قال الدراوردي: رأيت النبي ﷺ في المنام، جالسا في الروضة بين القبر والمنبر، إلى الأسطوانة الخلقة (^٣١٨)، فأتيناه، وجلست إليه، إذ أقبل مالك آخرنا، وسلم، فأجلسه رسول الله ﷺ إلى جانبه، ثم نزع خاتمه من يده ﷺ، وقلبه (^٣١٩) بين أصابعه، وجمعهن، فليس منا أحد إلا تشوف له، فأخذ بيد مالك ووضعه في أصبعه، فلو كان يصلح الخلافة قلنا خليفة، ولكنه العلم.
وقد رويت هذه الرؤيا عن الدراوردى بغير هذا اللفظ، والمعنى متقارب.
وفي خبر آخر: كنت أتنقصه، فرأيت النبي ﵇ في النوم، فقال لي: إلزم ما أمرك به مالك بن أنس، فإنه يريد بما فيه الله تعالى.
قال الزبير بن حبيب: كنت أتناول مالكا فرأيت النبي ﷺ عند الأسطوانة الخلقة، وأنا معه، إذ أتى رجل يسأله عن مسألة، فقال له النبي ﷺ: ايت مالكا فاسأله فما على ظهر الأرض أعلم منه.
- * -
وقال محمد بن رمح: رأيت النبي ﷺ في المنام،
_________________
(١) أ، ط: الخلقة - ك، م المخلقة.
(٢) في جميع النسخ التي بين أيدينا: "وقال به بين أصابعه" ولعل الصواب ما أثبتناه: "وقلبه بين أصابعه".
[ ٢ / ١٥٢ ]
فقلت: يا رسول الله، إن مالكا والليث يختلفان، فقال رسول الله ﷺ: عليك بما يقول مالك، ورث وحيي. وفي رواية: "جدى".
قال الحسن بن علي الأشناني: معنى "جدى" قيل: جدى إبراهيم الخليل، وقيل: جدى ديني، وقيل: سنتى.
- * -
وعن ابن رمح أيضا: رأيت النبي ﷺ وأنا شاب والناس مجتمعون عليه يسألونه، فقال:
قد أعطيت مالكا كنزا وأمرته أن يفرقه عليكم؟
- * -
وجاء رجل إلى مجلس مالك، فقال:
أيكم مالك؟
فقالوا: هذا.
فسلم عليه، واعتنقه وضمه إلى صدره. قال: والله لقد رأيت رسول الله ﷺ البارحة جالسا هاهنا، فقال: هاتوا بمالك. فجيء بك ترعد فرائصك. فقال: ليس بك بأس يا أبا عبد الله، اجلس. فجلست. فقال لك: افتح حجرك. ففتحت. فملأه مسكا منثورا، وقال: ضمه إليك، وبثه في أمتى.
فبكى مالك وقال: الرؤيا تسر ولا تغر، أن صدقت رؤياك فهو العلم الذي أودعن الله.
- * -
قال أبو هشام: (^٣٢٠) رأى رجل النبي ﷺ على المنبر يخطب، إذ جاء مالك، فقال: يا مالك، خذ هذه الصرة وضعها تحت منبرى.
_________________
(١) أ: أبو هشام - ك: أبو هاشم.
[ ٢ / ١٥٣ ]
قال أبو هشام: هو العلم الذي بثه.
- * -
قال أبو بكر بن سعدون: صليت بمصر الضحى، فرأيت النبي ﵇، فقلت:
يا رسول الله، إن مالكا والليث اختلفا في الضحى، فمالك يقول: اثنتى عشرة ركعة، والليث يقول: ثمانية.
فضرب بيده بين وركى وقال: رأى مالك هو الصواب.
- * -
قال خلف بن عمر: كنت عند مالك، فأتاه ابن أبي كثير قارئ المدينة، فناوله رقعة، فنظر فيها وجعلها تحت مصلاه، فلما قام من * عنده، ذهبت لأقوم، فقال: اثبت.
فناولني الرقعة فإذا فيها: رأيت الليلة في منامي كأنه يقال لي: هذا رسول الله ﷺ. فأتيت المسجد، فإذا ناحية من القبر قد انفرجت، وإذا رسول الله ﷺ جالس، والناس يقولون: يا رسول الله أعطنا، يا رسول الله من لنا؟ فقال لهم: إنى قد كنزت تحت المنبر كنزا، وقد أمرت مالكا يقسمه فيكم فاذهبوا إليه فانصرف الناس وبعضهم يقول لبعض: ما ترون مالكا يفعل؟ فقال بعضهم: يقصد لما أمره به رسول الله ﷺ.
قال: فرق مالك وبكى، ثم خرجت وتركته على حاله.
- * -
قال يحيى بن يزيد النوفلي: رأيت بمرو (^٣٢١)، النبي ﷺ، ومالك بن أنس يمشى بين يديه بشمعة يحملها.
وفى رواية أخرى عنه: رأيت كأننا في الجنة وإذا مالك بن أنس بين يديه عمود من نور (^٣٢٢).
_________________
(١) / بمرو / ساقط من ك.
(٢) ك: عمود من نور - أ: عمود من فوق "كذا".
[ ٢ / ١٥٤ ]
- * -
وقال ابن أبي الكرام: رأى رجل من أصحابنا النبي ﷺ في النوم، وهو يقسم قسما. قال: فبسطت يدى إليه وقلت: يا رسول الله أعطنى. فقال: قد خبأت لكم خبئا تحت منبرى هذا. قلت: وما هو يا رسول الله؟ قال: مالك بن أنس.
- * -
وقال زيد بن داود (^٣٢٣) رأيت في منامى كأن القبر قد فرج عن رسول الله ﷺ، والناس قد انقصفوا عليه (^٣٢٤)، فصاح صائح بمالك بن أنس، فجاء مالك، فأعطاه شيئا وقال له:
- اقسم هذا بين الناس. فرأيته يعطيهم إياه، فإذا مسك، فأولناه العلم الذي بثه.
- * -
وقال آخر: كانت في نفسى مسألة دقيقة، كنت أحب أن أرى النبي ﷺ في النوم فأسأله عنها، فرأيته، فقلت: يا رسول الله، في نفسى مسألة دقيقة أحب أن أسألك عنها. فقال: ايت مالكا فاسأله عنها، فإنه يخرجها وإن كانت أدق من شعرة.
- * -
قال حجاج بن سليمان الرعيني: رأيت النبي ﷺ في النوم فسألته عن مسألة، فقال: ألم أكنز تحت منبرى كنزا وأمرت مالكا يفرقه عليكم؟
- * -
قال محمد بن أبى بشر: كنت في مجلس ابن حنبل، فطعن قوم على مالك، وآخرون على الثورى، فانصرفت وفى قلبى من الغم
_________________
(١) أ، ط: زيد بن داود - ك، م: زيد بن ثابت.
(٢) أ: انتصفوا عليه، أي اجتمعوا وازدحموا - وفى نسخة ك: قد انقطعوا عليه - وفى نسخة ط: قد انقضوا عليه.
[ ٢ / ١٥٥ ]
ما لا أصف، فبت، فرأيت رجلا من أحسن من رأيت وأطيبه رائحة وأنقاه ثوبا، عن يمينه رجل وعن يساره آخر، وكلاهما في هيئة جميلة، غير أنه أعلاهما حالا.
فقال: هل تعرفني؟
فقلت: لم أرك قبل فأعرفك، ولا أخالك إلا مشهورا لما أرى من هيئتك وحسن وجهك.
فقال: أنا نبيك محمد.
فقلت: صلى الله عليك، بأبي أنت وأمى، فمن هذا؟
قال: إمام دارى مالك بن أنس - وأشار إلى الذي عن يمينه - وهذا إمام أهل العراق سفيان الثورى - وأشار إلى الذي عن يساره - فاشهد بالصدق لهما وأحبهما فإنى أحبهما، والله ما تكلما برأى إلا أصابا فيه سنتى، ونصحا فيما اجتهدا فيه أنفسهما لجميع أمتى، وإنهما إن تأخرا عن القرن الأول، لغير متخلفين عن منازلهما بلزوم السنة وضبط الآثار، أقد حفظت؟
قلت: نعم.
فغدوت على ابن حنبل فأخبرته فقال:
وددت أني رأيت ما رأيت، وأصبحت وليس لي قوت يومى، هذا والله رأيي فيهما.
- * -
وقال بعضهم: رأى رجل كأنه يقال للنبى ﷺ: عند من نجد ميراثك يا رسول الله؟ فقال: عند مالك بن أنس.
- * -
قال ابن القاسم: رأيت بالإسكندرية كأني صدت بازيا ففضضته، فإذا جوفه ممتليء، جوهرا، ففسرت رؤياي علي زيد بن شعيب فقال لي:
[ ٢ / ١٥٦ ]
لعلك حدثت نفسك بشيء من طلب العلم؟
قلت: هو ذاك.
قال: فمن ذكرت؟
قلت: مالك.
قال: هو بازيك الذي صدت، والبازي سيد الطيور، والجوهر الذي وجدت في جوفه، هو العلم الذي تسأله عنه.
- * -
وقال * عمار بن زيد (^٣٢٥) بن الخشاب: رأيت كأني دخلت مدينة اختلطت على أزقتها، فجزت بقوم، فقام إلى شيخ فأخذ بيدى حتى أخرجنى إلى طريق واسعة واضحة وقال: خذ عليها. فسألت عنه. فقيل لي: هذا مالك.
- * -
قال ابن اللباد: وبلغنى أيضا أن رجلا أعرفه كان ينتحل مذهب أبي حنيفة رأى في نومه النبي ﵇، فسلم عليه وصافحه، فأردت معانقته فأعرض عنى، فقلت في نفسي: ما أراه إلا لاستحلال النبيذ (^٣٢٦). فقال قائل: وددنا لو سألناه ما ينتحل. فقال ﵇: ألا إن الحق في قول مالك ما يتعداه.
فصار الرجل إلى مذهب مالك وترك مذهبه.
- * -
وروى أن مالكا قال لابن هرمز: رأيت كأني أنظر في مرآة. فقال ابن هرمز: من رأى هذا فهو ينظر في أمر دينه. ثم قال: يا مالك، أنت اليوم مملك (^٣٢٧)، فاتق الله في هذه الأمة إن كنت لها مالكا.
_________________
(١) أ: زيد - ك، ط: يزيد.
(٢) أ: لاستحلال النبيذ - ك: لاستحلالي النبيذ.
(٣) أ، ط: مملوك - ك: مملك - م: بياض مكان الكلمة.
[ ٢ / ١٥٧ ]
وقال العامرى: بينا أنا في المسجد وهو غاص بأهله، إذ أنا برسول الله ﷺ قد خرج من قبره، وبيده (^٣٢٨) قارورة مسك، فوقف ثم قال: أيكم مالك؟ فقام مالك فقال: ها أنذا، بأبي أنت وأمى يا رسول الله؟ فقال رسول الله ﷺ: خذ هذا - وناوله القارورة - فاقسمه بين الناس. فجاء العامري يخبر بها مالكا، فقال له مالك: لا تخبرنى، فقد رأيت مثلما رأيت.
- * -
قل إبراهيم بن أبي يحيى: نمت فرأيت الشمس قد كسفت وقد علت الأرض ظلمة حتى أن الناس لا ينظر بعضهم إلى بعض، فقلت لرجل إلى جنبى:
أقامت القيامة؟
قال: ولم لا تقوم وقد مات عالم المدينة (^٣٢٩)؟
قلت: ومن هو؟
قال: مالك.
فانتبهت وفزعت فإذا به قد مات.
- * -
وقال ابن مزاحم: رأيت النبي ﷺ في النوم فقلت: يا رسول الله، من نسأل بعدك؟
فقال: مالك بن أنس.
- * -
قال ابن القاسم: بينا أنا نائم أتاني آت فقال لي:
إن أردت العلم فعليك بعالم الآفاق.
فقلت: ومن هو؟
_________________
(١) ساقط من أ.
(٢) أ: عالم المدينة - ك: عالم الآفاق.
[ ٢ / ١٥٨ ]
فقال لي: هذا الشيخ انظر إليه.
فنظرت فإذا شيخ أشقر، طويل، حسن اللحية، فاستيقظت وقد مضى أكثر شوال، فاكتريت إلى مكة وحججت، فلما أتينا المدينة، اغتسلت ودخلت مسجد النبي ﷺ، فنظرت، فإذا أنا بالصفة التي رأيت في النوم، وإذا هو مالك، فعرفت أنه الذي قيل لي فيه "عالم الآفاق" (^٣٣٠) فلزمته.
- * -
ورأى بعضهم أن الناس اجتمعوا في جبانة (^٣٣١) الإسكندرية، يرمون غرضا، كلهم تخطاه وإذا رجل يرمى ويصيب، قال: فقلت: من هذا؟ قيل: مالك بن أنس.
_________________
(١) ك: عالم الآفاق - أ: عالم المدينة.
(٢) ك، م: جبانة، وهي بفتح الجيم وتشديد الباء، ما استوى من الأرض في ارتفاع ولا شجر فيه، المقبرة، الصحراء، ج جبابين، وفي نسخة أ: حيانة - وفى ط: حمانة.
[ ٢ / ١٥٩ ]