت: الأم صرت؟
قال: قدمت على ربى فكلمنى كفاحا (^٣١٥)، فقال: سلني أعطك، وتمن على أرضك.
- * -
وذكر أن الفضيل بن عياض رأى أنه دخل الجنة، قال:
فبينا أنا في طرقها إذ مررت بزيد بن أسلم في غرفة، وعليه قلنسوة طويلة.
فقلت: زيد!
قال: نعم.
قلت له: لقد سكنك الله وشرفك، فأين مالك، لا أراه؟
قال: وأين مالك؟ مالك فوق!
فما زال يقول "فوق" حتى وقعت قلنسوته.
- * -
ورآه آخر فقال له: ما فعل بك ربك؟ قال غفر لي. قال: بماذا؟ قال: بكلمة عثمان التي كان يقولها إذا رأى الميت: "سبحان الحي الذي لا يموت".
- * -
قال ابن أبي أويس: كان يحيى بن يزيد النوفلي من الزهاد العباد، وكان لا يكلم مالكا ولا ابن أبي ذيب ولا ابن عمران، وكتب إلى كل واحد منهم كتابا يعظهم في إقبالهم على الدنيا، فأما مالك فأجابه أحسن جواب، وأما الآخران فأغلظا له في القول.
_________________
(١) يقال كافحه وكفحه بمعنى لقيه مواجهة، وكافح القوم أعداءهم في الحرب، استقبلوهم بوجوههم ليس دونها ترس ولا غيره.
[ ٢ / ١٤٩ ]
فقدم بعد موته من الغابة إلى المدينة، فلم يتخلف عنه أحد، فحضرته يوما وهو يحدث، وعنده خلق كثير، وهو يبكى ويقول:
رأيت في هذه الليلة كأنى في موضع نخل وبساتين وخضرة، وقصور وأنهار تجرى، فاعتمدت إلى قصر رأيت أنه أفضلها، فلما ذهبت لأدخله، إذا على بابه إنسان يمنعنى الدخول، وقال:
حتى أستأذن لك.
فذهب، ثم أتى فأدخلني، فإذا بقصر لم ير الراؤون مثله حسنا، وإذا فيه مالك بن أنس، جالس وسطه، وفى حجره مصحف، وعليه ثياب خضر أحسن ما يكون، فلما وقفت سلمت عليه وقلت:
أليس قد مت؟
قال: بلى.
قلت: فيم صرت إلى هاهنا؟
قال: بعفو الله وتجاوزه عنى وسعة رحمته، لا بعلمى.
قلت: فما رأيت في شأن هذا العلم؟
قال: أكثر ما نجونا بالتوقف عنه.
قلت: اين زيد بن أسلم؟ وفي رواية: عبد الرحمن بن زيد بن أسلم؟
فرفع رأسه إلى السماء وأشار بأصبعه وقال:
- هيهات، ذلك في عليين، مع البكائين.
فلم تزل رؤياه في رقعة بين يديه، مع أجوبتهم له، يقرأها للناس ويبكى ويترحم على مالك في كل مجلس.
- * -
وعن بشر بن بكير: رأيت، أو، رئى، الأوزاعي والثورى، وهما في الجنة، فقلت: أين مالك؟ فقال * لي: إن مالكا في أعلى.
ورفع رأسه حتى سقطت قلنسوته.
[ ٢ / ١٥٠ ]
* * *
قال التسترى: رئى أبو زرعة (^٣١٦) في النوم، فقيل له: ما فعل الله بك؟ فقال: قال لي: أكثرت على يا أبا زرعة - وكان يكثر مخاصمة أصحاب المقالات - قال: فقلت: أي رب، إنهم جادلوا دونك.
فقال: إجعلوه مع أبي عبد الله، وأبي عبد الله مالك (^٣١٧) والثورى وابن حنبل.
_________________
(١) أ: أبو زرعة - ك: أبو زرعة الرازي.
(٢) كذا في نسخة "أ" وفى نسخة ك: إجعلوه مع أبي عبد الله، وأبي عبد الله، وأبي عبد الله مالك، بتكرار أبي عبد الله ثلاث مرات.
[ ٢ / ١٥١ ]