قال القاضي ﵁:
قال معن: جاء ابن سرجون الشاعر الى مالك ﵀، فقال له:
- قلت شعرا أحب أن تسمعه.
فقال: لا. وظن أنه هجاه.
فقال: لتسمعنه، وأنشد:
سلوا مالك المفتى عن اللهو والغنا … وحب الحسان المعجبات العوارك
فيفتيكم أني مصيب، وإنما … أسلى هموم النفس عنى بذالك
فهل في محب يكتم الحب والهوى … أثام؟ وهل في ضمة المتهالك
فسرى عن مالك، فضحك، وكان قليل الضحك.
- * -
وقال الزبير بن بكار: سأل محمد بن عبد الله الأسدى مالكا عن امرأة أراد تزويجها، وذكر قصة، فقال له مالك:
تربص، فانها لا تحل لك الآن.
فقال:
[ ٢ / ١٣٩ ]
سأخطبها جهدى، واني مخالف … لما قال لى حبر المدينة (^٢٩٩) مالك
يقول - وقد حلت - تربص: وانما … تربص مثلى - لو علمت - المهالك
أحرمت تزويج المحبين بينهم … وأنت امرؤ، فيما يرى الناس، ناسك
- * -
وقال محمد بن الفضل المكي: مر مالك بمغنية وهي تقول:
أنت أختى وأنت حرمة جاري … وحقيق على حفظ الجوار (^٣٠٠)
أنا للجار، ما تغيب عنى، … حافظ للمغيب فى الاسرار
ما أبالى أكان بالباب ستر … مسبل، أم بقى بغير ستار
فقال مالك: لو غنى به حول الكعبة لجاز.
وفي رواية: يا أهل الدار علموا فتياتكم مثل هذا.
- * -
وقال مالك: قال أبو حازم: كان أهل الجاهلية أحسن جوارا منكم، والا فبيننا وبينكم قول شاعر هم:
نارى ونار الجار واحدة … واليه قبلي تنزل القدر
ماضر جارا لى أجاوره … ألا يكون لبابه ستر
أعمى، اذا ما جارتي برزت … حتى يوارى جارتي الخدر
قال مالك: لا بأس بالغناء بمثل هذا.
- * -
قال ابن أبى أويس: كنت أمشى مع مالك، اذ مولاة تحمل جرة ماء وهى تقول:
_________________
(١) ك: حبر المدينة - أ: خير البرية.
(٢) ك: الجوار - أ: الجار.
[ ٢ / ١٤٠ ]
ليتنى أرض لسلمي … فتطأني قدماها
ليتنى درع لسلمي … ترتدينى من وراها
ليتنى خادم سلمي … قاعد حيث أراها
فقال لي: يا إسماعيل، رجل أو امرأة؟
قلت: هي غزال، خادم بني عمارة.
قال: إنها لفصيحة اللهجة، حسنة التأدية (^٣٠١).
- * -
قال: وسمعنى مالك وأنا أنشد:
"ودع هريرة أن الركب مرتحل"
فوقف، ولا أعلم به، حتى بلغت قوله: "علقتها عرضا" الأبيات (^٣٠٢) فقال: هؤلاء خمسة مرحومون.
- * -
قال مطرف: جاء رجل من أهل الكوفة إلى مالك، فأقام نحو الستين أو السبعين يوما، فسمع عددها أحاديث، * فشكا ذلك إلى مالك وقال له: - نحن بالعراق نكتب من المحدث في ساعة أكثر من هذا.
فقال له: يا ابن أخى، بالعراق عندكم دار الضرب، يضرب بالليل، ويخرج بالنهار.
ثم قال مالك: كانت العراق تجيش علينا بالدنانير والدراهم، فصارت الآن تجيش علينا بالحديث.
- * -
وقيل له: أن أهل الشام يقرأون "إبراهام".
_________________
(١) ك: التأدية - أ: التارية.
(٢) الإشارة إلى قول الأعشى: علقتها عرضا، وعلقت رجلا … غيري، وعلق أخرى غيرها الرجل
[ ٢ / ١٤١ ]
فقال: عليهم بأكل البطيخ (^٣٠٣).
- * -
قال ابن أبي مريم: قال لي مالك: يا مصرى، هل على مسجدكم بواب (^٣٠٤)؟
قلت: نعم.
قال: هذا سجن، وليس بمسجد!
- * -
قال ابن أبي أويس: قال مالك: قدم ابن شهاب الزهري المدينة، فغلست (^٣٠٥) إليه، فوجدته في طريق المسجد ومعه غلامه أنس، وكان قد زوجه أمة له، فقال له:
- كيف وجدت أهلك؟
فقال: وجدتها يا مولاى جنة.
فقال ابن شهاب: الحمد لله.
ففطنت وضحكت، فسألني، فقلت:
- إنه يقول: إنها لم توافقه، إن في الجنة سعة وبردا.
فقال: كذلك يا أنس؟
فقال: أي والله يا مولاى.
فما زال يضحك، ويعيدها، إلى أن فاتته الجماعة، فصلى في منزله.
- * -
قال ابن أبي أويس: جاء رجل وامرأته من موالى مالك إلى مالك، وكل واحد منهما يشكو صاحبه.
_________________
(١) هكذا ورد في نسختي ك، م - أما نسخة "أ" ففيها نحو سطر ونصف بياض، وبعده قوله: "فقال: عليهم بأكل البطيخ - ونسخة "ط" فيها أيضا بياض مكان قوله: "يقرأون إبراهام".
(٢) أ: بواب - ك: أبواب.
(٣) غلست: سرت بالغلس، وهو ظلمة آخر الليل إذا اختلطت بالصباح.
[ ٢ / ١٤٢ ]
فقال مالك للرجل: ما نقمت منها؟
فقال: تضحك إذا خرجت منى ريح.
قال مالك: فتباعد منها إذا كان منك ذلك.
فقالت المرأة: هو أصلح من هذا، وهو رعد كرعد الخريف.
فقال لها مالك: أحشى أذنيك قطنا.
قالت: والله لو جعلت في أذني سندان حداد لنفذه.
فقال مالك: أذهبي فأضحكي كيف شئت؟ وقال للرجل: عليك بأكل السعتر. فداوم عليه، فأنقطع عنه.
- * -
وسأل رجل جهنى (^٣٠٦) مالكا عن يمين حلف بها، فأفتاه بطلاق زوجته البتة.
فقال:
أفض عبرات العين ما أخضلت تترى … بكا جازع لا يفقه اللوم والزجرا
بكا ذى تميمات، بكا غير نازع … بكا جازع في شجوه قد بكى غمرا (^٣٠٧)
فما بعد بت الحبل من أم معمر … على خلة أبكى وأستعتب الدهرا
ولكن سأبكيها وأعصارها التي … لهونا بها، سقيا لإعصارها عصرا
فلولا اتقاء الله، والموت مدركي … وشيكا، وبعد الموت أنتظر الحشرا
_________________
(١) ك: جهني - أ: حسيني.
(٢) ك: غمرا - أ: هترا.
[ ٢ / ١٤٣ ]
لبتلت دعوى مسلم متبهل (^٣٠٨) … فقد يعلم الله السريرة والجهرا
على مالك، أيام يفتيك مالك … ولم يبل عهدا من نبى ولا أمرا
لبين التي لو كنت خيرت بينها … وبين يدى، لاخترت بت يدى بترا
عشية يفتيني ويزعم أن بي … عزاء على هجران رامة أو صبرا
فقد جار في يوم المدينة (^٣٠٩) مالك … وأجرى لقتلى وهو يلتمس الأجرا
فرحت، وقد أجدت مشورة مالك … نوافذ تحتل الجوانح والصدرا
فما أن أبالى بعد ما صرت محرما … بعاقبة، لو جاب لي رامس قبرا
وأفنيت عبرات الدموع عليكم … وغادرت دمع العين منحدرا يترا
- * -
قال عمرو بن سليم: رأى مالك فتى يمشي مشية منكرة، فقام مالك، فجعل يمشى إلى جنبه يحكيه. فوقف الفتى، فقال له مالك: مشيتى حسنة؟ قال: لا، قال: فلم تمشيها أنت؟ قال: لا أعود *
_________________
(١) كذا في نسخة "ك"، وبتل لله: انقطع إليه وأخلص، ومتبهل بمعنى مبتهل، أي متضرع إلى الله مجتهد في الدعاء - وفى نسختي أ، ط: لبتلت دعوي مسلم متبثل.
(٢) ك: جار في يوم المدينة - أ: جارني يوم المدينة.
[ ٢ / ١٤٤ ]
- * -
قال أبو عوف عبد الرحمن بن مرزوق: ذكرت لعبيد الله بن محمد قاضي طرسوس، عن بكر المزني أنه قال:
- أحق الناس بلطمة من أكل طعاما لم يدع إليه، وأحق الناس بلطمتين من قال له صاحب المنزل: أقعد هاهنا، فقال: لا هاهنا، وأحق الناس بثلاث لطمات من قال لصاحب المنزل: أدع صاحبة المنزل تأكل معنا.
فقال: عندى أعجب من هذا وأطرف من هذا:
كان مالك يوما جالسا، فاستأذن عليه صديق له فأذن له، وكان لمالك بطيخة في ناحية، فرمى بمنديل عليها، فدخل الرجل، فقال له مالك: هاهنا هاهنا.
فأبى أن يقعد إلا على المنديل، فتفسخت تحته البطيخة!
فقال مالك: يرحمك الله، كنا أبصر بعوار منزلنا منك.
- * -
وسأله رجل عمن قال لآخر: يا حمار! قال: يجلد. قال: فإن قال له يا فرس؟ قال: تجلد أنت. ثم قال: يا ضعيف! وهل سمعت أحدا يقول لآخر يا فرس؟
- * -
قال ابن مهدى: قلت لمالك: أرفق على، قد طال مقامى، وما أدرى ما حدث على أهلى بعدى.
فتبسم وقال: يا ابن أخى، أهلى بالقرب منى وما أدرى ما حدث عليهم بعدى.
[ ٢ / ١٤٥ ]