* قال القاضي ﵁: من مشهور ذلك قول ابن المبارك:
صموت إذا ما الصمت زين أهله … وفتاق أبكار الكلام المختم
وعى ما وعى القرآن من كل حكمة … ونيطت له الآداب باللحم والدم
وقال ابن منادر:
ومن يبغ الوصاة فإن عندى … وصاة للكهول والشباب
خذوا عن مالك وعن ابن عون … ولا ترووا أحاديث ابن داب
وقال عبد الله بن سالم الخياط:
يأبى الجواب فلا يراجع هيبة … والسائلون نواكس الأذقان
أدب الوقار وعز سلطان التقى … فهو المهيب وليس ذا سلطان
وأنشدوا لأبي المعافى في مالك - وبعضهم يزيد فيها على بعض - ويذكر بعضها (^٣٣٥) لأبى المعافى:
ألا إن فقد العلم في فقد مالك … فلا زال فينا صالح الحال مالك
فلولاه ما قامت حقوق كثيرة … ولولاه لانسدت علينا المسالك
يقيم سديد (^٣٣٦) الحق سرا وجهرة … ويهدى كما تهدى النجوم الشوابك
عشونا إليه نبتغى ضوء ناره … وقد لزم العى اللحوم المماحك
فجاء برأى مثله يقتدى به … كنظم جمان زينته السبائك
_________________
(١) ك: ويذكر بعضها - أ: ونذكر بعضها.
(٢) أ: سديد - ك، ط: سبيل.
[ ٢ / ١٦١ ]
وحكى التسترى (^٣٣٧) أن مالكا كان جعل لأبي المعانى أن يجرح (^٣٣٨) من شهد عليه، فشهد عليه المغيرة، فلما مات مالك قال: "ألا قل لقوم" الأبيات. وفي رواية:
ألا قل لأقوام (^٣٣٩) حيوا مرحبا بكم … لمن سأل عن فتوى فقد مات مالك
وأنشد الزبير لأبي المعافى، أو ابن أبي المعافى، يرثى مالكا:
ألا قل لقوم سرهم فقد مالك … ألا إن فقد العلم إذ مات مالك
ومالي لا أبكى على فقد مالك … إذا عز مفقود من الناس هالك
ومالى لا أبكى على فقد مالك … وفى فقده سدت علينا المسالك
وأنشد أصبغ لامرأة ترثيه:
بكيت بدمع واكف فقد مالك (^٣٤٠) … ففى فقده سدت علينا المسالك
ومالى لا أبكى عليه وقد بكت … عليه الثريا والنجوم الشوابك
حلفت بما أهدت قريش وجللت … صبيحة عشر حين تقضى المناسك
لنعم وعاء العلم والفقه مالك … إذا عد مفقود من الناس هالك
وأنشد أبو محمد الضراب لبعضهم:
إذا ما عدد العلماء يوما … فمالك في العلوم هو الضياء
تبوأ (^٣٤١) ذروة العلماء قوم … فهم كالأرض وهو لهم سماء
وأنشد لآخر:
_________________
(١) ك، م: التستري - أ: المعامي - ط: المعافي.
(٢) ك، م: يجرح - أ، ط: يخرج.
(٣) في جميع النسخ التي بين أيدينا "لقوم" ولكن الوزن لا يستقيم على ذلك، فلعل الصواب ما أثبتناه.
(٤) بياض في أ.
(٥) ك: تبوأ - أ: تفتك.
[ ٢ / ١٦٢ ]
وفقيه الحرمين مالك … كان إذ يأمر بالأمر يطاع *
وأنشد لطالب بن عصمة الأندلسي:
إمام الورى في الهدى والسمت مالك … وفي الفقه والآثار ما أن يدارك
فآراؤه في الفقه يسطع نورها … وتسهل من إيضاحهن المسالك
وآثاره يهدى العباد مضيئها (^٣٤٢) … كما تهدهم زهر النجوم الشوابك
له من ذرى العلم السنام وشلوه … وفي سائر الناس الشظى والسنابك
وأنشد الزبير أيضا لأبي المعافى:
فدى مالك قوم تمنوا بموته … وما فيهم لو مات عوض ولا خلف
تحمل علم الدين نورا مثقفا … بإسناد أقوام ثقات من السلف
فلما أقام الأود من ذى قسيهم … وكان إليه غاية الرمي والهدف
رموه بنبل كان قد راشها لهم … وعلمهم شد الأساعد والأكف (^٣٤٣)
فما ساعد منهم يقاوم ظفره … إذا قست منهم ساعدا ببنان كف
وقيل أن مالكا لما سمع هذا الشعر قال: الله المستعان.
وقال محمد بن أبي زيد لبعض من ناقض قول مالك ﵀:
تخطيت خفض نجوم السماء وهذا هو الأمل الكاذب
تروم إمام الهدى مالكا … وذاك هو الجبل الراسب
فما أثر الذر في صخرة … ومجهوده قائم راتب
بدون منالك (^٣٤٤) من مالك … فدونك هذا الرجا الخائب
وأنك من دون ما رمته … بعيد كما بعد الثاقب
وقال عبد السلام بن سليمان:
عادني مالك، فلست أبالي … بعد، من عادني ومن لم يعدني
_________________
(١) أ: مضيئها - ك: وميضها.
(٢) هذا البيت ساقط من ك، والمعنى لا يستقيم بدونه.
(٣) بياض في: أ.
[ ٢ / ١٦٣ ]
وأنشد أبو مصعب لبعضهم:
ومن لم يجالس مالكا منذ أن نشا … ولما يجالس غيره فهو جاهل
وأنشد التسترى لمحمد بن عبد الرحمن البغدادي المعروف بأبى الحسن (^٣٤٥) الصالحي يرثى مالكا بقصيدة أولها:
قضى وطرا من غمه فهو جازع … ولج به طرف من الليل دامع
وأبصر بالإيمان عورة دينه … فبات سهيرا والعيون هواجع
رأى أن أيام الصبا لسن رجعا … وأن الهوى في حلة الشيب ضائع
فلا اللهو محمود، ولا العيش راجع، … ولا الحلم مذموم، ولا الجهل نافع
تذكر أن العلم ينهى عن الهوى … وراعته أعلام المشيب الروائع
وبعد هذا أبيات كثيرة ذكر فيها المدينة فقال:
حرام رسول الله فيها وأمنه … وللرجز والدجال فيها موانع
ويأرز إيمان البلاد إليهم … إذا ظهرت فيها الهنات الفظائع
ومنها أتى الله البلاد بدينه … كذا كل إيمان إلى الدار راجع
ثم قال بعد أبيات *:
سقى الله ما ضم النبي محمدا … من الأرض، ما يسقى الغمام الهوامع
إلى روضة التقوى، إلى القبلة التي … بها قمر التقوى مصل وراكع
إلى حفر الأصحاب (^٣٤٦) والتابع الذي … به وصلتهم في الكتاب الدرائع
وجاد لقبر فيه أكفان مالك … أفاوقه والمسبلات الدوافع
_________________
(١) ك: بأبي الحسن - أ: بأبي الحسني.
(٢) أ: حفر الأصحاب - ك: خيرة الأصحاب.
[ ٢ / ١٦٤ ]
فنعم إمام العلم والكوكب الذي … أتى نوره في صفحة الدين ساطع
عقيد الهدى فينا ومصباح ديننا … ومن قوله بالحق والرشد واقع
ومن عروة الإسلام في بطن كفه … هي العروة الوثقى وبالحق صادع
ومن هو خير الناس، والعلم هديه … ومن عنده أركانه والشرائع
فإن لم تكن فيما قضى الله صاحبا … فإنك للأمى (^٣٤٧) بالحق تابع
أقمت لنا دين النبي محمد … وجاريه (^٣٤٨)، والصهرين، مذ أنت يافع
وعلمك أعلى العلم فرعا ومخرجا … كذا كل علم دونه متواضع
إذا قرع الآذان هلت قلوبها … وأصغت إليه بالرقاب المسامع
وما علم من لم يستمع قول مالك … ولم يعتقده قلبه وهو ضائع
ولم يهد بالبرهان من علم مالك … وما وطيت (^٣٤٩) أخباره والجوامع
لعمرى لقد أورثتنا العلم خالصا … وقد أوحشت منك الديار البلاقع
_________________
(١) ك: للامى - أ: للآتي.
(٢) ك: وجاريه - أ: وجازيت.
(٣) ك، ط: وما وطيت - أ: وما فطأت.
[ ٢ / ١٦٥ ]
نقلت إلينا عن مصابيح ديننا … بتوفيق رب فضل جدواه واسع
فإن لم تكن فينا فعلمك بيننا … ندافع عنه من نشا ونصارع
بكل بيان من كتاب وحجة … لها من قلوب المؤمنين مواقع
ستبكيك أرض الناس، والناس فوقها، … وتبكيك في الجو النجوم الطوالع
وحكى التسترى أن أبا المعافى سجنه والى المدينة العباس بن محمد في أمر رفع إليه، فكتب إلى مالك بشعر يقول فيه:
ألا إن عمر العلم في عمر مالك … فلا زال فيا صالح الحال مالك
الأبيات.
فما فرغ منها حتى رئى الحياء في وجه مالك، ثم أطرق، فرفع رأسه وقال:
إن الله فرض فرائض، وجعل حد الزاني الرجم إذا أحصن، وجلد مائة إذا لم يحصن، وجلد ثمانين إذا قذف محصنة، وإذا سرق ما فيه القطع، القطع، ولم أسمع أن الله أمر بالسجن في شيء من حدوده، فرفع ذلك إلى العباس فأرسل إلى مالك ليسأله، فقال: اليوم بعد ثلاثة أشهر أرى أن تفتح عليه الباب وتستحله فيما مضى. فخلى سبيله.
وكان المعافى ينشد - يعرض بالقريشيين الذين أفتوا بحبسه -:
فدى مالك قوم تمنوا بموته
الأبيات.
وأنشد لابن أبي سليمان أخى بنى خضرة (^٣٥٠) في مالك:
_________________
(١) م: أخى بني خضرة - أ، ط: أخو بني حرة - ك: أخو بني خضرة.
[ ٢ / ١٦٦ ]
كم فقه الله من جاف بمجلسه … وزاد فقها به من فقهه عاس (^٣٥١)
يا منتهى الناس في الفتوى إذا اجتهدوا … وقايسوك لدى النوكي بمقياس
أنت البقية إذ أودت بقيتنا … لا الضارب الرأى أخماسا لأسداس
وقال الفقيه محمد بن عمار الكلاعي البورقى (^٣٥٢) أيضا في قصيدة منها: *
وكن في ذى المذاهب مالكيا … مدينيا وسنيا متينا
مدينة خير من ركب المطايا … ومهبط وحى رب العالمينا
بها كان النبي وخير صحب … وأكثرهم بها أضحى دفينا
ومالك الرضى لا شك فيه … وقد سلك الطريق المستبينا
نظرنا في المذاهب ما رأينا … كمذهب مالك للناظرينا
ومذهبه اتباع لا ابتداع … كما اتبع الكريم الأكرمينا
وعندى، كل مجتهد مصيب … ولكن مالك في السابقينا
وقد دل الدليل على صواب … يقول به لدى المتحققينا
وقال الفقيه أبو حفص بن عبد النور الصقلي المعروف بابن الحكار في ذلك:
تأملت علم المرتضين أولى النهى … فأفضلهم من ليس في جده لعب
ومن فقهه مستنبط من حديثه … رواه بتصحيح الرواية وانتخب
فما مالك إلا الهدى، ولذا اهتدت … به أمم من سائر العجم والعرب
وقال أيضا:
_________________
(١) يقال عسا النبات وغيره عساء وعسوا غلظ ويبس.
(٢) أ: البورقي - ك، م: الميرنى.
[ ٢ / ١٦٧ ]
ومالك هو نور قد أضاء لنا … بعلمه فجلونا ظلمة السدف
لا يبتدى سائلا بالوعد يصرفه … ولا يحيل على الأوراق والصحف
ولا يجيب جوابا ثم يتبعه … نقضا، ولكن برأى غير مختلف
وقال الفقيه أبو الفضل بن النحوى في ذلك:
أن الإمام الأصبحى … من النجوم الزاهرات
حفظ الإله به الحديث … وعده في الحافظات
وتصرفت آراؤه … في المبدآت المبدعات
ومشى على الهدى الذي … يمشى عليه أخو الثبات
أهل المدينة يهتدى … بهم وهم أعلى الرواة
ويحيل بعد قياسه … في الحادثات المشكلات
طلب المعالى فاستوى … فوق المعالي المشرفات
وتشرقت (^٣٥٣) أنواره … نحو البلاد القاصيات
فأصاب منها من يو … فق للصواب والهداة
والمسك ترتاح النفو … س إليه في المتطيبات
وقال القاضي المؤلف ﵁:
يا سائلا عن حميد الهدى والسنن … اطلب - هديت - علوم الفقه والسنن
وعقد قلبك فاشدده على ثلج … لا تطوينه على شك ولا دخن (^٣٥٤)
واسلك سبيل الألى حازوا نهى وتقى … كانوا فبانوا حسان السر والعلن
_________________
(١) ك: تشرقت - أ: تشوفت.
(٢) ك: دخن - أ: دنن.
[ ٢ / ١٦٨ ]
هم الأئمة والأقطاب ما انخدعوا … ولا شروا دينهم بالبخس والغبن
أصحاب خير الورى، أخيار ملته، … خير القرون، نجوم الدهر والزمن
من اهتدى بهداهم مهتد، وهم … نجاة من بعدهم من غمرة الفتن
وتابعوهم على الهدى القويم هم … أهل النهى والتقى والعلم والفطن
واختر لدينك ذا علم تقلده … مشهر الذكر في شام وفى يمن
حوى أصولهم ثم اقتفى أثرا … نهجا إلى كل معنى رائق حسن
ومالك المرتضى لا شك أفضلهم … إمام دار الهدى والوحى والسنن
وعنه خذ علمهم إن كنت متبعا … ودع زخارف كالأحلام في الوسن
فهو المقلد في الآثار يسندها … خلاف من هو فيها غير مؤتمن
وهو المقلد في فقه وفى نظر … والمقتدى بالهدى في ذلك الزمن
وعالم الأرض طرا بالذي حكمت … شهادة المصطفى ذى الفضل والمنن
ومن إليه بأقطار البلاد غدت … تنضى المطايا وتضنى بدن البدن
من اشرب الخلق طرا حبه فجرى … طى القلوب كمجرى الماء في الغصن
وطال كل لسان في فضائله … قولا، وإن قصروا في الوصف عن لسن
عليه من ربه أضفى عواطفه … ومن رضاه كصوب العارض الهتن
وجاد ملحده وطفاء هاطلة … تسقى برحماه مثوى ذلك الجفن
[ ٢ / ١٦٩ ]