قال القاضي ﵁:
سئل عيسى بن عمر المدني (^٢٠٩): أكان مالك يغشى الأمراء؟ قال: لا، إلا أن يبعثوا إليه فيأتيهم.
وقيل لمالك: تدخل على السلاطين وهم يظلمون ويجورون؟ فقال: يرحمك الله، وأين التكلم (^٢١٠) بالحق.
وقال مالك حق على كل مسلم، أو رجل جعل الله في صدره شيئا من العلم والفقه، أن يدخل إلى ذى سلطان يأمره بالخير وينهاه عن الشر، ويعظه حتى يتبين دخول العالم على غيره، لأن العالم إنما يدخل على السلطان لذلك، فإذا كان، فهو الفضل الذي لا بعده فضل.
- * -
قال عتيق بن يعقوب: كان مالك إذا دخل على الوالى وعظه وحثه على مصالح المسلمين، ولقد دخل يوما على هارون الرشيد، فحثه على مصالح المسلمين.
قال له: لقد بلغني أن عمر بن الخطاب ﵁ كان في فضله وقدمه ينفخ لهم عام الرمادة النار تحت القدور، حتى يخرج الدخان من لحيته، وقد رضى الناس منكم بدون هذا.
_________________
(١) ك: المدني - ا: الرقي.
(٢) ا: التكلم - ك: المتكلم.
[ ٢ / ٩٥ ]
ودخل عليه مرة، وبين يديه شطرنج منصوب وهو ينظر فيه، فوقف مالك ولم يجلس وقال:
أحق هذا يا أمير المؤمنين؟
قال: لا.
قال: "فماذا بعد الحق إلا الضلال".
فرماه هارون برجله وقال: لا ينصب بين يدى بعد (^٢١١).
وقال لبعض الولاة: افتقد أمور الرعية، فإنك مسؤول عنهم، فإن عمر بن الخطاب قال: والذي نفسي بيده لو هلك جمل * بشاطئ الفرات ضياعا لظننت أن الله يسألني عنه يوم القيامة.
وقال الحسن (^٢١٢): سمعت مالكا يحلف بالله ما دخلت على أحد منهم - يعنى السلطان - إلا أذهب الله هيبته من قلبي حتى أقول له الحق.
قال خلف بن عمر: قلت لمالك: الناس يكثرون أنك تأتى الأمراء، فقال: أن ذلك بالحمل من نفسى، وذلك أنه ربما استشير من لا ينبغى.
وقال لآخر: لولا أنى آتيهم ما رأيت للنبى ﷺ في هذه المدينة سنة معمولا بها.
- * -
قال ابن وهب وابن عبد الحكم: قال مالك: دخلت على أبى جعفر فرأيت غير واحد من بنى هاشم يقبل يده المرتين والثلاث، فرزقنى الله العافية من ذلك فلم أفعل.
وروى أنه كان جالسا مع أبي جعفر، فعطس أبو جعفر فشمته مالك، فلما خرج أنكر عليه الحاجب ذلك وتهدده أن عاد لتشيمته، فلما كان بعد ذلك جلس عنده فعطس أبو جعفر، فنظر مالك إلى الحاجب،
_________________
(١) ما بين خطين مائلين ساقط من أ.
(٢) ط: الحسن - ك: الحنيني - أ: غير واضحة.
[ ٢ / ٩٦ ]
ثم قال للمنصور: أي حكم تريد يا أمير المؤمنين؟ أحكم الله أو حكم الشيطان؟ قال: بل حكم الله. قال: يرحمك الله!
- * -
قال يعيش بن هشام الخابوري (^٢١٣): كنت عند مالك إذ أتى رسول المامون، ويقال: الرشيد، وهو الصحيح، ينهاه أن يحدث بحديث (^٢١٤) معاوية في السفرجل.
قال: تلا مالك قول الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا﴾ الآية (^٢١٥)، ثم قال: والله لأخبرن بها في هذه الغرفة (^٢١٦)، واندفع فقال:
حدثنا نافع عن ابن عمر: كنت عند رسول الله ﷺ فأهدى إليه سفرجل، فأعطى أصحابه واحدة واحدة، وأعطى معاوية ثلاث سفرجلات، وقال: القنى بهن في الجنة. وقال رسول الله ﷺ: السفرجل يذهب طخاء (^٢١٧) القلب.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: لم يدرك مالك أيام المأمون، توفى قبلها، وذكر المامون هنا وهم.
- * -
قال الزبيرى عن مالك (^٢١٨)، لما دخلت على أبي جعفر - وذكر قصته معه في حمل الناس على كتبه نحو القصة التي قدمنا - قال: كلمته في الناس، وحضضته عليهم، وجعل يسألني عن بنتى (^٢١٩)،
_________________
(١) ك، م: الخابوري - أ: الحابوري - ط: الحابري.
(٢) بياض في أ.
(٣) الآية ١٥٩ من سورة البقرة.
(٤) ا، ط: الفرفة - ك، م: الصرفة - وفى الديباج: في هذه العرصة.
(٥) ط: طخاء القلب، والطخاء الغشاء يغطي غيره، يقال على قلبه طخاء، أي غشية من كرب أو هم - وفى نسخة أ: صحاء - وفى ك: صخا.
(٦) ك: قال الزبيري عن مالك: لما دخلت .. الخ - أ: قال الرندي: لما دخلت .. الخ.
(٧) ك: بنتي - أ: بيتي.
[ ٢ / ٩٧ ]
وعن ابنى، وعن أهلى، فأخبره، ثم قال: أترى أنى أعرف منزلك ولا أعرف أمر الناس؟
ثم قال لي: إن رابك ريب من عامل المدينة أو عامل مكة، أو أحد من عمال الحجاز في ذاتك أو ذات غيرك، أو سوء سيرة في الرعية، فاكتب إلى بذلك أنزل بهم ما يستحقون (^٢٢٠)، وقد كتبت إلى عمالى بهذا أن يسمعوا منك ويطيعوا في كل ما تعهد إليهم، فانههم عن المنكر وأمرهم بالمعروف تؤجر على ذلك، وأنت حقيق أن تطاع ويسمع منك.
ثم خرجت فتبعتني صلته، ذكر أنها كانت خمسة آلاف وكسوة حسنة، ولابنه محمد ألف.
قال: فلما لحقه الخصى بالكسوة جعلها على منكبه، وكذلك كانوا يفعلون ليخرج بها على الناس، فانحنى مالك عنها كراهية لذلك، فناداه أبو جعفر: بلغها إلى رحل أبى عبد الله!
- * -
ولما قدم المهدى المدينة جاء الناس مسلمين عليه، فلما أخذوا مجالسهم استأذن مالك، فقال الناس: اليوم يجلس مالك آخر الناس. فلما دنا ونظر إلى ازدحام الناس، قال:
يا أمير المؤمنين! أين يجلس شيخك مالك؟
فناداه: عندى يا أبا عبد الله!
فتخطى الناس حتى وصل إليه، فرفع المهدى ركبته اليمنى وأجلسه.
قال ثم أتى المهدى بالطست والإبريق، فغسل يده، ثم قال للغلام: قدمه إلى أبي عبد الله، فقال مالك: يا أمير المؤمنين، ليس
_________________
(١) هكذا وردت هذه العبارة في نسخة ك - وقد وردت في نسخة ا كما يلي: إن رابك ريب من عامل المدينة أو عامل مكة أو أحد من عمال الحجاز في رأيك، أو راب غيرك، وأسر سيرة في الرعية ما كتب إلي بذلك أنزل بهم ما يستحقونه.
[ ٢ / ٩٨ ]
هذا من الأمر المعمول به، ارفع يا غلام! فأكل معه غير متوضيء، وذكر قصته (^٢٢١) معه في الموطأ.
- * -
وروى أن مالكا دخل على عبد الملك بن صالح أمير المدينة، فجلس ساعة ثم دعا بالطعام والوضوء، فقال: ابدأوا بأبي عبد الله.
فقال مالك: أن أبا عبد الله - يعني نفسه - لا يغسل يده.
فقال: لم؟
قال: ليس هو الذي أدركت عليه أهل العلم ببلدنا، إنما هو من زى الأعاجم، وقد نهى عمر عن أمر الأعاجم، وكان عمر إذا أكل، مسح يده بباطن قدمه.
فقال له عبد الملك: أأترك يا أبا عبد الله؟ فقال: أي والله! فما عاد إلى ذلك ابن صالح.
قال مالك: ولا آمر الرجل أن لا يغسل يده، ولكن إذا جعل ذلك كأنه واجب عليه، فلا.
أميتوا سنة العجم، وأحيوا سنن العرب، أما سمعت قول عمر ﵀: تمعددوا واخشوشنوا وامشوا حفاة، وإياكم وزى الأعاجم.
- * -
قال حسين بن عروة: ولما قدم المهدى المدينة بعث إلى مالك بألفي دينار، أو بثلاثة آلاف دينار، مع الربيع، فلما خرج من عنده قال:
يا جارية! لا تمسى هذا المال، فإني تفرست حين نظرت وجه الربيع، ورأيت فيه أمرا منكرا، ولهذا المال سبب.
فلما حج المهدى وقدم المدينة، أتاه الربيع بعد ذلك فقال له:
أمير المؤمنين يقرئك السلام، ويحب أن تعادله إلى مدينة السلام.
_________________
(١) ك: قصته - ا: قضيته.
[ ٢ / ٩٩ ]
فقال له مالك: أقرئ أمير المؤمنين السلام وقل له: قال رسول الله ﷺ: "والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون" والمال عندى على حاله، يا جارية! أخرجيه.
فأبى الربيع أن يقبله، فلم يزل به مالك حتى أخذه. فأتى الربيع المهدى، فغمه رد المال، فلما كان وقت رحلته شيعه الناس، فوصلهم، ووجه إلى مالك فودعه ولم يأمر له بشيء، فلما أتى منزله وجه له ستة آلاف دينار، فالتفت إلى من كان حاضرا فقال:
من ترك شيئا لله، عوضه الله خيرا مما ترك.
- * -
وقال لمالك بعض ولاة المدينة: لم لا تخضب كما يخضب أصحابك؟ فقال له مالك: لم يبق عليك من العدل إلا أن أخضب!
وأثنى قوم على والى المدينة بحضرته عند مالك، فغضب مالك ثم التفت إليه وقال:
إياك أن يغرك هؤلاء بثنائهم عليك، فإن من أثنى عليك وقال فيك من الخير ما ليس فيك، يوشك أن يقول فيك من الشر ما ليس فيك، فاتق التزكية منك لنفسك، أو ترضى بها من أحد يقولها لك في وجهك، فإنك أنت أعرف بنفسك منهم، فإنه بلغنى أن رجلا امتدح رجلا عند النبي ﷺ، فقال له النبي ﷺ: "قطعتم ظهره، أو "عنقه"، لو سمعها ما أفلح".
وقال النبي ﷺ: "احثوا التراب في وجوه المادحين" (^٢٢٢).
- * -
_________________
(١) ا: المادحين - ك: المداحين.
[ ٢ / ١٠٠ ]
وناظر أبو جعفر المنصور مالكا في مسجد النبي ﷺ، فرفع أبو جعفر صوته، فقال له مالك: يا أمير المؤمنين لا ترفع صوتك في هذا المسجد! فإن الله تعالى أدب قوما فقال: ﴿لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ الآية (^٢٢٣) ومدح قوما فقال، ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ﴾ (^٢٢٤) الآية، وذم قوما فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ﴾ (^٢٢٥) الآية، وإن حرمته ميتا كحرمته حيا، فاستكان لها أبو جعفر.
وقال له أبو جعفر: أدعو مستقبل القبلة أم مستقبل رسول الله ﷺ؟
فقال مالك: ولم تصرف وجهك عنه، وهو وسيلتك، ووسيلة أبيك آدم إلى الله تعالى يوم القيامة؟ بل استقبله، واستشفع به إلى ربك يشفع لك، قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ﴾ الآية (^٢٢٦).
- * -
قال أسامة بن زيد: لما قدم أبو جعفر، دخلنا مسلمين عليه، وأخذنا مجالسنا، فبينا نحن كذلك إذ دخل مالك، فقال له أبو جعفر:
إلى ها هنا يا أبا عبد الله، لم تركتم قول على وابن عباس، وأخذتم بقول ابن عمر؟
قال له: لأنه آخر من مات من أصحاب رسول الله ﷺ.
فقال المنصور: يا أبا عبد الله، والله ما بقى على وجه الأرض أعلم مني ومنك، خذ بقول ابن عمر، ودعنى ممن سواه.
- * -
_________________
(١) الآية ٢ من سورة الحجرات.
(٢) الآية ٣ من سورة الحجرات.
(٣) الآية ٤ من سورة الحجرات.
(٤) الآية ٦٣ من سورة النساء.
[ ٢ / ١٠١ ]
قبال مصعب: لما قدم المهدى المدينة، استقبله مالك وغيره من أشرافها على أميال، فلما بصر بمالك، انحرف (^٢٢٧) المهدى إليه، فعانقه وسلم عليه وسايره، فالتفت مالك إلى المهدى فقال:
يا أمير المؤمنين! إنك تدخل الآن المدينة فتمر بقوم عن يمينك ويسارك، وهم أولاد المهاجرين والأنصار، فسلم عليهم، فإن ما على وجه الأرض قوم خير من أهل المدينة ولا خير من المدينة.
فقال له: ومن أين قلت ذلك يا أبا عبد الله؟
قال: لأنه لا يعرف قبر نبى اليوم على وجه الأرض غير قبر محمد ﷺ، ومن كان قبر محمد عندهم، فينبغي أن يعلم فضلهم على غيرهم.
ففعل المهدى ما أمره به مالك، فلما دخل المدينة ونزل، وجه ببغلته إلى مالك ليركبها ويأتيه، فرد البغلة وقال: إني لاستحيى من الله أن أركب في مدينة فيها جثة رسول الله ﷺ، وأتاه ماشيا، وكانت به علة، فاتكأ على المغيرة المخزومي وعلى ابن حسن العلوى، وعلى بن أبي على اللهبى، وهؤلاء علماء المدينة وأشرافها، فلما بصر به المهدى قال:
يا سبحان الله! ترك ركوب البغلة إجلالا لرسول الله ﷺ، فقيض الله له هؤلاء فاتكأ عليهم، والله لو دعوتهم أنا إلى هذا ما أجابونى.
فقال المغيرة: يا أمير المؤمنين! نحن قد افتخرنا على أهل المدينة، لما اتكأ علينا.
- * -
واستسقى مالك عند المهدى، فأتى بقدح زجاج في أذنه حلقة فضة، فأبى أن يشرب به، فأتى بكوز فخار فشرب، فأمر المهدى بالحلقة فقلعت.
- * -
_________________
(١) ك: انحرف ا: انجذب.
[ ٢ / ١٠٢ ]
قال معن: دخل إبراهيم بن يحيى العباسي أمير المدينة يوما على مالك، ومالك حديث عهد بعلة، فثبت مالك في مجلسه لم يقم له ولم يوسع، فجلس إبراهيم على أقل (^٢٢٨) فراش مالك، ومالك لم يتزحزح، فحادثه ساعة، ثم قال له:
ما تقول يا أبا عبد الله في محرم قتل قملة؟
قال: لا يقتلها.
قال: فإنه قتلها، فما فديتها؟
قال مالك: لا يفعل.
قال: فعل.
قال: لا يفعل.
قال (^٢٢٩): أقول لك قد فعل، فتقول: لا يفعل.
قال: نعم.
فقام إبراهيم مغضبا، وسكت مالك ساعة، ثم قال لنا: إنما يريدون أن يعبثوا بالدين (^٢٣٠)، إنما الفدية على من قتلها غير عامد لقتلها، وهذا يريد أن لا تبقى في عسكره قملة على أحد من حشمه.
- * -
قال معن: وسأل إبراهيم هذا مالكا أن يكتب له كتابا، فكتبه له، ثم دخل عليه مالك يوما فقال له إبراهيم:
أحب أن تكتب لي كتابا مكان ذلك الكتاب، فقد ضاع.
فقال مالك: لم يضع أصلحك الله.
قال: بلى، وحقك لقد ضاع، فعجل على كتابا مثله.
قال: ما أنا بفاعل.
_________________
(١) ك، م: على أقل فراش مالك - أ، ط: على قلب فراش مالك.
(٢) ما بين خطين مائلين ساقط من أ.
(٣) ك: أن يعبثوا بالدين - ا: أن يفتنوا الدين.
[ ٢ / ١٠٣ ]
قال: لم؟
قال: لأنه لا يضيع كتاب مثلك، مر به يطلب تجده إن شاء الله.
ثم عاد إليه بعد، فقال: علمت يا أبا عبد الله أنا طلبنا الكتاب فوجدناه؟
قال: الحمد لله، أصبته حين طلبته.
- * -
قال عتيق بن يعقوب: خرجنا مع مالك إلى المصلى يوم عيد، ومالك يمشى، وخرج عبد الملك بن صالح أمير المدينة في سلاح وتعبئة ورايات وأعلام، فنظر إليهم مالك فقال:
إنا لله وإنا إليه راجعون، *ما هكذا كان النبي ﷺ والخلفاء الراشدون.
فبلغ ذلك عبد الملك، فأتاه في المصلى فقال: يا أبا عبد الله! ما الذي أنكرت؟
قال: ما رأيت معك، إنما يأتى الناس للصلاة خاضعين خاشعين يرجون المغفرة، ولقد أخبرني يحيى بن سعيد، أن النبي ﷺ، دخل عام الفتح مكة في عشرة آلاف أو اثنى عشر ألفا، وكان راكبا وسط راحلته، وتحته قطيفة قيمتها أربعة دراهم، منكس الرأس، وهو يقول: الملك لله الواحد القهار، وكان يأتى المصلى للعيدين والاستسقاء، متوكئا على عصا أو قوس، منكسا رأسه، خاشعا.
- * -
قال عتيق بن يعقوب: دخل مالك يوما على عبد الملك بن صالح، وقد غضب على بعض أهل المدينة حتى بلغ ذلك منه، فقال له مالك: قال كعب لعمر: في التوراة أنه مكتوب: ويل لسلطان الأرض من سلطان السماء، فقال له عمر: إلا من حاسب نفسه، فقال كعب: ما بينهما حرف "إلا من حاسب نفسه".
- * -
[ ٢ / ١٠٤ ]
ووعظ المنصور في افتقاد أحوال الرعية، فقال له:
أليس إذا بكت ابنتك من الجوع، جعلت الخادم تحرك الرحا لئلا يسمعها الجيران؟
فقال مالك: والله ما علم بهذا إلا الله.
فقال له: فعلمت هذا ولا أعلم حال الرعية؟
- * -
قال بعضهم: لما قدم الرشيد المدينة، وقال آخر: بعض الخلفاء، أراد أن ينقض منبر النبي ﷺ ويزيد فيه، فقال لمالك: ما ترى؟ فقال: ما أرى.
فغضب وقال: قد زاد فيه معاوية.
فقال مالك: إن المنبر إذ ذاك كان صلبا، فلست آمن إن نقضته أن تذهب البركة منه، وفى رواية: أن يتهافت فيتشاءم الناس منك، ويقولون: زال على يده أثر من آثار رسول الله ﷺ.
فقال: أحسن الله جزاءك، فترك ما كان نواه.
- * -
قال: وشاور المهدى مالكا في ثلاثة أشياء، في الكعبة أن ينقضها ويردها على ما كانت عليه، فأشار عليه أن لا يفعل، وفى المنبر أن ينقضه ويرده على ما كان عليه، وذلك حين أراد أن يرد المنابر كلها صغارا على منبر النبي ﷺ، فقال له مالك إنما هو من طرفاء (^٢٣١)، وقد سمر إلى هذه العيدان، يعنى التي زادها معاوية، وأخشى إن نقضته (^٢٣٢) أن يخرب وينكسر، ولولا ذلك لرأيت أن ترده إلى حالته الأولى، وشاوره في نافع بن أبي نعيم القارئ أن يقدمه
_________________
(١) ك: طرفاء، والطرفاء شجر، وهي أصناف منها الأثل - وفي نسخة أ: طرفا.
(٢) ما بين خطين مائلين ساقط من أ.
[ ٢ / ١٠٥ ]
للصلاة، فأشار عليه ألا يفعل وقال: هو إمام أخاف أن يكون منه شيء في الغفلة (^٢٣٣) فيحكى عنه.
- * -
وقال ابن عبد الحكم: استأذن المهدى على مالك، فحبسه ساعة ثم أذن له، فلما دخل قال: يا أمير المؤمنين! أن العيال سمعوا بمجيئك فأحبوا أن يصلحوا من منزلهم.
- * -
قال سعيد بن أبى زنبر (^٢٣٤): كتب مالك ﵀ إلى بعض الخلفاء كتابا يعظه فيه:
"أما بعد، فإني أكتب إليك كتابا لم آل فيه رشدا، ولم أدخر فيه نصحا، فيه تحميد الله تعالى، وأدب رسوله ﷺ، فتدبر ذلك بعقلك، وردد فيه بصرك، وأوعه سمعك، واعقله بعقلك، وأحضره فهمك، ولا تغيبن عنه ذهنك، فإن فيه الفضل في الدنيا وحسن ثواب الله تعالى في الآخرة، وذكر نفسك غمرات الموت وكربه وما هو نازل بك منه، وما أنت موقوف عليه بعد الموت من العرض على الله تعالى، ثم الحساب، ثم الخلود بعد الحساب، إما إلى الجنة وإما إلى النار، وأعد له ما تسهل به عليك أهوال تلك المشاهد وكربها فانك لو رأيت أهل سخط * الله تعالى، وما صاروا إليه من أنواع العذاب، وشدة نقمة الله، وسمعت زفيرهم في النار وشهيقهم مع كلوح وجوههم وطول عمهم، وتقلبهم في أدراكها على وجوههم، لا يسمعون ولا يبصرون، ويدعون بالثبور، وأعظم من ذلك عليهم حسرة إعراض الله تعالى عنهم بوجهه، وانقطاع رجائهم من روحه، وإجابته إياهم بعد طول الغم، أن "اخسأوا فيها ولا تكلمون" لم يتعاظمك شيء من الدنيا أردت به النجاة من ذلك، ولا أمنك من هوله، ولو قدمت في طلب النجاة جميع ما لأهل الدنيا كان ذلك صغيرا، ولو
_________________
(١) ك: في الغفلة - ا: في القبلة.
(٢) ك: زنبر - ا: رمد - ط: "بياض".
[ ٢ / ١٠٦ ]
رأيت أهل طاعة الله تعالى وما صاروا إليه من كرامة الله، ومنزلتهم، مع قربهم من الله تعالى، ونضرة وجوههم، ونور ألوانهم، وسرورهم بالنظر إليه والمكان منه، والجاه عنده، مع قربهم منه، لتقلل في عينيك عظيم ما طلبت به الدنيا.
فاحذر على نفسك حذر غير تغرير، وبادر لنفسك قبل أن تسبق إليها وما تخاف الحسرة فيه عند نزول الموت، وخاصم نفسك لله تعالى على مهل، وأنت تقدر بإذن الله على جر المنفعة إليها، وصرف الحجة عنها، قبل أن يوليك الله حسابها، ثم لا تقدر على صرف المكروه عنها، ولا جر المنفعة إليها.
اجعل لله تعالى من نفسك نصيبا بالليل والنهار، فإن عمرك ينقص مع ساعات الليل والنهار، وأنت قائم على الأرض وهو يسير بك، فكلما مضت ساعة من أجلك، والحفظة لا يغفلون عن الدق والجل من عملك، حتى تملأ صحيفتك التي كتب الله عليك.
فعليك بخلاص نفسك إن كنت لها محبا، فاحذر ما قد حذرك الله تعالى فإنه يقول: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ (^٢٣٥) ولا تحقر الذنب الصغير مع ما قد علمت من قول الله تعالى: "فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره" (^٢٣٦) وقال: "ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد" (^٢٣٧) وحافظ على فرائض الله تعالى، واجتنب سخط الله، واحذر دعوة المظلوم، واتق يوما ترجع فيه إلى الله، والسلام".
- * -
وقال ابن نافع الصائغ: كتب مالك إلى بعض الخلفاء كتابا فيه: "اعلم أن الله تعالى قد خصك من موعظتى إياك بما نصحتك به قديما، وبينت لك فيه ما أرجو أن يكون الله تعالى جعله لك سعادة وأمرا جعل سبيلك به إلى الجنة، فلتكن - رحمنا الله وإياك - فيما كتبت به
_________________
(١) الآية ٢٨ من سورة آل عمران.
(٢) الآيتان ٨، ٩ من سورة الزلزلة.
(٣) الآية ١٨ من سورة ق.
[ ٢ / ١٠٧ ]
إليك مع القيام بأمر الله، وما استرعاك الله من رعيته، فإنك المسؤول عنهم، صغيرهم وكبيرهم، وقد قال النبي ﷺ:
"كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته" وروى في بعض الحديث: "أنه يؤتى بالوالى ويده مغلولة إلى عنقه فلا يفك عنه إلا العدل".
وكان عمر بن الخطاب ﵁ يقول: "والله لو هلكت سخلة (^٢٣٨) بشط الفرات ضياعا لكنت أرى أن الله تعالى سائل عنها عمر".
وحج عشر سنين، وبلغني أنه كان ما ينفق في حجته إلا اثنى عشر دينارا، وكان ينزل في ظل الشجر، ويحمل على عنقه الدرة، ويدور في الأسواق يسأل عن أخبار من حضره وغاب عنه.
ولقد بلغني أنه، وقت أصيب، حضر أصحاب النبي ﷺ فأثنوا عليه، فقال لهم: المغرور من غررتموه، لو أن لي ما على وجه الأرض ذهبا لافتديت به من هول المطلع.
فعمر ﵀، كان مسددا موفقا * مع ما قد شهد له النبي ﷺ بالجنة، ثم مع هذا خائف لما تقلد من أمور المسلمين، فكيف بمن قد علمت؟ فعليك بما يقربك إلى الله، وينجيك منه غدا، واحذر يوما لا ينجيك فيه إلا عملك، ويكون لك أسوة بمن قد مضى من سلفك، وعليك بتقوى الله، نقدمه حيث هممت، وتطلع فيما كتبت به إليك في أوقاتك كلها، وخذ نفسك بتعاهدها، والأخذ به، والتأديب عليه، وسل الله التوفيق والرشاد إن شاء الله تعالى".
- * -
قال عبد الله بن مسلم الخياط: لما قدم الرشيد، لبست ثيابي وغدوت على مالك، فقلت: يتوكأ على، فأصيب بسببه من أمير المؤمنين مالا، فغدا مالك متكئا على يد ابنه يحيى، فأجاز مالكا بأربعة آلاف دينار، وأجاز ابنه بخمسمائة، وجاءته من الرشيد صلة.
- * -
_________________
(١) السخلة بفتح السين وسكون الخاء: ولد الضأن والمعز حين يولد.
[ ٢ / ١٠٨ ]
وقال له رجل خراساني: ما تقول يا أبا عبد الله في رجل لقوم عليه دين، أعطى بعضا وترك بعضا، أله أن يأخذ منه؟
فقال مالك: إذا كان الرجل يغنى عن المسلمين ما لا يغنيه المسلمون عن أنفسهم، أخذ منه، ولقد كنت البارحة انظر في قصة "المحبسين" (^٢٣٩) إلى أن طلع الفجر.
وقال الحارث عن ابن القاسم: كان مالك يقول: أما الخلفاء فلا شك، يعنى أنه لا بأس به، وأما من دونهم فإن فيه شيئا؟
- * -
وقال ابن أبي زنبر (^٢٤٠): أجاز هارون مالكا بثلاثة آلاف، فقال له رجل من الزهاد: يا أبا عبد الله! ثلاثة آلاف تأخذها من أمير المؤمنين؟ كأنه يستكثرها (^٢٤١)، فقال مالك: إذا كان مقدار ما لو كان إمام عدل، فأنصف أهل المروءة، أصابه شبيه لذلك، لم أر به بأسا، وإنما أكره الكثير الذي لا يشبه أن يستحقه صاحبه.
وسأله غير واحد عن جائزة السلطان فقال: لا تأخذها؟ فقال له: فأنت تقبلها. فقال: أتريد أن أبوء (^٢٤٢) بإثمى وإثمك؟
وقال لآخر: جئت تبكتني بذنوبي؟
- * -
قال محمد بن مسلمة: دخل ملك على المهدى فقال له: أوصنى.
فقال: أوصيك بتقوى الله وحده، والعطف على أهل بلد رسول الله ﷺ وجيرانه، فإنه بلغنا أن رسول الله صلى الله
_________________
(١) ا، ك: المحبسين - ط: المجلس - م: المحبسين، وبطرتها ما يلي: في نسخة "المحسنين".
(٢) ك، م: ابن أبي زنبر - ا: ابن أبي زيد - ط: ابن أبي زبير.
(٣) ك: يستكثرها - ا: يستنكرها.
(٤) ا: أن أبوء - ك: أن تبوء.
[ ٢ / ١٠٩ ]
عليه وسلم قال: "المدينة مهاجرى، وبها قبرى، وبها مبعثى، وأهلها جيراني، وحقيق على أمتى حفظى في جيراني، فمن حفظهم كنت له شهيدا، أو شفيعا يوم القيامة، ومن لم يحفظ وصيتي في جيراني، سقاه الله من طينة الخبال (^٢٤٣).
فأخرج المهدى عطاء كثيرا، وطاف بنفسه على دور المدينة، فلما أراد الخروج، دخل عليه مالك، فقال له: يا مالك، أما إني متحفظ بوصيتك التي حدثتني بها، ولئن سلمت لأغفلت عنهم.
- * -
وقال أبو مصعب: قال لي مالك: دخلت على المهدى، فذكر المدينة، فقلت له: أن النبي ﷺ قال: أمرت بقرية تأكل القرى، يقولون يثرب، وهى المدينة، تنفى الناس كما ينفى الكير خبث الحديد. فأخذ المهدى "وبرة" (^٢٤٤) من فراشه وقال: والله لا واسيتهم ولو بهذه.
قال مالك: ثم دخلت على هارون، فسألني عن أهل المدينة، فحدثته بأحاديث المهدى، فقال لي: ما قال المهدى؟ فأعلمته بما كان، فقال: أنا ابن أبي.
- * -
قال الزبيرى (^٢٤٥): سمعت مالكا يقول: لما قدم هارون كنت قد لقيته، فقلت:
يا أمير المؤمنين: إن لأهل المدينة حقا فاستوص بهم خيرا، فقال: وما حقهم؟ فقلت: هل تعلم أنه يعرف على وجه الأرض قبر نبي غير قبر نبيك محمد ﷺ؟ * قال: لا، قلت: فلو أن أهل المدينة
_________________
(١) الخبال: النقصان والهلاك، السم القاتل، صديد أهل النار، وفى الحديث: من شرب الخمر سقاه الله من طينة الخبال يوم القيامة.
(٢) ا، م: زبيرة - ك: ربيرة - ط: رنبدة، وقد ورد بطرة نسخة م تصحيح: وبرة.
(٣) ا، ط: قال الزبيري - ك، م: قال هارون الزهري.
[ ٢ / ١١٠ ]
خرجوا عنها، وجب عليك أن تجيء بمن يسكنها ويجاور قبره، وتجري عليه الرزق، فقال لي: لو لم أملك من الدنيا إلا ردائي هذا لواسيتهم به.
- * -
قال مصعب وابن أبي زنبر (^٢٤٦): استفتى والى المدينة مالكا في مسألة، فأبى أن يجيبه، وقال: كيف أجيبك وقد وليت على المسلمين خيثم بن عراك؟ فعزله وأفتاه.
- * -
قال يحيى بن بكير: حنث الرشيد في يمين فجمع العلماء فأجمعوا على أن عليه عتق رقبة، فسأل مالكا فقال: صيام ثلاثة أيام، فقال: لم؟ أأنا معدم، وقال الله تعالى: "فمن لم يجد" فأقمتنى مقام المعدم؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين، كل ما في يديك ليس لك، فعليك صيام ثلاثة أيام (^٢٤٧).
- * -
قال عبد الرزاق: دخل مالك على أبي جعفر فقال له: من بالباب من أصحاب نافع؟ فقال: مالك، وعبد الله بن عمر (^٢٤٨)، وابن أبي ذيب، فقال: أو ليس يدين (^٢٤٩) بذلك الرأى؟ يعنى القدر، قال: يا أمير المؤمنين الحمد لله الذي أسمعناها منك، إن كنا لنزنك بها (^٢٥٠).
- * -
قال المفضل بن محمد بن حرب: دخل مالك والقاضى ابن عمران في أشراف المدينة على المنصور، فكان كل من أراد الانصراف ألقى له أبو جعفر كمه فقبله، فقال بعضهم: لاقتدين اليوم بهذا الشيخ، يعنى
_________________
(١) أ، م: ابن أبي زنبر - ك: ابن زنبر - ط: ابن أبي زيد.
(٢) ما بين خطين مائلين ساقط من أ.
(٣) أ: وعبد الله بن عمر - ك: وعبيد بن عمرو.
(٤) ط: يدين - أ، ك: يزن.
(٥) ك، ط: لنزنك بها - أ: غير واضحة.
[ ٢ / ١١١ ]
مالكا، فإن قبل الكم (^٢٥٣) قبلت، وإن لم يفعل لم أفعل، فقام مالك وانصرف ولم يقبل، وأردت ذلك فلم تقلن ركبتاي حتى قبلت.
- * -
قال معن: أفتى مالك عند والى المدينة بقتل رجل، فأمر الوالي بضرب وسطه، فتهيأ مالك للقيام وقال: لا أقعد في مكان يمثل فيه بأحد، قال الله تعالى: "فضرب الرقاب" فقال الوالى: اقعد يا أبا عبد الله، لا يضرب وسطه، اضربوا عنقه.
_________________
(١) ساقط من أ.
[ ٢ / ١١٢ ]