قال القاضي رضى الله تعالى عنه:
قال عبد العزيز بن يحيى: لما قدم أمير المؤمنين المدينة ومعه أبو يوسف (^٢٥٤) والبرمكى، وكان قاصدا لمالك يحب حطه ووضعه، فقال يحيى:
يا أمير المؤمنين! إن مالكا حمل الناس على رأيه، وأظهر الاستخفاف برأى أهل العراق، فلو جمعت بينه وبين أبي يوسف، فإن كان الحق بيده عرفت ذلك، وإن كان بيد غيره عرفت ذلك.
فوجه أمير المؤمنين إليه يقرئه السلام، ويأمره بالمسير إليه.
فكتب إليه مالك: إن كان أمير المؤمنين أراد أن يسألني عما أشكل عليه، فأرى أن يكتب إلى بذلك ليأتيه فيه الجواب، فإني ضعيف البدن لا تحملني رجلاي.
فقال له يحيى: يسمع الناس أنك وجهت إلى مالك فلم يأتك! فاكتب إليه بعزيمة. ففعل.
فجاءه مالك، فدخل عليه متوكئا على ثلاثة نفر من أصحابه: المغيرة المخزومي، وعبد الرحمن بن عبد الله العمري، وسعيد بن سليمان المساحقى العامري.
_________________
(١) هو أبو يوسف يعقوب بن إبراهيم، القاضي، صاحب أبي حنيفة ﵁، تولى القضاء لثلاثة من الخلفاء: المهدى وابنه الهادى ثم هارون الرشيد. وكان الرشيد يكرمه ويجله، وكان عنده حظيا مكينا. قالوا: ما كان في أصحاب أبي حنيفة مثل أبي يوسف، لولا أبو يوسف ما ذكر أبو حنيفة. وقد توفى القاضي أبو يوسف سنة ١٨٢ أو ١٩٢ على خلاف في ذلك. انظر ترجمته في الوفيات ج ٥ ص ٤٢١ - الترجمة ٧٩٥.
[ ٢ / ١١٣ ]
فلما جلسوا، وكان هؤلاء الثلاثة يومئذ أشراف المدينة والمنظور إليهم، فجاء أبو يوسف حتى جلس مستقبل مالك فقال:
يا أمير المؤمنين! أتأذن لي في مناظرة أبي عبد الله؟
فقال: ناظره.
فقال أبو يوسف: أن أبا عبد الله يقول: لو أن رجلا أخذ لوزة فحلف بالطلاق أن فيها توأما (^٢٥٥)، ثم كسرها كسرا عنيفا، لم يعرف ما فيها، لكان حانثا.
فقال المساحقى: أتأذن لي يا أمير المؤمنين في الكلام؟
قال (^٢٥٦): نعم؟
قال: أن أبا عبد الله يقول بأشد من هذا، يقول: لو أنه كسرها كسرا رفيقا فخرج منها نوى (^٢٥٧) لحنث، لأنه حلف على غيب لا يعرفه، والطلاق لا لعب فيه.
فقال أمير المؤمنين: نعم ما قال.
فقال أبو يوسف: أن أبا عبد الله يقول: لو أن رجلا طلق امرأته قبل أن يدخل بها، وقد أصدقها * مائة دينار، لم يرجع إليه نصف الصداق كما قال الله تعالى.
فقال العمرى: أيأذن لي أمير المؤمنين في الكلام؟
قال: نعم.
قال: أن أبا عبد الله يقول بالقول الذي لا يعرف أمير المؤمنين غيره، وهو قول آبائه ومن مضى من أسلافه، أن رجلا لو أصدق امرأته مائة دينار فقالت: أنا أضعها عند أبوى، وأدخل عليك عريانة، لم
_________________
(١) ك، م: توأما - أ: نواها.
(٢) الكلام الوارد هنا بين خطين مائلين، من قوله: "قال: نعم، قال: أن أبا عبد الله يقول .. " إلى قوله: "فقام الرشيد إلى المسجد وقمنا معه" كله ساقط من نسختي: ك، م وهو نحو المائة سطر، لذلك اضطررنا أن نقتصر في مقابلته على نسختي: أ، ط.
(٣) ط: نوى - أ: نواة.
[ ٢ / ١١٤ ]
يكن ذلك لها، دون أن تنفق ذلك فيما مضت به سنة المسلمين من جهازها وما يصلحها، فإن تركها حتى أنفقت ذلك فيما لابد لها منه من ذلك، ثم طلقها وقال لها: بيعي كل ما اشتريت وجيئينى بخمسين دينارا، لم يكن ذلك له إلا فيما استهلكت فيه الصداق.
فقال أمير المؤمنين: نعم ما قال أبو عبد الله.
فقال أبو يوسف: يا أمير المؤمنين، أن مالكا قد أكفأ الناس عن دينهم (^٢٥٨)، وحملهم على رأيه، وجهلهم بأمر أولهم، وترك الأحاديث عن آباء أمير المؤمنين وأعمامه.
وذكر باقى كلامه وجواب المغيرة له، إلى خروج مالك بنحو من حديث الزبيرى الذي أذكره بعد هذا.
قال: فأتبعه الرشيد بأربعة آلاف دينار جائزة.
- * -
وذكر أن مالكا قال للرشيد إذ قال له ناظره: ليس هو عندى من أهل العلم فأناظره.
وفى رواية الشافعي: إنما يناظر العالم العالم ليتعلم الناس فيما بينهم، أو عالم يتعلم الناس منه، فأما أبو يوسف فقد باعده الله من ذلك.
فاشتد على هارون ذلك وغضب، فقال له:
وكيف يكون من أهل العلم، وهذه صدقات رسول الله ﷺ وصدقات أصحابه قائمة، يتوارثها المسلمون قرنا بعد قرن، فيجهلها ولا يعرفها؟
وفى رواية أنه قال: أنشدك الله يا أمير المؤمنين، هل لرسول الله ﷺ وقف تأخذ منه وتجعله حيث رأيت؟
قال: نعم.
_________________
(١) اكفأ الناس عن دينهم: صرفهم عنه - وفى نسختي: أ، ط: أن مالكا قد أكفى الناس عن دينهم، ولعل الصواب ما أثبتناه.
[ ٢ / ١١٥ ]
قال: فهذا يقول: أن الوقوف باطلة.
فالتفت هارون إلى أبي يوسف مغضبا فقال له: ما تقول؟
قال: كان صاحبنا لا يراه، وأنا أراه، زاد في رواية: من الثلث.
فأعرض عنه الرشيد.
- * -
قال الواقدى: لما حج الرشيد وسار إلى المدينة أراد أن يجمع بين مالك وأبي يوسف، فبعث إلى مالك يسأله أن يسير إليه.
فبعث إليه: إني لا أقدر لعلة بي من رجلى.
فبعث إليه: فنرسل لك دابة.
فقال: لا. الدابة أشد على من المشى.
قال: فنرسل إليك محفة.
قال: هي شهرة لا أحبها.
فأرسل إليه: إن لم يمكنك المجيء جئناك.
فلما سمعها تلبس ومضى إليه يهادى بين اثنين، فدخل عليه والمجلس غاص، وقد أخذ الناس مجالسهم، فسلم، وكره أن يجلس حيث انتهى فيكون مؤخرا، أو يتخطى فيسيء الأدب، فقال: أين أجلس يا أمير المؤمنين؟ فقال: إلى إلى أبا عبد الله.
فرفعه إليه.
فلما تمكن سأله أبو يوسف عن مسألة من الرهن فلم يجبه. فقال: يا أمير المؤمنين! قل له يجيبنى.
فقال: أجبه. فأجابه.
فقال أبو يوسف: ولم؟ فسكت عنه (^٢٥٩).
_________________
(١) ك: فقال أبو يوسف: ولم؟ فسكت عنه - أ: فقال أبو يوسف: ولم سكت عنه؟
[ ٢ / ١١٦ ]
فقال: قل له يجيبنى.
فقال له الرشيد: أجبه.
فقام المغيرة (^٢٦٠) فقال: يا أمير المؤمنين! ها هنا من يكفى أبا عبد الله الجواب إن أذن أمير المؤمنين.
قال: من هو؟
قال: أنا.
مناظره، فانفرد المغيرة بجوابه، ولم يزل يناظره حتى انقضى المجلس.
قال الواقدي: فقال لي يحيى بن برمك: تمنيت أن يعجل المؤذن بالأذان فيتفرق المجلس، لما لقى أبو يوسف منه.
وقال المغيرة لمالك حين خرجوا: كيف رأيت مناظرتي للرجل؟
قال: رأيتك مستعليا عليه، غير أنك تنزل *.
قال: وما هو؟
قال: كنت إذا ظهرت عليه في المسألة فظافرته، أخرجك إلى غيرها وتخلص منك بذلك، وكان ينبغي لك ألا تفارقه فيها حتى تفرغ منها.
- * -
وروى أن أبا يوسف لما سأل الرشيد أن يناظر مالكا في مجلسه، نهاه الرشيد عن ذلك وقال له:
- إياك والمدنى.
فأعاد عليه المسألة مرارا، فأذن له، ففاتحه، فجعل مالك يقول:
حدثنا نافع، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ.
وأبو يوسف يقول: حدثنا الحسن بن عمارة عن الحكم، وأبو حنيفة عن حماد.
_________________
(١) ساقط من أ.
[ ٢ / ١١٧ ]
فلما أكثر قال له مالك: ساء ما أدبك أهلك يا يعقوب، أحدثك عن نافع عن ابن عمر عن النبي ﷺ، وتحدثني عن الحسن بن عمارة وأبي حنيفة.
فنظر إليه الرشيد نظر مغضب، وأومأ بعينه: أن قد نهيتك عن التعرض.
- * -
وفى رواية مطرف: أن أبا يوسف سأل مالكا عن رجل حلف أن لا يصلى نافلة أبدا، فقال مالك:
أرى أن يضرب ويؤدب حتى يصلى وهو كاره.
فجاء هارون ولم يكن حاضرا، فقال له أبو يوسف: إني سألت مالكا عن كذا وكدا، فقال كذا وكذا.
فقال: أو ترى ذلك يا أبا عبد الله؟
قال: لا.
فقال له أبو يوسف: أليس قد قلت لي ذلك؟
قال: بلى، ولكنك رجل عراقي، أن أفتيت بترك النافلة، أفتى الناس بترك الفريضة، وأنت لا أخافك على ذلك.
فلما خرج، خرج معه أبو يوسف يتوكأ عليه، ومالك يقول له: ارجع. حتى بلغه منزله.
- * -
قال دفافة بن عبد العزيز: رأيت أبا يوسف سأل مالكا عند الرشيد عن مسألة، فأجابه مرتين أو ثلاثا، وحضرت الصلاة، فقام الرشيد إلى المسجد وقمنا معه (^٢٦١)، فلصقت بمالك فقلت له:
_________________
(١) لقد سبقت الإشارة إلى أن الكلام الوارد بين خطين مائلين، من قوله: "قال: نعم. قال: أن أبا عبد الله يقول … " إلى قوله هنا: "فقام الرشيد إلى المسجد وقمنا معه" كله ساقط من نسختي: ك، م، وهو نحو المائة سطر، وأننا اضطررنا لذلك أن نقتصر في مقابلته على نسختي: أ، ط.
[ ٢ / ١١٨ ]
أن هذا يتعنتك فلا تجبه، وأمير المؤمنين لا يكره ذلك.
فلما انصرفنا عاد أبو يوسف، فلم يجبه مالك وقال إنما حسبته مسترشدا، وأظنه إنما يسأل معنتا فلا أجيبه.
- * -
قال بعضهم: سأل أبو يوسف الرشيد، أن يأمر مالكا يناظره، فقال: ناظره يا أبا عبد الله.
فقال مالك: إن العلم ليس كالتحريش بين البهائم والديكة.
فلم يفهم هارون عنه، وجعل يقول: ناظره. ومالك ساكت.
فقال عبد الملك بن الماجشون: أن شيخنا يا أمير المؤمنين قد جل عن المناظرة والكلام، ونحن تلاميذه نقوم مقامه، فنحن نناظره، ونتكلم عنه، فإن رأى خطأ لم يسكت عليه.
فقال هارون: ذلك.
فلما تناظرا، ذكر أبو يوسف صداق المرأة وقال: لها أن تصنع به ما شاءت، إن شاءت رمت به وجاءته في قميص، وإن شاءت جعلته في خيط الدوامة (^٢٦٢).
فقال مالك: لو أن أمير المؤمنين خطب امرأة من أهله، وأصدقها مائة ألف درهم، فجاءته في قميص، لم يحكم لها بذلك، ولكن يأمرها أن تتجهز وتتهيأ له بما يشبهه، مما يتجهز به النساء.
فقال هارون: أصبت.
- * -
قال: وأخذ الحديث إلى أن قال أبو يوسف:
أجرى النبي ﷺ من الغاية.
_________________
(١) ك، م: الدوامة بضم الدال، وهي لعبة من خشب يلف الصبي عليها خيطا، ثم ينقضه بسرعة، فتدور على الأرض - وفى نسخة أ: الدؤابة.
[ ٢ / ١١٩ ]
فقال مالك: لا يا أمير المؤمنين، إنما هي الغابة، وهى وراءك (^٢٦٣).
قال أبو محمد الزهري: وقال أبو يوسف لمالك: ما تقول في رجل بعث مع رجل دينارا، وبعث معه آخر دينارين، فخلطهما، ثم سقط له منها دينار؟
فقال مالك: أما واحد فلصاحب الاثنين لا شك فيه، وواحد فيه شك فيتشاطرانه.
- * -
قال عبد الملك بن الماجشون: سأل رجل من أهل العراق مالكا عن صدقة الحبس *، فقال: إذا حيزت (^٢٦٤) مضت.
فقال العراقي: أن شريحا قال: لأحبس عن كتاب الله.
فضحك مالك، وكان قليل الضحك، وقال: يرحم الله شريحا، لم يدر ما صنع أصحاب رسول الله ﷺ هنا.
- * -
قال سعيد بن داود بن أبي زنبر (^٢٦٥): دخل هارون المدينة ومعه أبو يوسف، فأتى إليه مالك، فسلم عليه، وأبو يوسف عن يسار الرشيد، وابناه الأمين والمأمون بجانبه، فلما دخل مالك غمز هارون ابنيه فقال:
_________________
(١) هكذا ورد هذا الحوار في نسخة ط. وقد ورد في نسخة "أ" كما يلي: وأخذ الحديث إلى أن قال أبو يوسف: أجراء النبي ﷺ من الغابة. فقال مالك: لا يا أمير المؤمن، إنما هي الغابة، وهي وراءك! وورد في نسخة "ك" كما يلي: وأخذ الحديث إلى أن قال أبو يوسف: أجرى النبي ﷺ الخيل من الغابة. فقال مالك: لا يا أمير المؤمنين، إنما هي الغاية، وهي وراءك.
(٢) أ: حيزت - ط، م: أجيزت.
(٣) سعيد بن داود بن أبي زنبر، أبو عثمان المدني، توفى بعد العشرين ومائتين، انظر الخلاصة ص ١٣٧ وقد ورد اسمه في نسخة "أ" هذا هكذا: سعيد بن أبي داود بن أبي زنبر، ويتردد اسمه عند القاضي عياض مختصرا هكذا في الغالب: ابن أبي زنبر.
[ ٢ / ١٢٠ ]
قوما بين يدى عمكما حتى يخرج. يعنى مالكا.
قال أبو يوسف: فدخل، وكان على مالك ثياب عدنية سود، فوالله ما رأيت قط أحسن منه فيها، فتزحزح هارون له حتى أجلسه معه على المنصة، فكأن أبا يوسف حسده، فقال له:
ما تقول يا أبا عبد الله في محرم كسر ثنية ظبي؟
فقال مالك: عليه الفدية.
فضحك أبو يوسف وقال: وهل للظبى ثنايا؟
فرفع مالك رأسه إلى هارون وقال له: يا سبحان الله! ما علمت أن أحدا يذكر العلم فيضحك، فلا وقر العلم، ولا مجلس أمير المؤمنين، وإنما أجبته: إن كان الظبى في حالة يكون له سن في موضع الثنية، ففعله محرم، فعليه الفدية، وإلا فقد علمت منه ما علم، وليس هذا ينبغى للناس أن يعلموه، ولا هو بواجب عليهم، ولكن ما تقول في إمام عرفة إذا وافق يوم عرفة يوم الجمعة، هل عليه أن يجهر بالقراءة؟ فإن هذا واجب على المسلمين أن يعلموه.
فقال أبو يوسف: يوسف: يجهر بها.
فقال مالك: أخطأت، والله ما يذهب هذا عن صبيان مكة وسودانهم، دون غيرهم، أن الجمعة إذا وافقت عرفة لا يجهر فيها، يتوارثها الأبناء عن الآباء من لدن رسول الله ﷺ إلى زماننا هذا.
ثم التفت إلى هارون وقال: يا أمير المؤمنين! سفيه سأل عن مسائل السفهاء، توليه على أمور المسلمين؟
وقام، فلما كان وقت الرواح عاد إليه وهو متكئ على المغيرة والمساحقى فسلم عليه، فالتفت أبو يوسف إلى هارون فقال:
يا أمير المؤمنين! أبو عبد الله لا يحدث عن آباء أمير المؤمنين: العباس، وعبد الله، وعلى، وإنما يحدث عن معاوية ومروان وابنه، قد جعل أحاديثهم سننا.
[ ٢ / ١٢١ ]
قال: ومالك ساكت.
فقال المغيرة: يأذن لي أمير المؤمنين في الكلام؟
قال: تكلم.
قال: أن أبا عبد الله يحدث عن آباء أمير المؤمنين: العباس وابنه، وعن بنى أعمامه: على وأولاده، وعن أعطاف أمير المؤمنين: معاوية ومروان وابنه، ولا يحدث عن فلان العلاس (^٢٦٦) ولا عن فلان القتات، ولا عن فلان صاحب الشعير.
وهؤلاء معروفون لا شك فيهم، يعنى الذين روى مالك عنهم.
فنكس أبو يوسف رأسه وسكت.
فقام مالك فقال: يا أمير المؤمنين! قد حضرتنى العلة التي ذكرتها لك، وأبو يوسف رجل بطال، ومن علم أن الزمان يفنى، والموت يأتى، يكون عمله بخلاف عمل يعقوب.
- * -
قال سعيد بن أبى مريم ومصعب بن عبد الله: قدم هارون المدينة ومعه أبو يوسف، فدخل عليه مالك فرفعه فوق أبي يوسف.
وقال مصعب: فقال مالك: أين يجلس الشيخ؟
فقال هارون: حيث شاء.
فجلس فوق أبي يوسف.
فقال له: يا يعقوب، ناظر أبا عبد الله.
فقال أبو يوسف: ما تقول في رجل قال لامرأته: أنت طالق ملء سكرجة (^٢٦٧)؟
_________________
(١) أ: العلاس، وهو بائع العليس، أي الشواء، وفى بعض النسخ: القلاس، أي صانع القلانس - ك: ولا يحدث عن فلان الفلاني.
(٢) السكرجة: بضم السين والكاف والراء المشددة: إناء صغير يؤكل فيه الشيء القليل من الأدم، أو من الكوامخ التي توضع على المائدة حول الأطعمة للتشهي والهضم، ج سكارج.
[ ٢ / ١٢٢ ]
فأطرق مالك ساعة، ثم رفع رأسه، فقال له هارون:
أجبه يا أبا عبد الله!
فقال له مالك: يا أمير المؤمنين، نظرت مسألته في كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ، وقول الصحابة والتابعين، فلم أجد أصل مسألته فيها، ولا خير في علم لا يكون فيما ذكرته.
فالتفت هارون إلى أبي يوسف وقال له: يا يعقوب! أن أبا عبد الله اجتث مسألتك من أصلها.
قال مصعب: فقال: يا أمير المؤمنين! ليس عنده في ذلك شيء، ولو كان لاجاب، وضحك.
فالتفت إليه مالك وقال: ساء ما أدبك أهلك، أتضحك في مجلس أمير المؤمنين؟
فخجل أبو يوسف.
ثم سأل أمير المؤمنين مالكا عن مسائل فأجابه فيها فسر بذلك، وكان في المجلس رجل يقال له سندل (^٢٦٨)، فقال:
ان أبا عبد الله، مرة يخطئ، ومرة لا يصيب.
فقال مالك: كذا الناس.
فلما فكر في قوله، غضب غضبا شديدا، ثم قال:
يا أمير المؤمنين! قال الله تعالى: "ألم يان للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله" (^٢٦٩) الآية، وما ظننت أن أحدا من المسلمين يذكر الله والرسول فلا يمرض قلبه خوفا لهما، قال الله: "وما كان لمؤمن ولا مؤمنة" (^٢٧٠) الآية، فلا عرفتم حق عظمة الله، ولا عرفتم قدر رسوله ولا عرفتم حق مجلس أمير المؤمنين!
_________________
(١) هو عمر بن قيس المكي أبو حفص سندل، قال عنه البخاري: منكر الحديث، انظر الخلاصة ص ٢٨٥.
(٢) الآية ١٥ من سورة الحديد.
(٣) الآية ٣٦ من سورة الأحزاب.
[ ٢ / ١٢٣ ]
ثم قام مغضبا يقول: بليتم بالإسلام (^٢٧١)، وبلى بكم أهل الإسلام، وخرج. فصعب ذلك على هارون وقال لأبي يوسف:
- قم فالحق بالشيخ، وأرضه.
فخرج فوجد مالكا قد جلس في حانوت صديق له سراج، يستريح فيه، وأبو يوسف على فرس محلى، بين يديه جماعة، فسلم عليه وقال:
- كيف ترانى يا أبا عبد الله؟
فنظر إليه مالك وقال: مثل قيصر في قومه.
فخجل ومضى.
- * -
قال أبو مصعب: قال أبو يوسف لمالك: تؤذنون بالترجيع، وليس عندكم عن النبي ﷺ فيه حديث.
فالتفت إليه مالك وقال: يا سبحان الله! ما رأيت أمرا أعجب من هذا، ينادى على رؤوس الأشهاد في كل يوم خمس مرات، يتوارثه الأبناء عن الآباء من لدن رسول الله ﷺ إلى زماننا هذا، يحتاج فيه إلى فلان عن فلان، هذا أصح عندنا من الحديث.
- * -
وسأله عن الصاع فقال: خمسة أرطال وثلث.
فقال: ومن أين قلتم ذلك؟
فقال مالك لبعض أصحابه: أحضروا ما عندكم من الصاع.
فأتى أهل المدينة، أو عامتهم، من المهاجرين والأنصار، وتحت كل واحد منهم صاع، فقال: هذا صاع ورثته عن أبي عن جدى صاحب رسول الله ﷺ.
_________________
(١) / بالإسلام/ ساقط من ك.
[ ٢ / ١٢٤ ]
فقال مالك: هذا الخبر الشائع عندنا أثبت من الحديث.
فرجع أبو يوسف إلى قوله.
- * -
قال معن: دخل مالك على هارون وعنده أبو يوسف، فلم يزل هارون يدنيه حتى أخذ بيده وأجلسه إلى جنبه، وجعل يسأله: يا أبا عبد الله، يا أبا عبد الله؟ فقال له أبو يوسف: كيف أنت يا أبا عبد الله؟ فأعرض عنه، فقال له هارون: هذا قاضينا. فأعرض عنه، فسأله أبو يوسف عن مسألة فلم يجبه. فقال له هارون: أجبه. فقال له مالك وهو معرض عنه: إذا رأيتنا جلسنا لأهل الباطل فتعال حتى أجيبك.
- * -
قال ابن حنبل: سأل أبو يوسف مالكا عن مسألة عند هارون فلم يجبه (^٢٧٢)، فقال أبو يوسف لهارون: قل له يجيبنى. فقال له مالك: ساء ما أدبك أهلك.
- * -
ودخل محمد بن عجلان (^٢٧٣) على مالك، وكانت فيه حدة فقال له وهو دائم:
أرأيت الذي تفتى الناس فيه أن محرم رسول الله ﷺ من ذي الحليفة؟
فقال له مالك: إن جلست فاستمعت كلمتك.
فجلس، فقال له مالك: أرأيت إن كان ما قلت إن محرم رسول الله ﷺ * من البيداء، أليس يأتي على ذلك ويدخل فيه ما أقول؟
قال: بلى.
_________________
(١) / فلم يجبه / ساقط من ك.
(٢) محمد بن عجلان القرشي، أبو عبد الله المدني، قال عنه في الخلاصة: أحد العلماء العاملين، توفي سنة ١٤٨ - انظر الخلاصة للخزرجي ص ٢٥١.
[ ٢ / ١٢٥ ]
فقلت: أفرأيت ما أقول أن محرمه ﷺ من المسجد، أليس يخرج من ذلك من عمل (^٢٧٤) بما تقول، وقد اختلف في ذلك، فالحيطة في مسجد ذى الحليفة، والحديث فيه أقوى، وقد قال ابن عمر: بيداؤكم هذه التي تكذبون فيها على رسول الله ﷺ، ومكان ابن عمر من الإسلام مكانه، وقد صحب رسول الله ﷺ وأكثر الرواية عنه، وكان معه في صحبته يدون أفعاله ليفعلها ويستقريها (^٢٧٥)، حتى إن كان ليخرج إلى الحج والعمرة فيتحرى في بعض المواضع التي قد عرف مواطئ أخفاف راحلة النبي ﷺ، وعاش بعده ثلاثا وستين سنة، ويرى ما فعل أصحاب رسول الله ﷺ.
فلم يزل يكلمه حتى تبين لابن عجلان قوله، فقام إلى رأس مالك فقبله.
- * -
قال حامد بن يحيى وغيره، - وبعضهم يزيد على بعض، فأتينا بالخبر كاملا بزياداته -:
اجتمع عند أمير مكة مالك بن أنس، وعمر بن قيس المعروف بسندل، أخو حميد بن قيس، فقيل لعمر:
هذا رجل من ذى أصبح (^٢٧٦).
قال: وأنا رجل من ذى أمسى.
وأقبل على مالك فقال له: ما تقول فيمن كسر ثنية ظبي؟ فقال: عليه ما نقصه.
_________________
(١) ك: عمل - أ: علم.
(٢) ك: وكان معه في صحبته يدون أفعاله ليفعلها ويستقريها - أ: وكان معه في حجته يروي أفعاله ليفعلها ويستقر بها.
(٣) ينسب الإمام مالك ﵀ إلى ذي أصبح فهو مالك بن أنس الأصبحي، وذو أصبح هو الحارث الجد الثامن للإمام مالك، وهو أحد أذواء حمير، ومن المعلوم أن أسرة الإمام مالك يمنية الأصل.
[ ٢ / ١٢٦ ]
فقال عمر: الأحيان يخطئ، والأحيان لا يصيب.
فقال مالك: هكذا الناس. ثم فطر.
فقال عمر: لا، ولكن هكذا أنت.
فأقبل مالك على الأمير وقال: ما ظننت أن الأمير يحض مجالسه اللعابين.
ثم قال: من هذا؟
قيل له: عمر بن قيس أخو حميد (^٢٧٧).
فقال: لو علمت أن لحميد أخا مثل هذا ما رويت عنه.
قال أبو داود السجستاني: سقط عمر بن قيس بهذا المجلس.
- * -
وقال غيره: حج مالك فجلس عند الميزاب في ظل الكعبة، وكثر الناس عليه يستفتونه، فإذا جاء أحد يسأله عن الحج، قال: أفرد، أفرد، هي سنة النبي ﷺ.
فأتاه عمر بن قيس فوقف عليه، وقال: يا مالك! أنت هالك، جلست في حرم الله تضل حجاج بيت الله، تقول: أفردوا أفردوا! أفردك الله.
فقام إليه الناس، فقال مالك: دعوا المسكين، فهو في شر من هذا، أنه يشرب الخندريس، وفي رواية: يستحل شرب الخندريس، يعنى المسكر من النبيذ، زاد بعضهم: أنه باع مصحفا فاشترى كلبا.
فولى عمر وقد اسود وجهه، فوضعه الله إلى يوم القيامة.
- * -
وقال أبو مصعب: أرسل الموالى إلى مالك بغلام شاب شهد عليه بالسرقة، وقد كان أفتى المغيرة، أحسبه قال: وابن أبي حازم، بقطعه، ومدت يده للقطع، ثم قال الوالى: اذهبوا به إلى مالك، فأدخل عليه،
_________________
(١) حميد بن قيس، قال عنه ابن سعد: ثقة، كثير الحديث، توفي في خلافة أبي العباس، انظر الخلاصة ص ٩٥.
[ ٢ / ١٢٧ ]
وقرئت له قصة طويلة، وشهادات قوية، ثم مر به شاهد يشهد أنه نظر إليه يوم سرق فوجده قد أنبت (^٢٧٨)، فقال: انظروا مع هذا الشاهد غيره، فلم يوجد، فقال: أرى شاهدا واحدا على الإنبات، ولم ينظر فيه حتى شك، لا قطع عليه.
فقال له الرسول: فكم ترى يضرب؟
قال: خمسة وسبعين سوطا، ولو احتمل لزدت.
- * -
وقدم أبو عبد الرحمن السروجى، فأتى مالكا فجلس بين يديه، وعلى مالك رداء عدنى اشتراه بخمسمائة درهم، فسأله عن رجل مات ولم يحج حجة الإسلام، ولا أوصى بها، أيحج من ماله؟
قال مالك: لا.
قال له أبو عبد الرحمن: ما هكذا يقول علماؤنا.
قال: وما يقول * علماؤكم؟
فقال: حدثنا هشيم (^٢٧٩)، وذكر الحديث: "أن النبي ﷺ سمع رجلا يلبى عن شبرمة، فقال له النبي ﷺ: عن نفسك، ثم عن شبرمة".
فقال مالك: علماؤنا علماؤنا! من علماؤكم؟ تحدثني عن البغالين (^٢٨٠) قال الله تعالى: "وأن ليس للإنسان إلا ما سعى" (^٢٨١)، ثم قال: أقيموه. فأقامونى، فبودي لو سكت حتى أسمع منه.
- * -
قال الحارث بن مسكين: كان ابن هرمز قد أوصى مالكا وعبد العزيز فقال: إذا دخلتما على السلطان فكونا من آخر من يتكلم عنده.
_________________
(١) أنبت الغلام إنباتا: بلغ مبلغ الرجال وفى نسخة أ: انبث - وفى نسختي ك، ط: انبت، ولعل الصواب ما أثبتناه كما يستفاد من السياق.
(٢) أ: هشيم - ك: هشام - ط: هاشم.
(٣) أ: البغالين - ك، ط: البقالين.
(٤) الآية ٣٨ من سورة النجم.
[ ٢ / ١٢٨ ]
قال أبو عمرو: فلعمرى لقد لزم مالك ذلك، ولقد بلغني أن بعض الأمراء أحضره في جماعة فيهم ابن أبي ذئب، فأخرج إليهم قصة قرئت عليهم في رجل أقر على نفسه بالقتل عمدا، فقالوا بأجمعهم:
نرى عليه القتل، ويدفع إلى ولاة المقتول، فإن شاءوا قتلوا، أو عفوا.
ومالك ساكت. فقال له الأمير:
ما تقول يا أبا عبد الله؟
[قال: انظر.
وأطرق يفكر، وجعل الأمير يحركه للقول، وهو يقول: هو القتل، حتى انظر.
فقال القوم فيما بينهم: ما ينظر؟ أي شيء في هذا؟ فرفع رأسه وقال: أين القاتل المقر؟
فإذا حدث السن] (^٢٨٢)، فقال:
منذ كم حبس؟
فقال: منذ كذا.
فإذا إقراره كان قبل أن يحتلم.
- * -
قال بعضهم: اجتمع مالك والأوزاعي فتناظرا، فجعل الأوزاعي يجر مالكا إلى المغازى والسير، فقوى عليه، فلما رأى مالك ذلك جره إلى غيرها من الفقه، فقوى فيه مالك عليه.
_________________
(١) سقط من نسخة ك، من قوله: "قال: انظر، وأطرق يفكر" إلى قوله: "فإذا حدث السن".
[ ٢ / ١٢٩ ]