من ذلك قول سعدون الورخسي (^١٧٠) *
أقول لمن يروى الحديث ويكتب … ويسلك سبل الفقه فيه ويطلب
إن أحببت أن تدعى لدى الخلق عالما … فلا تعد ما تحوى من العلم يثرب
أتترك دارا كان بين بيوتها … يروح ويغدو جبرئيل المقرب
ومات رسول الله فيها، وبعده … بسنته أصحابه قد تأدبوا
وفرق شمل العلم في تابعيهم … وكل امرئ منهم له فيه مذهب
فخلصه بالسبك للناس مالك … ومنه (^١٧١) صحيح في المجس وأجرب
فأبرى (^١٧٢) بتصحيح الرواية داءه … وتصحيحه فيها (^١٧٣) دواء مجرب
ولو لم يلح نور الموطأ لمن يرى … بليل عماه ما درى أين يذهب
فبادر موطا مالك قبل فوته … فما بعده إن فات للحق مطلب
ودع للموطا كل علم تريده … فإن الموطأ الشمس، والغير كوكب
هو الأصل طاب الفرع منه لطيبه … ولم لا يطيب الفرع والأصل طيب؟
_________________
(١) أ، ط: سعدون الورخسي - ك، م: سعدون الورجيني - وقد وردت القصيدة في الديباج ص ٢٦ وورد معها اسم الشاعر هكذا: سعدون الوارجيني.
(٢) ك: ومنه - أ: ومنهم.
(٣) ك: فأبرى - أ: فأبدى.
(٤) أ: وتصحيحه فيها - ك: وتصحيحها فيه.
[ ٢ / ٧٧ ]
هو العلم عند الله بعد كتابه … وفيه لسان الصدق بالحق معرب
لقد أعربت آثاره ببيانها … فليس لها في العالمين مكذب
ومما به أهل الحجاز تفاخروا … بأن الموطأ في العراق محبب
ومن لم تكن كتب الموطأ ببيته … فذاك من التوفيق بيت مخيب
أتعجب منه إذ علا في حياته؟ … تعاليه من بعد المنية أعجب!
جزى الله عنا، في موطاه، مالكا … بأفضل ما يجزى اللبيب المهذب
لقد أحسن التحصيل في كل ما روى … كذا فعل من يخشى الإله ويرهب
لقد فاق أهل العلم حيا وميتا … فأضحت به الأمثال للناس تضرب
وما فاقهم إلا بتقوى وخشية … وإذ كان يرضى في الإله ويغضب
فلا زال يسقى قبره كل عارض … بمندفق ظلت عزاليه تسكب (^١٧٤)
ويسقى قبورا حوله دون سقيه … فيصبح فيما بينها وهو معشب
وما بي بخل أن تسقى كسقيه … ولكن حق العلم أولى وأوجب
وقال أبو طاهر أحمد بن محمد الأصبهاني في ذلك:
أعم الكتب نفعا للفتيه … موطا مالك، لا شك فيه
فلا تبدأ بشيء من سماع … سواه عن إمام ترتضيه
وصاحب من يعظمه وجانب … كتاب جميع من قد يزدريه
وقال القاضي المؤلف ﵁، في ذلك:
إذا ذكرت كتب العلوم فخيرها … كتاب الموطأ (^١٧٥) من تصانيف مالك
_________________
(١) ك: بمندفق ظلت عزاليه تسكب، والعزالى بفتح العين جمع عزلاء، مصب الماء من القربة ونحوها، يقال: أرسلت السماء عزاليها: انهمرت بالمطر، وأرخت الدنيا عزاليها: كثر خيرها - وفى نسخة أ: بمنبعث ظلت عزاليه تسكب.
(٢) ك، م: فخيرها كتاب الموطأ - أ، ط: فحيهل بكتب الموطأ.
[ ٢ / ٧٨ ]
أصح أحاديثا وأثبت سنة … وأوضحها في الفقه نهجا لسالك
أسانيد، أمثال الرواسي، صحيحة … ورأى كأنوار النجوم الشوابك (^١٧٦)
* هو الحجة الغراء والعصمة التي … ينجى هداها من جميع المهالك
به يهتدى في كل أمر ويقتدى … وفيه جلاء المشكلات الحوالك
عليه مضى الإجماع في كل أمة … على رغم خيشوم الحسود المماحك
وأول تصنيف تهذب فاغتدى … يعلم كلا نهج تلك المسالك
بتأليف أشكال وحسن عبارة … وإتقان ترتيب لتلك المدارك
فجاء كما حلى الوشاح منظم (^١٧٧) … وخلص محض التبر تخليص سابك
فعنه فخذ علم الديانة خالصا … ومنه استفد شرع (^١٧٨) النبي المبارك
وشد به كف الضنانة (^١٧٩) تحتوى … فمن حاد عنه هالك في الهوالك (^١٨٠)
_________________
(١) ك: الشوابك، أي المتداخل بعضها في بعض - أ، الموارك - ط: السوارك.
(٢) أ، ط: فجاء كما حلى الوشاح منظم - م: فجاء كما جاء الوشاح منظما.
(٣) أ: شرع النبي - ك: علم النبي.
(٤) ك: الضنانة - أ: الصيانة.
(٥) أ: في الهوالك - ك: في المهالك.
[ ٢ / ٧٩ ]