قال محمد بن الضحّاك:
كان مالك جميل الوجه، نقى الثوب رقيقَه، يكره اختلاف اللبوس.
قال خالد بن خِداش [¬٢]: رأيت على مالك طيلسانًا طِرَزايا، وقلنسوة متركة [¬٣]، وثيابا مَرويّة جيادًا، وفي بيته وسائد، وأصحابه عليها قعودًا [¬٤]، فقلت له: يا أبا عبد الله: الذي أرى شيء أحدثته أم وجدت الناس عليه؟ قال: رأيت الناس عليه.
قال الوليد بن مُسلم: كان مالك لا يلبس الخز ولا يرى لبسَه، ويلبس البياض، ورأيته والأوزاعى يلبسان السِّيجان (^١)، ولا يريان بِلبسَها [¬٥] بأسا.
قال بشر بن الحارث: دخلتُ على مالك فرأيتُ عليه طيلسانًا يساوي خمسمائه دينار [¬٦] قد وقع جناحاه على عينيْه [¬٧]، أشبه شيء بالملوك.
قال أشهب: كان مالك إذا اعتمّ جعل منها تحت دقنه، وأسدل طرفها بين كتفَيه.
قال ابن وهب: رأيت على مالك ربطةً عدنيةَ مصبوغة بمَشْقٍ [¬٨] (^٢)
_________________
(١) [¬١] شيبته: ا ب ت خ شيبه: ك، شيبة ط [¬٢] ابن خداش: ا ب ت ك، ابن خراس: خ: ط [¬٣] متركة: ا ب خ ط، - ك ت. [¬٤] قعودا: ط، قعود ا ب ت ك خ. [¬٥] بلبسها: ا ب ك ط، بلبسهما: خ ت [¬٦] دينار: ب، ا ت ك خ [¬٧] عينه: ا ت خ ك ب، جنبيه: ط [¬٨] بمشق: ت ط خ، بمسن: ك، بشق: ا.
(٢) الساج: الطيلسان الأخضر، والجمع: سيجان.
(٣) المشق: المغرة تصبغ بها الثياب.
[ ١ / ١٢٢ ]
خَفيف وقال لنا: هو [¬١] صبغ أحِبُّه، ولكنّ أهلى [¬٢] أكثروا زعفرانها فتركته، وقال لنا: ما أدركتُ أحدًا يلبس هذه الثياب الرقاق إنما [¬٣] كانوا يلبسون الصّفاق إلا ربيعة، (^١) فإنه كان يلبس مثل هذا وأشار إلى قميص عليه عدَني رقيق.
قال الزبيري: كان مالك يلبس الثياب العَدنية [¬٤] الجياد، والخُراسانية والمصرية المرتفعة العالية البيض، ويتطيّب بطيب جيد، ويقول: ما أحب لأحدٍ أنعم الله عليه ولا يُرِى [¬٥] أثر نعمته عليه، وبخاصة [¬٦] أهل العلم؛ وكان يقول: أُحِبُّ للقارئ أن يكون أبيض الثياب.
قال ابن أبي أويس: ما رأيت في ثوب مالك حبرًا قط.
قال أشهب: كان مالك يستعمل الطّيب الجيّد المسك [¬٧] وغيره. قال الواقدي: كان مالك يجلس في منزله [¬٨] على ضجاع، ونمارقُ مطروحة يمنةً ويُسْرة في سائر البيب لمن يأتيه من قريش والأنصار ووجوه الناس.
قال أشهب: كان مالك إذا اكتحل لضرورة جلس في بيته، وكان يكرهه إلا لعلة.
قال ابن نافع الأكبر، ومطرف، وإسماعيل: كان خاتَم مالك الذي مات وهو في يده فَصُّه حجَر [¬٩] أسود، نقشُه سطران فيهما: "حسبي الله ونعم الوكيل، بكتاب جليل، وكان يحبِسه في يساره، وربَّما خرج علينا وهو في يمينه، لا نشك أنه كان إذا توضأ حوَّله في يمينه.
وسأله مطرف عن اختياره لما نقش فيه، فقال: سمعت الله يقول:
_________________
(١) [¬١] وقال لنا هو: ا ب ت ك، وقال إنما هو: أ خ، وقال هو: ط [¬٢] أهلى: ب ت ك خ، امتلى: ط، اغلى: ا. [¬٣] إنما: ب ت ك ط خ، وإنما: ا [¬٤] العدنية: ا ب ت ك ط خ، العدنيات: خ [¬٥] ولا يرى: ب، الا ويرى ا ت ك ط خ [¬٦] وخاصة: ا ب ك، وخاصة: ت ط خ [¬٧] المسك: ا ت ك ط، الممسك: ب ط [¬٨] يجلس في منزله: ا ب ت ط ك، ينزل في مجلسه: خ [¬٩] فصه حجر: ا ب ت ك ط، فضة حجر: خ.
(٢) ربيعة بن عبد الرحمان المعروف بربيعة الرأي المتوفى سنة ١٣٦ هـ.
[ ١ / ١٢٣ ]
"وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل (^١)، إلى آخر الآية الأخرى. قال مُطرّف: فحولتُ [¬١] خاتمي وصيَّرته كذلك. والله أعلم [¬٢].
قال أحمد بن صالح: كان مالك قليل الشّيء، يُظْهِر التجمُّل، ضيِّق الأمر، لم يكن له مَنْزل، كان يسكن بكراء إلى أن مات.
وسأله المهديّ: أَلك دار؟ فقال: لا، وحدّثني ربيعةُ: أن نسَب المرء دارُه.
قال عتيق بن يعقوب كان على باب مالك مكتوب: ما شاء الله، فقيل له في ذلك، فقال: قال الله: "ولولا إذ دخلت جَنّتَك قُلْتَ ما شاء الله لا قُوّة إلا بالله" [¬٣] (^٢) الآية، والجنةُ: الدار.
قال ابن المنذر: كانت دارُ مالك بن أَنَس التي كان ينزل فيها [¬٤] بالمدينة دار عبد الله بن مَسعود، وكان مكانُه من المسجد مكانَ عمر بن الخطّاب، وهو المكان الذي كان يُوضَع [¬٥] فيه فراش رسول الله ﷺ في المسجد إذا اعتكف، كذا قال الأُوَيْسي [¬٦]: وقال مُصْعب [¬٧]: كان مالك يجلس عند نافع مولَى ابن عُمر في الرَّوضة حياةَ نَافِع وبعدَ موته.
قال ابن بُكَيْر كان مَولد مالك بذى المَرْوَة (^٣) وكان أخوه النَّضْر يبيع البَزَّ، فكان مالك [¬٨] معه بزّازًا، ثم طلب العلم، وكان ينزل أولًا بالعَقيق [¬٩] (^٤)، ثم نزل إلى المدينة [¬١٠].
_________________
(١) [¬١] فحولت: أ ت ط ك، فمحوت، ب خ [¬٢] والله أعلم: أ ت ط ك، فالله أعلم: خ ب. [¬٣] لا قوة بالله: خ، - أ ب ت ك ط [¬٤] فيها: ط أ، - ت ب خ ك [¬٥] الذي كان يوضع أ ب خ ط، الذي يوضع: ت ك [¬٦] الأويسي: ا ط، الأوسى: خ ت ك ب [¬٧] وقال مصعب: أ ب ك خ ط، قال مصعب: ت [¬٨] فكان مالك: أ خ ك ط، وكان: مصعب: ت [¬٩] بالعقيق: أ ت ك ط، العقيق: ب خ [¬١٠] نزل إلى المدينة: ت ك أ ط، ثم نزل المدينة: ب، ثم ينزل المدينة: خ.
(٢) الآية ١٧٣ من سورة آل عمران.
(٣) الآية ٣٩ من سورة الكهف.
(٤) ذو المروة: قرية بوادي القرى.
(٥) العقيق: موضع بالمدينة.
[ ١ / ١٢٤ ]
وقيل لمالك: لم تنزلُ العقيق؟ فإنه يشقّ عليك إلى [¬١] المسجد.
فقال: بلغني أن النبي [¬٢]ﷺ كان يُحبُّه وكان يأتيه [¬٣]، وأن بعضَ الأنصار أرادَ النّقْلَة منه إلى قرْب المسجد، فقال له النبي ﷺ: أما تَحْتَسِبون [¬٤] خُطاكم؟
قال إسماعيل بن أبي أويس: كان لمالك في كلّ يوم في لحمه درهمان، وكان يأمر خَبّازه سَلمة في كلّ جُمعة أن يعملَ له [¬٥] ولعياله طعاما كثيرًا.
قال مُطرّف: لو لم يجد مالك كل يوم درهمين يبْتاعُ بهما لحمًا إلا أن يبيع في ذلك بعضَ متاعه لفَعل، وكانت وظيفته في لحمه.
وقال ابن أبي حازم: قلت لمالك: ما شرابك يا أبا عبد الله؟ قال: في الصَّيفِ السّكَّر، وفي الشتاءِ العسل.
وكان مالك يُعجبُه الموز ويقول: الموز ويقول: لم يَمَسَّه ذُبابٌ ولا يدُ أسوَدَ، وليس شيءٌ أَشبهَ بثَمَر الجنّة منه، لا تطلبُه في شتاء ولا صيفٍ إلا وجدته. قال الله تعالى: "أَكلُها دائم وظلُّها" (^١).
قال أبو السَّمْح [¬٦] طلْق بن السمح: رأيت مالكًا على بغلة سَرِية بسرج سرّيٍ [¬٧] عليها، وعليه ثياب سَرية، وغلام بمشي خلفه حتَّى أَتى إِلى باب [¬٨]
_________________
(١) [¬١] يشق عليك إلى: ت ك؛ يشق بعده إلى: أ ب خ ط [¬٢] أن النبي: ا ت ط ك خ، أن رسول الله: ب. [¬٣] وكان يأتيه: خ، ويأتيه: أ ط ك ت [¬٤] تحتسون: ا ب ط، تحتسون: ت ك خ [¬٥] أن يعمل له: ب ط خ أ، ت، ك [¬٦] أبو السمح طلق بن السمح: الخلاصة، أبو السمح طلق بن أبي السمح: ت ك، أبو سميح طلق بن أبي السمح: ب خ، أبو المسح طلق بن أبي السح: أبو سح طلق بن أبي السح: ط [¬٧] بسرج سري: ب ت ك ط خ، بسرج يساوي ثمنها: ا [¬٨] أتى إلى باب: ا ب ط، أتى باب: ب ك.
(٢) الآية ٥٣ من سورة الرعد.
[ ١ / ١٢٥ ]
باب داره فدخل راكبًا إلى موضع مُعرَّسه [¬١] فنزلَ وقعد، فأخذ غلام منديلًا فمسحَ خُفّه ونزَعه (*).
قال القاضي أبو الفضل ﵁:
الأخبارُ المشهورة عنه بخلاف هذا كما سنذكُره [¬٢]، وأنه كان لا يركب بالمدينة إكرامًا لتُربةٍ فيها رسول الله ﷺ، مدفونٌ.
قال محمد بن مالك: كانت عَمّتي مع مالك في منزله، فتهييء [¬٣] له فطره خبزًا وزيتا.
ووَعظ مالكٌ مرةً أبا جعفر المنصورَ في افتقاد الرَّعية.
فقال له: أليسَ إذا بكت بنتُك من الجموع تأمر بحجر الرَّحيَ فيحرّك ليلًا يسمع الجيرانُ بكاءها؟
فقال مالك: واللهِ ما علم بهذا إلا الله.
فقال له: فعلمتُ هذا، ولا أعلم أحوال رعيتي؟
وهذا، واللهُ أعلم، كان في ابتداء حالِه وضيق أمره، وأكثرُ هذه الحكايات المختلفة التي أوردنا منها، ونورد، في اختلاف أحواله في دُنياه، إنما كانت لاختلاف الاوقات وتنقُّل الأحوال؛ إذ حالُ المرء في بدايته بخلاف حاله في نهايته؛ فقد عاش [¬٤]﵀ نحو التسعين سنة على ما تقدم، فكان فيها إمامًا يَرْوِي ويُفْتِي ويُسْمَع قولُه نحو سبعين سنة، تنتقل أحواله في كُلّ حين زيادة في الجلالة، ويتقدم في يوم [¬٥] علوُّه [¬٦] في الفضل
_________________
(١) [¬١] فدخل راكبا إلى موضع معرسه: ا ت ك ط، فدخل موضع معرسه: ب، فدخل داره راكبا موضع معرسه: خ [¬٢] كما سنذكره: ب، مما سنذكره: أ خ ط ك، - ت [¬٣] فتهييء: أ ب ط ك، فتهيبي: ح، فنهي: ت [¬٤] فقد عاش: ا ت ط خ ك، وهو قد عاش: ب [¬٥] في كل يوم: ك ت ط خ، كل يوم: ب على كل يوم: ا [¬٦] علوه ب ط ك خ، غلوة: ا، عنده: ت.
[ ١ / ١٢٦ ]
والزعامة، حتى مات، وقد انفرد منذ سنين، وحاز رياسة الدين والدنيا دون منازع، فلا تعارض بينَ ما يرد عليك من الأخبار في اختلاف أحواله، والله الموفق.