فقد قدره ابنه، وعنه ابن الخطيب، والمقري، بخمسة أسفار.
وهناك ظواهر يلحظها القارئ لنسخ هذا الكتاب الخطية، تلح في إيجاد تفسير لها، يمكن إجمالها فيما يلى:
١ - اختلاف النسخ في عدد أجزاء الكتاب، ونعنى الإجزاء التي نظن أن المؤلف جزّء إليها كتابه، وهى أجزاء يدل الموجود منها على أنه كان يبتديء كل جزء منها بالبسملَة والتصلية، وينهيه بالتنصيص على نهاية الجزء.
ولم تلتزم النسخ التي يبدنا - بصورة دائمة - النص على بداية كل جزء ونهايته على الصورة التي ذكرناها، بل تركته أكثر مما عنيت بذكره.
٢ - كثرة الفروق بين النسخ في الكلمات والجمل بلغت حدًا يدعو إلى البحث عن الوجه فيه؛ بل وصل الأمر فيها في بعض الأحيان إلى أن كانت لكل نسخة روايتها التي لا تشارك فيها غيرها من النسخ.
٣ - الاختلاف بين النسخ في ترتيب التراجم، تقديما وتأخيرًا.
٤ - تكرار التراجم، بحيث ترد ترجمة الشخص الواحد في مكانين.
وهي مظاهر لا أن يكون وراءها ما أنتجها.
وقد اتفقت المصادر المعتد بها في ترجمة عياض - على أنه لم يسمع كتاب "ترتيب المدارك" في حياته لأحد من الناس، وهى إشارة فيها - فيما نظن - التفسير لهذه الاختلافات؛ فهي على كل حال تعنى
[ مقدمة 1 / ٣٠ ]
- كط -
أن الكتاب لم يقرأه الناس على مؤلفه فتتحدّد عند قراءته - بصورة علنية ونهائية - أجزاؤه، وتتحد - بشكل جماعي - النّسَخ المسموعة منه على متن واحد، وعلى ترتيب واحد، وتحذف منه التراجم المتكررة.
لم يسمع الكتاب، بل ظل في مسوَّدة المؤلف، (^٧٨) إلى أن تداولته أيادي النساخ، فأخرجوه من المسوَّدة باجتهادهم.
ووصف خط عياض عند الحديث على مسوَّدة "مشارق الأنوار" من تأليفه، فقيل: إنه "في أنهَى درجات التثبيج (^٧٩) والإدماج والإشكال وإهمال الحروف (^٨٠) ".
وهي صفات وسعت المجال للاجتهاد، فولدت المظاهر التي سبق الحديث عنها.
ومهما كان الأمر فقد حدث الاختلاف، وكان له أثره في عملنا في نشر الكتاب؛ فقد أرغمنا، إزاء ذلك، أن نستكثر من النسخ بغية الوصول - أو المقاربة - إلى درجة الاطمئنان.
وكان علينا أن نختار من الفروق ما تتحقق دلالته على معنى صحيح، غير أنا آثارنا أن نضع بين يدي القارئ كلَّ، أو جُلَّ، الفروق ليكون له أن يختار، إذا وجب عليه أن يختار، ولم نجتهد إلا في اختيار النص الذي أثبتناه، فهو - حسب اجتهادنا - النص المرجّح، وما وُضع من
_________________
(١) كانت هذه المسودة التي بخط المؤلف عند التباهي، وقد أشار إليها مرات في "المرتبة العليا".
(٢) التثبيج: التعمية وعدم البيان في الخط.
(٣) الديباج ٢٩٢.
[ مقدمة 1 / ٣١ ]
- ل -
الروايات في أسفل المتن بين الفروق نَصٌّ مرجوح، في أغلب الأحيان.