قال القاضي أبو الفضل ﵁:
رأينا البداية به قبل الخوض في هذا مَاسّةً إلى تقديم مُقدّمةٍ وتمهيد قاعدة لموجب التَّقليد، عليها يَنبِني [¬٢] الكلام فيما قصدناه.
فأقول:
اعلموا [¬٣]- وفقنا الله واياكم - أن حُكمَ المتعبّد بأوامر الله تعلى ونواهيه، المتشرِّع بشريعة نبيه ﵇، طلب معرفة ذلك، وما يَتَعبّد [¬٤] به، وما يأتيه ويذره، ويجب عليه ويحرم، ويباح له ويُرغَّب فيه، من كتاب الله وسنّة نبيّه، فهما الأصلان اللذان لا تعرَف الشَّريعة إلا من قبلهما، ولا يُتَعَبَّد الله إلا بعلمهما، ثم إجماع المسلمين مُرتَّب عليهما، ومسنَدٌ إليهما؛ فلا يصح أن يوجد وينعقد إلا عنهما، إما من نصّ عرَفوه ثم تركوا نقله، أو من اجتهاد مبنى [¬٥] عليهما، على القول بصحة الإجماع من طريق الاجتهاد.
وهذا كله لا يتم إلا بعد تحقيق العلم بذلك، والطُّرُقِ والآلات الموصّلة إليه، من نقلٍ ونظر، وطلب قبله، وجمَعٍ، وحفظ، وعلم ما صحَّ من السنن واشتهر، ومعرفة كيف يتفَهَّم [¬٦]، وما به يتفهَّم من علم ظواهر الألفاظ،
_________________
(١) [¬١] باب في ترجيح: ط ب ت خ ا، - ك. [¬٢] ينبني: ك خ ت يبني: ب، يعني: اط. [¬٣] اعلموا: ك ت خ، اعلم: ط ب ا [¬٤] ولا يتعبد: ب ت خ، ولا يعبد: اك ط [¬٥] مبني: ب ت ك خ ا بني: ط [¬٦] يتفهم … يتفهم من: ك، يفهم … ينفهم من: ا ط، يتفهم من: ب.
[ ١ / ٥٩ ]
وهو علم العربية واللغة، وعلم معاينها [¬١] ومعاني مراد الشرع ومقاصده، ونص الكلام [¬٢] وظاهره وفحواه، وسائر مَنَاحِيه، وهو المعبر عنه بعلم أصول الفقه، وأكثره يتعلق بعلم العربية ومقاصد الكلام والخطاب، ثم مأخذ قياس ما لم يُنَصّ عليه على ما نص، بالتنبيه على عِلّيته أو بتشبيهها له [¬٣].
وهذا كله يحتاج إلى مهلة، والتعبُّد لازم لحينه.
ثم الواصل إلى هذا الطريق، وهو طريق الاجتهاد والحكم به في الشَرع، قليلٌ وأقَل من القليل بعد الصدر الأول والسَّلَف الصالح، والقرون المحمودة الثلاثة.
وإذا كان هذا، فلا بدّ لمن لم يبلغ هذه المنزلة من المكلَّفين أن يتلقَّى ما تعبِّد بِه وكُلِّفَه من وظائف شَريعتِه ممن ينقله له، ويعرّفه به، ويَستند إليه في نقله وعلمه وحكمه، وهو التّقليد، ودرجةُ عوام النّاس بل أكثرهم هذا.
وإذا كان هذا، فالواجب تقليد العالم الموثوق به في ذلك [¬٤]، فإذا كثر العلماء فالأعلم.
وهذا حظُّ المقلِّد من الاجتهاد لدينه، ولا يترك المقلد الأعلم ويَعدِلُ إلى غيره، وإن كان مشتغلًا بالعلم؛ فيسأل حينئذ عما لا يعلم حتى يعلمه [¬٥]، كما قال الله [¬٦] تعالى: "فاسألوا: أهل الذِّكر إن كنتم لا تَعْلَمُون" (^١)، وأمر النبي ﷺ[¬٧] بالاقتداء بالخلفاء بعده وأصحابه، وقد بعث النبي ﷺ، أصحابه في الناس ليفقهوهم في الدين، ويعلموهم ما كتب عليهم، وحَضّ
_________________
(١) [¬١] معانيها ومعاني مراد: ا ط ت خ، معانيها ومعاني موارد: ب، معانيها وعلم موارد: ك [¬٢] ومقاصده ونص الكلام: ا ب ط ت خ، ومقاصد الكلام ونصه وظاهره: ك. [¬٣] أو بتشبيهها له: ا ك ت خ، أو بتشبيها له: ط، أو شبهها: ب [¬٤] الموثوق به في ذلك: ك ط ت خ، الموثوق بذلك: ا ب [¬٥] لا يعلم حتى يعلمه كما: ط ك خ ت ب، لا يعلمه كما: ا [¬٦] الله: ا ك ت خ - ط ب [¬٧] ﷺ: اب ت خ ك، ﵇: ط.
(٢) الآية ٤٣ من سورة النحل.
[ ١ / ٦٠ ]
الله تعالى كافتهم لتنفر ﴿مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ﴾ (^١).
وإذا كان هذا الأمر [¬١] لازمًا لابُدّ منه، وكان أولى من قلَّده العاميّ الجاهل، والمبتدئ [¬٢] المتَعبّد، والطالُب المسترشد والمتفقّه في دين الله، وأَحَقُّ بذلك، فُقَهَاءَ أصحاب رسول الله ﷺ الذين [¬٣] أخذوا عنه العلم، وعلِموا أسباب نزول الأوامر والنواهى، ووظائف الشرائع، ومخارج كلامه ﵇، وشاهدوا قرائن ذلك [¬٤]، وشافهوا في أكثرها النبي ﵇، واستفسَروه عنها، مع ما كانوا عليه من سَعة العلم ومعرفة معاني الكلام، وتنوير القلوب، وانشراح الصدور؛ فكانوا أعلم الأئمة بلا مِرية، وأولاهم بالتقليد، لكنهم لم يتكلموا من النوازل إلا في اليسير مما وقع، ولا تفرعت عنهم المسائل، ولا تكلَّموا من الشَّرع إلا في قَواعد ووقائع، وكان أكثرُ اشتغالهم بالعمَل بما عَلموا، والذِّب عن حَوزة الدّين، وتوطيد [¬٥] شريعة المسلمين، ثم بَينهمَ من الاختلاف في بعض ما تكلموا فيه ما يُبقِى المقلّدَ في حَيرة، ويحوجِه إلى نَظر وتوقف، وإنما جاء التفريعُ والتَّنتيج وبسط الكلام فيما يُتَوقَّع وقوُعه بعدَهم؛ فجاء التابعون فنظروا في اختلافهم، وبنوا على أَصولهم؛ ثم جاء من بعدهم من العلماء من أتباع التابعين، والوقائعُ قد كثرت، والنوازل قد حدثت، والفتاوى في ذلك قد تشعَّبت، فجمَعوا أقاويل الجميع، وحفظوا فقهَهم، وبحثوا عن اختلافِهم واتّفاقهم، وحَذِروا انتشار الأمر [¬٦]، وخروجَ الخِلاف عن الضّبط،
_________________
(١) [¬١] الأمر: ك ت خ، أمرًا: ا ب ط [¬٢] والمبتدى: ا ب ت خ ك ك، أو المبتدى: ط [¬٣] وسلم الذين: ط ك، وسلم بالاقتداء الذين: ا ب ت خ [¬٤] قرائن ذلك: ك ت خ ا: ط [¬٥] وتوطيد: ك ت خ، وتوطية ا ب ط [¬٦] الأمر: ب ط ك ت خ، الأمم: ا.
(٢) الآية ١٢٢ من سورة التوبة.
[ ١ / ٦١ ]
فاجتهدوا في جمع السُّنن وضبط الأصول، وسُئلوا فأجابوا، وبنوا القواعد، ومهدوا الأصول، وفرّعوا عليها النوازل، ووضعوا للناس في ذلك [¬١] التصانيف وبوبوها، وعمل كل واحد منهم بحسب ما فُتح عليه، ووفّق له؛ فانتهى إليهم علم الأصول والفروع، والاختلاف والاتفاق [¬٢]، وقاسوا على ما بلغهم ما يدل عليه أو يشبهه [¬٣]. رضى الله عن جميعهم، ووفّاهم أجر اجتهادهم.
فالمتعين على المقلد العامى وطالب العلم المبتدئ، أن يرجع في التقليد لهؤلاء لنصوص نوازله، والرجوع [¬٤] فيما أشكل من ذلك إليهم لاستغراق علم الشريعة ودورها عليهم، وإحكامهم النظر في مذاهب من تقدمهم، وكفايتهم ذلك لمن جاء بعدهم.
لكن تقليد جميعهم لا يتفق في أكثر النوازل وجمهور المسائل، لاختلافهم باختلاف الأصول التي بنوا عليها، ولا يصح [¬٥] أن يُقلِّد المقلِّد من شاء منهم على الشهوة والبَخْت [¬٦]، أو على ما وجَد عليه أهل قطره وآله.
فحظُه [¬٧] هنا من الاجتهاد النظرُ في اعلَمهم، وتعرف [¬٨] الأولى بالتقليد [¬٩] من جملتهم حتى يركَن العاميّ في أعماله إلى فتواه، ويعتمد في تعبُّداته على ما رآه [¬١٠]؛ وينصب العامى الأعلم من ملتزمي مذاهب [¬١١] هؤلاء منصبَه، ولا يحل له أن يعدو في استفتائه من لا يرى [¬١٢] مذهبَه؛ فقد قال بعض المشايخ: إن
_________________
(١) [¬١] للناس في ذلك: ا ب ت خ ط والرجوع: ا ت ط خ ك، -، في ذلك للناس: ك [¬٢] والاختلاف والاتفاق: ط ك ب ت خ، والاتفاق والاختلاف: ا [¬٣] أو يشبهه: ب ت خ، ويشبهه: ك، وشبهه: ا ط [¬٤] والرجوع: ا ت ط خ ك، - ب [¬٥] ولا يصح: ط خ، ولا يصلح: ا ب ت ك [¬٦] والبخت: ب ت، والبحث: ا خ - ط ك [¬٧] فحظه: ب ت خ، وحظه: ا ط [¬٨] وتعرف: ب خ، ويعرف ا ت ط ك [¬٩] بالتقليد: اب ت ط ك، في التقليد: خ [¬١٠] ما رآه: ا ت ط ك، ما رواه: ب خ [¬١١] ملتزمي مذاهب: ا ت ط ك، ملتزم مذهب: ب، ملازم مذاهب: خ. [¬١٢] من لا يري: ب ت ك ط، من لم ير: خ، من لا يدير: ا.
[ ١ / ٦٢ ]
الإمام لمن التزم تقليدَ مذهبه كالنبي، ﵇، مع أمتِه، لا يحلّ له مخالفتُه. وهذا صحيحٌ في الاعتبار، وبما [¬١] بسطناه وشرطناه [¬٢] يظهر صوابه لأولى البصائر والأبصار.
وكذلك يلزم هذا طالب العلم في بدايته [¬٣] في درس ما أصّله الأعلَم من هاؤلاء وفرَّعه، وحِفظِه ما أَلَّفه وجمعه، والاهتداء بنظره في ذلك والميل حيث مال معه [¬٤]؛ إذ لو ابتدأ الطالب في كل مسألة يطلب الوقوف على الحق منها بطريق الاجتهاد عسر عليه ذلك، إذ لا يتفق له (*) إلَّا بعد جمع خصاله، وتناهي كماله، وإذا [¬٥] كان بهذه السبيل استغنى عن تقليد أرباب المذاهب، وكان من المجتهدين بنفسه [¬٦]. فسبيله أن يقلد من يُعَرِّفُه أن هذا [¬٧] هو الحق، حتى إذا أدرك من العلم ما قُيّض له، وحصل منه ما قسم الله له [¬٨]، وأفلح وكان فيه محل للنظر [¬٩] والاجتهاد، انتقل إلى ذلك وأدرَكَه [¬١٠].
فإذا تقررت هذه [¬١١] المقدمة فنقول:
قد وقع إجماع المسلمين في أقطار الأرض على تقليد هذا النمط، واتباعهم، ودرس مذاهبهم [¬١٢] دون من قَبْلَهم، مع الاعتراف بفضل من قبلهم وسبقه ومزيد علمه، لكن للعلل التي ذكرنا، وكفاية ما نخلوه وانتقوه [¬١٣] من ذلك كما قدمنا.
_________________
(١) [¬١] وبما: ب خ، ومما: ت ك، وربما: ا ط [¬٢] وشرطناه: ا ب ك ط خ، -: ت [¬٣] بدايته في: ا ط ك، بدايته من: ت، بداية في: ب خ [¬٤] حيث مال معه: ا ب ت خ، معه حيث ما: ا ط ك [¬٥] وإذا: ا ب ت ك خ: - ط [¬٦] بنفسه: ا ب ط خ لنفسه: ت ك. [¬٧] يعرفه أن هذا: ا ب ت ك ط. يعرف فبان هذا: خ [¬٨] قسم الله له: ا ب ط خ ك، قسم له: ت [¬٩] محل للنظر: ا، محمل للنظر: ك، محمل: النظر: ط [¬١٠] وأدركه: ب ت خ ك، وادكره: ط، واذكره: ا. [¬١١] هذه: ا ت ط ك، - خ ب [¬١٢] مذاهبهم: ا ت ط خ ك، مذهبهم: ب [¬١٣] وانتقوه: ب ك، وأتقنوه: ا خ ط، واقتنوه: ت.
[ ١ / ٦٣ ]
ثم اختلفت [¬١] الآراء والهمم في تعيين [¬٢] المقَلَّد منهم بحسب ما اعتقدوا [¬٣] فيه أَنه هو الأعلم والأولى بالاتّباع [¬٤]، إما من اعتقاد اعتقدوه، أو انتشار [¬٥] ذِكر وثناء سمعوه، أو من أَتباع له اعتمدوه واتَّبعوه، أو من تقليد لآبائهم أَو أَهل بلادهم نشأوا عليه [¬٦] وألِفُوه.
فكان المقلَّدون المقتدى [¬٧] بمذاهبهم، أصحاب الأتباع في سائر الأقطار والبقاع قبلُ كثرةً:
مالك [¬٨] بن أنس بالمدينة، وأبو [¬٩] حنيفة (^١) والثوري (^٢) بالكوفة، والحسن البصري (^٣) بالبصرة على تقدم منه [¬١٠]، والأوزاعي (^٤) بالشام، والشافعي (^٥) بمصر، وأحمد بن حنبل (^٦) بعده [¬١١] ببغداد؛ وكان لأبي ثَوْرٍ (^٧) هناك أيضا أَتباع [¬١٢].
ثم نشأ ببغداد أبو جعفر الطّبَريّ، وداود الأصبهاني (^٨)، فألَّفا [¬١٣] الكتب، واختارا
_________________
(١) [¬١] اختلفت: أ ب ك خ ط، اختلف: ت [¬٢] والهمم في تعين: أ ب ت ط ك، والمهم في تقليد المعين في تقليد: خ [¬٣] ما اعتقدوا: أ ب خ ط ك، اعتقدوه: [¬٤] بالاتباع: أ ب خ ك ط، فالاتباع: ت [¬٥] أو انتشار: أ ت خ ط ك، وانتشار: ب. [¬٦] بلادهم نشأوا عليه: أ ب ت ط ك، بلدهم نسبوا عنه: خ. [¬٧] المقتدى: ب ك خ ت، المفتدون: أ ط [¬٨] قبل كثرة مالك ب ك خ، قبل كثرة أتباع مالك: أ. قبل شهرة: ت [¬٩] وأبو ب ت ك، وأبي: أ خ ط. [¬١٠] على تقدم منه: ت ك ط، على تقدم منهم: أ - ب خ [¬١١] بعده: أ ب ت ط ك، - خ [¬١٢] أيضا أتباع: أ ب ت ط ك، - خ [¬١٣] فألف … واختارا: أ ب ت ك ط، فالف … واختار: خ.
(٢) النعمان بن ثابت بن زوطا بن ماه الإمام الأعظم المتوفى سنة ١٥٠ هـ.
(٣) سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري أبو عبد الله الله الكوفى الإمام الجليل المتوفى سنة ١٦١ هـ.
(٤) الحسن بن يسار (أبي الحسن) البصري. أبو سعيد من جلة فقهاء التابعين بالبصرة المتوفى سنة ١١٠ هـ.
(٥) عبد الرحمان بن عمرو بن يحمد (بضم الياء وكسر الميم، وبينهما حاء ساكنة) الأوزاعي أبو عمرو إمام أهل الشام المتوفي سنة ١٥٧ هـ.
(٦) محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع أبو عبد الله الامام، المتوفى سنة ٢٠٤ هـ.
(٧) أحمد بن محمد بن حنبل بن هلال بن أسد، أبو عبد الله الإمام، المتوفى سنة ٢٤١ هـ.
(٨) إبراهيم بن خالد بن أبي اليمان الكلبي الفقيه البغدادي، أبو تور المتوفى سنة ٢٧٠ هـ.
(٩) داود بن علي بن خلف الأصبهاني أبو سليمان المعروف بالظاهري الإمام الزاهد الشهير، المتوفي سنة ٢٧٠ هـ.
[ ١ / ٦٤ ]
في [¬١] المذاهب على رأى [¬٢] أهل الحديث، واطرح داودُ منهما [¬٣] القياس، وكان لكل واحد منهما أتباع.
وسرت [¬٤] جميع هذه المذاهب في الآفاق؛ فغلَب مذهب مالك على الحجاز [¬٥] والبصرة ومصر، وما والاها من بلاد أفريقية والأندلس وصِقِلّيَة والمَغرب الأقصى [¬٦]، إلى بلاد من أسلم من السودان [¬٧] إلى وقتنا هذا، وظهر ببغداد ظهورًا كبيرا [¬٨]، وضعف بها [¬٩] بعد أربعمائة سنة، وضعف بالبصرة بعد خمسمائة سنة، وغلَب من بلاد خراسان على قَزْوين [¬١٠] وأبْهَرَ، وظهر بنَيْسابُور أولا [¬١١]، وكان بها وبغيرها [¬١٢] له أئمّةٌ ومدّرسُون سنذكر منهم بعد في طبقاتهم من ألهم الله إليه [¬١٣]، وكان ببلاد فارس، وانتشر باليمن وكثير من بلاد الشام.
وغلب مذهب [¬١٤] أبي حنيفة على الكوفة والعراق وما وراء النهر، وكثيرٍ من بلاد خراسان إلى وقتنا هذا [¬١٥]، وظهر بافريقية ظهورًا كثيرا إلى قريب من أربعمائة عام، فانقطع منها، ودخل منه شيء ما وراءها من المغرب قديمًا بجزيرة [¬١٦] الأندلس وبمدينة فاس.
_________________
(١) [¬١] في: أ ب ت ط - ب [¬٢] رأي: أ ب ت ط خ، آراء: ك. [¬٣] داود منهما: أ ب ت ك ط، داود منها: ط، داود منتهى: خ. [¬٤] وسرت: أ ب ت ك ط، وميزت: خ. [¬٥] على الحجاز أ ب ت ط ك، أهل الحجاز: خ. [¬٦] والمغرب الأقصى أ ت ط ك، والمغرب إلى أقصى: خ، والمغرب إلى: ب. [¬٧] من السودان: أ ب ت خ ك، من بلد السودان: ط. [¬٨] كبيرا: ب خ، كثيرا: أ ت ط ك [¬٩] بها: ب ت ك. - أ خ ط. [¬١٠] قزوين: أ ب ت ط ك نزين: خ. [¬١١] أولا: أ ب ط خ - ت ك. [¬١٢] وكان بها وبغيرها له: ب، وكان له ها وبغيرها أئمة: ت ك، وكان بغيراها له: خ. [¬١٣] ألهم الله إليه: أ ب ت ط ك، ألهم الله إلا إليه: خ. [¬١٤] وغاب مذهب: أ ب ت، وغلب على مذهب: خ ط ك. [¬١٥] هذا: أ ط ك ت ب، - خ. [¬١٦] قديما بجزيرة: ت خ ب ك، قريبا بجزيرة ط، قريبا من جزيرة: أ.
[ ١ / ٦٥ ]
وغلب مذهب الأوزاعي على الشام وعلى جزيرة [¬١] الأندلس أولًا [¬٢]، إلى أن غلب عليها مذهب مالك بعد المائتين، فانقطع منها [¬٣].
وأما مذهب الحسن والثَّوْري فلم يكثُر [¬٤] أتباعهما ولم يطُل تقليدهما، وانقطع مذهبهما عن قريب.
وأما الشافعيّ فكثُر أتباعه وظهر مذهبُه ظهور مذهبَيْ مالكٍ وأبي حَنيفة قبله، وكان أولُ ظهوره بمصر، وكَثُر [¬٥] إصحابه [¬٦] بها مع المالكية، ثم بالعراق [¬٧] وبغداد [¬٨]، وغلب عليها وعلى كثير من بلاد خراسان، والشام، واليَمن، إلى وقتنا هذا، ودَخَل [¬٩] (ما) وراء النهر وبلادَ فارس [¬١٠]، ودخل شيء منه بلاد إفريقية [¬١١] والأندلس بأخرَةٍ [¬١٢] بعد الثلاثمائة.
وأما مذهبُ أحمد بن حنبل فظهر ببغداد، ثم انتشر بكثير من بلاد الشام وغيرها، وضعف الآن.
وأما أصحاب الطَبري وأبى ثَور [¬١٣]، فلم يكثُروا ولا طالت مُدتُهم، (*) وانقطع أَتباع أبي ثَور بعد ثلاثمائة، وأَتباعُ الطبري بعد أربعمائة.
وأما داود فكثُر أتباعُه، وانتشر ببغداد وبلاد فارس مَذهبُه، وقال به قوم قليلٌ بإفريقية والأندلس، وضعف [¬١٤] الآن.
_________________
(١) [¬١] وعلى جزيرة: أ ب ت ك ط، وإلى جزيرة: خ [¬٢] أولا: خ ب ت ك، أ ط. [¬٣] منها: خ، - أ ب ت ط ك. [¬٤] يكثر … يطل تقليدهما: أ ب ت ط ك. يكن … يبطل تقديمها: خ. [¬٥] وكثر: ب ت ك ط خ، وأكثر: أ [¬٦] أصحابه: أ ت خ ط ك، أتباعه ب. [¬٧] ثم بالعراق: أ ب خ ط، وبالعراق ت، غير واضحة في ك [¬٨] وبغداد: أ ب ت ك، وببغداد: خ. [¬٩] ودخل: أ ب ت ك، - خ [¬١٠] فارس: أ ب ت ك، فاس: خ. [¬١١] شيء منه بلاد إفريقية: تصويب، شيء منه من بلاد افريقيا: خ، منه شيء أفريقية: ب ت ك، ودخل سنة ستين بلاد أفريقية: أ [¬١٢] بأخرة: ب ك خ، بآخرة: أ، فآخره: ت. [¬١٣] وأبى ثور: أ ب، وأبو ثور: خ، والثوري: ت ك. [¬١٤] وضعف: ب ت ك خ، فضعف: أ.
[ ١ / ٦٦ ]
فهؤلاء [¬١] هم [¬٢] الذين وقع إجماع الناس على [¬٣] تقليدهم مع الاختلاف في أعيانهم، واتفاق العلماء على اتّباعهم والاقتداء بمذاهبهم، ودرسِ كُتُبهم والتّفقُّه على مآخِذهم، والبناء على قواعِدهم، والتفريع على أُصولهم، دون غيرهم ممّن تَقدَّمَهُم [¬٤] أو عاصَرهم، للعِلَل التي ذكرنَاها.
وصار الناس اليوم في أقطار الدّنيا إلى خمسَة [¬٥] مذاهب [¬٦]: مالكية، وحفية، وشافعية، وحنبلية، وداودية، وهم المعروفون بالظّاهرية.
فحقٌّ على طالب العِلم، ومُرِيد تعرُّف الصواب والحقّ، أن يَعرف أَولاهم بالتّقلِيد، ليعتمَد [¬٧] على مذهبه، ويسلُكَ، في التفقُّه سَبيلَه.
وها نحنُ نبيّن أن مالكًا، ﵀ تعلى [¬٨]، هو ذاك، لجَمعِه أدوات [¬٩] الإِمامة، وتحصيله درجة [¬١٠] الاجتهاد، وكونه أَعلم القوم، بل أهل زمانه، وإصفاق [¬١١] أهل وقته على شهادتهم له بذلك وتقديمه [¬١٢]، وهو القدوة والناس إذ ذاك نَاسٌ والزّمن زمان، ثمّ للأثر الوارد في عالم المدينة التي هي دَارُه، وانطلاق هذا الوصف والإِضافة [¬١٣] على ألسنة الجماهير له [¬١٤]، وموافقة أحواله الحالَ الذي [¬١٥] أُخبِر في الحديث عنه، وتأويل السلف الصالح [¬١٦] له [¬١٧] أنه المراد به.
وتفصّل [¬١٨] الكلام في ذلك ونبسطه [¬١٩] في فصلين:
_________________
(١) [¬١] فهؤلاء: أ ب ت ك، وهؤلاء: خ [¬٢] هم: ب ك خ، - أ ت [¬٣] الناس على: ت ك، الناس عليهم على: أ خ. [¬٤] تقدمهم: أ ت ك، تقدم منهم: خ. [¬٥] الدنيا إلى خمسة: أ ب ت ك، الأرض إلى خمس: خ [¬٦] مذاهب أ ب ك خ -: ت. [¬٧] ليعتمد: أخ، ليعمل: ب ك. [¬٨] تعلى: ت ك، أ ب خ [¬٩] أدوات: ب ت ك، إداوة: خ. [¬١٠] درجة: خ ب ت ك، وجه: أ [¬١١] واصفاق: أ ب خ، وإطباق: ت ك. [¬١٢] وتقديمه: أ ب ت ك وبتقديمه: خ. [¬١٣] والإضافة: أ ب ت ك، والإقامة: خ [¬١٤] له: ب خ، - ت ك، عليه: أ [¬١٥] الذي: تصويب، التي: أ ب ت ك خ. [¬١٦] الصالح: أ ب ت ك، - خ [¬١٧] له: ب خ، - أ ت ك. [¬١٨] ونفصل: أ ب، وتفصيل: ت ك [¬١٩] وبسطه ب خ، وبسطه: أ ت ك.
[ ١ / ٦٧ ]
أَولُهما [¬١] مُعتَمده [¬٢] النقل والأثَر، وفي ذلك ترجيحان:
والثاني مَسْلكه [¬٣] الاعتبار والنّظَر، وفيه ثلاثة ترجيحات؛ فانتهينا في ترجيح مذهبه وعظيم [¬٤] قدره في العلم، وعُلُوّ منصبه [¬٥]- إلى خمس حُجَج كلها أَتينا [¬٦] فيها، بملغ الوسع، بما يقطع العذر، ويكاد ينتهي بعضها إلى مدْرك القطع [¬٧].